راي رئيسي

تزييف مُخاتل لطبيعة الصراع ..
هذه ليست معركة النهضة ولن تكون!

يبدو أن الامين العام للاتحاد العام التونسي للشغل قد ألقى المنديل ويأس من الرئيس حتى أن بعض المقربين يؤكدون أنه لم يعد يرد على مكالمات القصر.

مبادرة الحوار الوطني التي طرحها اتحاد الشغل كانت الأمل الوحيد في تجاوز الأزمة المفتوحة على كارثة. فلا توجد جهة أخرى بحجم وتأثير المنظمة الشغيلة قادرة على انجاز وإدارة فكرة الحوار بديلا عن التهارج بين الرئاسات.

انسحاب اتحاد الشغل له أكثر من دلالة عميقة وأول دلالته موت فكرة مركزية في النصاب الديمقراطي، تقول أن جوهر الديمقراطية هو حسم الصراع أو النزاع حول موضوع الحكم بأدوات مدنية وسلمية في إطار الدستور وما ينبثق عنه من قوانين، بديلا عن أدوات العنف والمباراة بالدم على ما عرفه العالم قبل القناعة بفكرة العقد الاجتماعي.

الدلالة الثانية لانسحاب الطبوبي أن الحوار إذا استحال مع القصر الذي رفض الحوار بدعوى عدم استعداده للجلوس مع الفاسدين، فهذا يعني أن القصر يملك خطة بديلة لحلّ الأزمة خارج آلية الحوار، وكل المعنى في تقديري هنا فما هو بديل الحوار الوطني الذي يملكه الرئيس ولا يعرفه بقية المعنيين؟

المعلوم لدى القاصي والداني أن مفردات الأزمة عديدة ومتعددة منها ما يتصل ببنية النظام السياسي، ومنها ما يتصل بأداء النخب الحاكمة، ومنها ما له علاقة برواسب نظام الاستبداد وتركته الثقيلة، ومنها ما يمتد إلى الأزمة الصحية العالمية والوضع الوبائي العام.

قيس سعيد كان واضحا تمام الوضوح، في موضوع النظام السياسي ومعموديته الدستورية من جهة، وفي موقفه من النخب الفاعلة في المشهد والتي يعتبرها فاسدة ومفسدة وعاملها منذ سقوط حكومة الجمني بتعال واحتقار.

هذا كله أو جلّه معروف الآن ومتداول، والمشكل ليس في قناعات الرئيس ورأيه في الموجود الدستوري والسائد السياسي، المشكل والعقدة في تمشي الرئيس لمعالجة ما يراه سببا أو من أسباب الأزمة، وجوهر ومدار التمشي كما تبين من خلال ما مر من عهدته هو الانقلاب المباشر، ونسف المنظومة من داخلها بآلية بسيطة ولكن ناجعة، وهي احتكار تأويل الدستور وتطويعه للاستيلاء على الدولة ، وتوظيف أدواتها لفرض مشروعه البديل.

خطاب الرئيس يوم 8 أفريل في موكب عيد قوات الأمن الداخلي سيبقى في الذاكرة الوطنية كإعلان انقلاب مباشر على النظام السياسي القائم. وقد نشرت رئاسة الجمهورية التونسية عبر صفحتها الرسمية على “فيسبوك” يوم الأحد، وعقب كلمة رئيس الجمهورية قيس سعيد في موكب عيد قوات الأمن الداخلي، الوثائق الدستورية التي كان قد استعرضها أمام رئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، والتي خلص منها إلى أن الدستور ينص -حسب قراءته- على أن ”رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة العسكرية والمدنية ” .

خطاب الرئيس كان من زاوية أخرى ردا على اتحاد الشغل ومبادرته، فبديل الحوار قد وضحّه الرئيس وهو توسيع صلاحياته بتأويل غريب وشاذ للنصوص الدستورية، لاحتكار السلطة وأجهزة الدولة، كخطوة أولى لحل الأزمة التي اقترح الطبوبي الحوار حولها.

الرئيس يملك استراتيجية حل مغايرة لآلية الحوار التي درج التونسيون للهرع إليها عند شدائد المآزق السياسية الحادة.

جوهر الحل الذي بصدد فرضه الرئيس على الجميع هو انتزاع السلطة التنفيذية والتشريعية و إن لزم الأمر القضائية، واحتكار كل أجهزة الدولة وفي مقدمتها المكلفة باحتكار الاكراه والعنف الشرعي، لاستعمالها في تنزيل مشروعه التبشيري الانقاذي على جثة الديمقراطية التمثيلية، ومنسوب العنف اللفظي في قاموس الرئيس ضد معارضيه يغلّب الاستنتاج أن أداة حسمه للصراع معهم ستكون أجهزة الدولة وفي مقدمتها جهازها البوليسي والعسكري.

توسعت مع الأيام وخاصة بعد خطاب 8 أفريل الفاضح دائرة المقتنعين بأن الرئيس ليس عاجزا فقط عن أداء مهامه التي حددها دستور 2014، بل وهذا الأخطر، إنه اليوم بصدد الانقلاب العيني على الموجود الدستوري والسياسي لصالح نظام رئاسوي بائس يقصي فيه الخصوم بتجيير أدوات الدولة، ويحتكر إدارة الشأن العام بنصاب قمعي واستبدادي قد يستلهم التجربة المصرية بعد أن تبين إعجابه بها خلال زيارته العائلية الغامضة والمطولة لأخيه السيسي.

توسعت دائرة معارضي الرئيس وردّ عليه مباشرة ولأول مرة رئيس الحكومة مستغربا من تأويله الشاذ للدستور. وتتالت بعده المواقف المنبهة للحماقة التي ربما يقدم عليها الرئيس.

وبرصدنا لردود الأفعال في المنابر الإعلامية التي كانت في عمومها مناصرة للرئيس أو متعاطفة معه مادام في معركة كسر عظام مع الغنوشي، لاحظنا أن أغلب المحللين استغربوا من صفاقة تمشي الرئيس ونبهوا إلى خطورة منزعه لاحتكار السلطة، وتوسيع صلاحياته دون سند دستوري ولا أخلاقي ولا سياسي.

عياض بن عاشور أحد أكبر المختصين في القانون الدستوري ومهندس قانون أكبر البقايا الانتخابي، رد بقوة على قيس سعيد ونبه تصريحا لا تلميحا إلى أنه بصدد الانقلاب، وكذلك قال عبد الوهاب معطر وجوهر بن مبارك والحبيب خضر وغيرهم من المختصين في القانون الدستوري.

الأحزاب أيضا أصدرت بيانات اختلفت في اللهجة واتفقت في التنبيه لخطورة منزع الرئيس لتطويع الدستور لرغبته في العودة لنمط النظام الرئاسوي.

الملاحظ على هامش ردود الأفعال أن الإسلاميين كانوا الأكثر حضورا في الرد على الرئيس، وبيان حركة النهضة كان الأكثر وضوحا في رفض ما ورد في خطاب 8 أفريل، مما عمّق الانطباع السائد لدى قطاع من النخب والمستخدم مع “سابقية اضمار” من الحزام الحزبي والبرلماني للرئيس، بأن المعركة مع سعيد هي بالأساس معركة بين الغنوشي والرئيس، وأن رئيس الحكومة ليس سوى واجهة لتلك المعركة.

إذا تفحصنا هذا الرأي من زاوية الوقائع الملموسة والمباشرة بشواهدها الماثلة، فإن المعركة بالأساس والمبتدأ والمنتهى هي معركة قيس سعيد لوحده. فهو من خوّن مخالفيه دون أن يسميهم، وهو من سعى ويسعى إلى تعطيل المرفق العام وتخريب مؤسسات الدولة، وهو من رفض أداء الوزراء لليمين الدستوري، وهو من عطّل تركيز المحكمة الدستورية، وهو من تكفّل باحتكار مهمة تأويل الدستور على مقاسه، وهو من رفض ويرفض أي مبادرة للحوار والتسوية رغم كل المحاولات والوساطات، في المقابل لم نسجل للغنوشي قبل بيان النهضة الأخير أي تصريح أو تلميح ينتقد الرئيس أو يعارضه، بل إن جزء كبير من قواعد حزبه يلومونه عن صمته السلبي والمريب تجاه حماقات الرئيس وما يصدر عنه.

أنصار الرئيس وحزامه السياسي يدفعون إلى حصر الصراع مع النهضة والغنوشي، لأنهم يعلمون أن القطاع الأوسع من الشارع، وتحت تأثير الدعاية السوداء الكثيفة والموجهة، أصبح مهيأ للقبول بفكرة أن النهضة هي طاعون الحياة العامة، وهي المسؤولة عن الوضع الكارثي بالبلاد، لهذا وعلى هذا فإنهم يعتقدون خطأ أو صوابا أن أقصر وأنجع وأسهل الطرق لحسم المعركة لصالحهم والتخلص من النهضة هو في حصر المعركة وإخراجها على أنها معركة الرئيس ضد الغنوشي.

النهضة اليوم ليست نهضة بداية التسعينات التي خاضت بالوكالة عن الجميع معركة فرض الحريات ضد النظام النوفمبري ودفعت فاتورة تلك المعركة من دماء أبناءها ومعاناتهم، وتونس اليوم ليست تونس الأمس، والمعركة مع منزع الرئيس معركة وطنية مدارها الدفاع عن الدولة أولا، والحفاظ عن السلم الأهلي ثانيا، والتمسك بالمنجز الدستوري والسياسي للثورة ثالثا .

هذه العناوين يلتقي حولها الطيف الأوسع من النخب الوازنة، وتتصدرها المؤسسات الشرعية والسيادية في الدولة، وفي مقدمتها البرلمان والحكومة، وأي انزلاق نحو تحزيبها أو حشرها في معادلة “إسلاميون في مواجهة الرئيس” هو تزييف مخاتل لطبيعة الصراع، وتجويف له من محتواه الوطني، وستكون له توابع واستتباعات كارثية على الجميع، لأن أفق الفوضى والتحارب الأهلي، أو عودة نصاب قمعي حاد وأشرس مما عرفته دولة الاستقلال في العهدين البورقيبي والنوفمبري.

الرئيس رفض دعوة المنظمة الشغيلة وكل العقلاء للجلوس إلى طاولة التفاوض والحوار للخروج من الأزمة، ويتحمل وحده مسؤولية جر البلاد للمجهول. وعلى الجميع التفكير الجدي في تشكيل جبهة وطنية جامعة تعيد الرئيس إلى حجمه وموقعه ودوره كما حدده الدستور، وإلا فالقادم إما كارثة القمع أو فضيحة التحارب، وسيدفع الجميع الثمن بالحاضر والماثل والملموس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق