الافتتاحية

بين الغنوشي وسعيّد.. صفحة جديدة؟

بشكل مفاجئ، تسارعت الأحداث ، لتفتح أبواب الأمل في حلحلة الأزمة السياسية التي أناخت بكلكلها على البلاد.. لقاء مفاجئ بين القيادي المستقيل من حركة النهضة لطفي زيتون مع رئيس الجمهورية قيس سعيد، بدعوة من هذا الأخير، تلاه لقاء آخر مع رئيس البرلمان ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، الذي أصدر بالمناسبة بيانا أكد خلاله أن الاجتماع تم بطلب من زيتون، وشدد فيه بالخصوص على أن الحوار بين الرجلين دار حول اقتراح لقاء بين رئيس البرلمان ورئيس الدولة للتداول حول الأوضاع الصعبة بالبلاد ، وأنه رحّب بترتيب اللقاء المقترح”.

بعد هذه التطورات أعلن رئيس حركة النهضة عن تأجيله إجراء حوار مع قناة “حنبعل”، كان يفترض أن يقدم فيه جملة من القرارات الحاسمة والمقترحات “الاستثنائية” للخروج من الأزمة التي تمرّ بها البلاد. واعتُبرت هذه الحركة من الغنوشي بادرة حسن نية جديدة تجاه الرئيس، وهي ليست الأولى إذ سبق لرئيس البرلمان أن فعل نفس الشيء لمّا طلب منه الرئيس قيس سعيد عدم المشاركة في اجتماع دافوس .

فتح أبواب الأمل في حلحلة الأزمة السياسية من خلال هذا اللّقاء المرتقب وما يمكن أن يُبنى عليه من لقاءات وحوارات مستقبلية، لا يعني أن الأمر سيكون سهلا، والتوصل إلى نتائج أو حلول لن يكون يسيرا، خاصة وأن هناك من يعمل على الاستثمار في الأزمة وتعميقها ومزيد تعفينها، خدمة لأجندات النكوص إلى الاستبداد أو تصفية لحسابات حزبية أو أيديولوجية ..

ومنذ الإعلان عن اللقاء المرتقب استُنفرت آلة إعلامية ضخمة في محاولة لنسف أي إمكانية لحصوله، ووصل الأمر حد اعتبار اللقاء هزيمة نكراء لسعيد وانتصارا ساحقا للغنوشي..

خطاب موغل في الحقد وافتعال الأزمات، ومشحون بالكراهية لأبعد حد، وهو خطاب يستثمر في الأزمة، أو هو يراعي التموقعات الذاتية، فلا شك في أن كثيرين لهم حساسية من القيادي السابق في النهضة لطفي زيتون ولا يتمنون له عودة إلى سطح الأحداث، ولا شك في أن نجاح أي اختراق سياسي يفك عزلة الرئيس سيؤدي إلى إضعاف سطوة بعض النافذين في قصر قرطاج في الأشهر الماضية والذين بنوا حول الرئيس سورا عاليا تحول بينه وبين كل رأي مخالف لهم. الحوار مهما طال، أو تعثر، يبقى أفضل من التراشق والتطاحن، وقد كان ولا يزال العملة الرائجة في الثقافة التونسية.

وهو أفضل لأن هناك من ذهب حدّ التكهن بأن اللّقاء لن يتم، وإن تم فسيكون بمثابة صفقة رابحة لحركة النهضة ورئيسها الغنوشي الذي سيعمل على فرض شروطه وهي شروط لا علاقة لها بمصلحة الوطن بل بما سيحققه رئيس النهضة من مكاسب.. وفق ادعاءاتهم.

من جهة أخرى يرى البعض أن الغنوشي وقع ضحية مناورة ذكية من قصر قرطاج لإجهاض خروجه التلفزي، وأنه لن يجني شيئا من الحوار مع سعيد الذي لم يواجه عزلة سياسية أكثر من التي واجهها بعد دعوته للعودة إلى دستور 1959 وإلغاء الثورة من أساسها.

وكما كان اللّقاء ممكنا بين الغنوشي وقائد السبسي رحمه الله رغم تباين الانتماء حد التناقض بينهما، فإن اللقاء بين سعيد الذي يؤمن بالثورة في إطار الشرعية والمؤسسات، والغنوشي الذي يؤمن بأن التوافق هو قدر تونس، ممكن جدا متى توفرت المنهجية والأطر ووسطاء الخير بعيدا عن منطق الصفقات.

ورغم صعوبة المهمة، ورغم الذين ينفخون في كير الأزمة، فإن اجتراح حلول لما تعانيه بلادنا من أوضاع صعبة يبقى ممكنا، وتونس عوّدت العالم بأنها في اللّحظات الحاسمة قادرة على ايجاد مخارج للأزمات التي تعيشها، حتى وإن بدت المهمة شبه مستحيلة، وهذا ما ميز الاستثناء التونسي وهذا ما جنّب بلادنا ويلات أزمة 2013 . المهمة صعبة ولكنها ليست مستحيلة، خاصة إذا راعى الحوار جملة من الثوابت الرئيسية لدى حركة النهضة وخاصة منها، رفض إقصاء أي طرف سياسي. و المطلوب أن يرتقي الحوار إلى مناقشة المسائل الكبرى التي تضمن إدارة الشأن العام بنجاعة في ظرف صعب يموت فيه آلاف التونسيين والتونسيات بكورونا، ويقف الاقتصاد الوطني، على مشارف الانهيار.

ما تحتاجه تونس اليوم هو الاستقرار السياسي الشامل، ومن أركانه الاستقرار الحكومي باعتباره وسيلة وليس غاية في حد ذاته، ووجود علاقات تجانس وتناسق بين المؤسسات وداخلها، والأغلبية السياسية التي تسنُد البناء الحكومي، وبرنامج عمل يستند إلى أولويات وطنية واضحة تصل بالبلاد إلى شاطئ الأمان وتترك للشعب في الانتخابات القادمة الفرصة ليختار من يحكمه وكيف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق