راي رئيسي

بين هيبة الرئاسة وكرامة المواطن

ما حصل بمسجد أُحد بالمنيهلة يمكن التوقف عنده بعمق بعيدا عن العاطفة المنتصرة لكرامة المواطن أو لهيبة الرئاسة.

الحدث كان يمكن ألا يحصل لو أن سيادة الرئيس صلى الجمعة كعادته وغادر مع المصلين دون تكليف نفسه إلقاء خطبة في المسجد في مسائل مثيرة للجدل حين تُطرح بأسلوب التعميم والتعويم وفي غير مكانها وامام غير الممسكين بملفاتها، أي قضايا الفساد والفاسدين التي يتفق فيها أغلب التونسيين مع سيادة الرئيس من حيث المبدأ وينتظرون منه الذهاب مباشرة بملفات معززة بالأدلة نحو القضاء يفصل فيها ويُحمّل كلا مسؤوليته كاملة.

الفساد واستغلال النفوذ ونهب أموال الشعب ليست مجرد سوء تصرف بل هي جرائم وخيانات وطنية يمكن أن تكون محل نظر القضاء العسكري بالنظر إلى تأثير الفساد على أقوات الناس وعلى السلم الأهلي وبالنظر أيضا إلى ما يترتب عنه من ارتهان للبنوك الخارجية وللتداين وطلب المساعدات وهي كلها أسباب لفقدان السيادة الوطنية والكرامة المواطنية، وكل من يتسبب في ذلك فهو مجرم وخائن يستحق أشد العقوبات بما فيها الإعدام في الساحات العامة حتى لا يُعدَم الوطن ولا يتيتّم شعبنا.

كان يمكن أيضا أن تمر مداخلة الرئيس بهدوء دون تعليق من المواطن احتراما للرئيس واحتراما أيضا لقرار النأي بالمساجد عن الخصومات السياسية، وكان يُمكن أيضا تجاوز ما صدر عن ذاك المواطن من تعليق على الرئيس ـ إلا نعته له بالنفاق فهو ثلب يحال بسببه على القضاء ـ دون التعرض لسلامته الجسدية في بيت الله تعالى.

ورد في الأثر من كون  عمر ابن الخطاب قد صعد مرة المنبر وذكر الله تعالى وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسمعوا وأطيعوا، فقاطعه أحد المصلين صارخا: لا سمع اليوم ولا طاعة حتى تعطينا من بيت مال المسلمين إنه ليس من كدك ولا من كد أمك،

توقف عمر عن الكلام ونزل من على المنبر والناس ينتظرون ما قد تكون ردة فعله، أعاد عمر الوضوء ثم صعد المنبر ثانية وخطب في الناس.

بعد الصلاة سأله بعض المصلين عن سبب قطع الخطبة وإعادة الوضوء فأجابهم: لقد غضبت وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “الغضب من الشيطان والشيطان من نار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضّأ.

إن “لو” تفتح عمل الشيطان كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك سنتعامل مع الحدث كما حدث وبما هو واقع،وسنحاول استخراج الدروس مما حصل فليس كله شرا.

حدث سابقا تعرض رئيس الجمهورية د المنصف المرزوقي ومعه رئيس المجلس التأسيسي د مصطفى بن جعفر ورئيس الحكومة المهندس حمادي الجبالي إلى هجوم بالمقذوفات وهم على منصة الإحتفال بالذكرى الثانية للثورة بمهد الثورة بمدينة سيدي بوزيد، ولكنهم انصرفوا لائذين بسلامة رؤوسهم ألا يطالها حجر.

نفس الشيء حصل مع رئيس الحكومة علي العريض ورئيس الجمهورية منصف المرزوقي بثكنة العوينة حين رُفع في وجهيهما شعار “ديقاج”.

الباجي قائد السبسي رحمه الله حين تولى رئاسة الحكومة في 2011 تعرض في القصبة إلى تهجم أمنيين عليه ومرت الحادثة بهدوء.

الحديث عن هيبة الدولة هو قرين الحديث عن كرامة المواطن وهما في ترابط وتداخل يؤكد أحدهما الآخر،غير أن هذين المبدأين يظلان هدفين مطلقين نتقدم نحوهما ببطء وهدوء خاصة ونحن نغادر للتو منطقة الخوف التي أقمنا بها عقودا بعد أن فاجأتنا “عاصفة” الحرية.

نحن مازلنا نتدرب على كيف نكون ديمقراطيين تتسع صدورنا وعقولنا لوجهات نظر غيرنا ولانفعالاتهم وردود فعلهم وحتى لغضبهم وتوترهم، الديمقراطية ليست مستحضرا دوائيا يتناولها الناس فيتعافون من الاستبداد والتسلط والأنانية والحقد والتكبر، الديمقراطية وعي وثقافة وأخلاق ومحبة للناس وقدرة على تحمل الاختلاف والتعدد والتنوع.

لا أرى مشكلة في المشكلات التي تحدث إنما المشكلة في كيفيات التعاطي معها وتناولها ومعالجتها وتبادل الآراء حولها مع الآخرين، إن الأزمة الحقيقية هي في عدم قدرتنا على تناول المشكلات بحيث نحول كل خطأ إلى كارثة ولا نسعى للاستفادة من الأخطاء وتحويلها فُرَصا نستفيد منها لتعميق التجربة وتوسيع دائرة “التعارف” من أجل أن نذهب معا نحو مستقبل أقل بؤسا وأكثر ابتهاجا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق