راي رئيسي

تونس الشعبوية: قيس وعبير وجهان لعملة واحدة

– نور الدين الختروشي –

الديمقراطية أو ذلك الاختراع السياسي الطريف والنبيل لأنسنة الصراع حول السلطة، جوهرها تحويل المباراة بالدمّ في المسرح الاجتماعي إلى التنافس بالفكرة.

الديمقراطية كثيرا ما تفصح عن عنف رمزي بديل ينحو إلى الردّة بها إلى ما قبل العقل والتعقّل، فبمتابعة قريبة لتطوّر الديمقراطيات الراسخة والمحدثة نلاحظ أن الصراع السياسي السويّ الذي يستبدل آليات وأدوات العنف لاحتكار السلطة بآليات الدعاية واستراتيجيات التحكّم في الرأي العام لا يخلو من “عنف بديل”.

العنف الرمزي أو الاعتداء الفاحش على الحقيقة تلبيسا وتدليسا وتزويرا هو مناط استراتيجيّة التلاعب بالعقل والانتصار للغريزة كما تفصح عنه الشعبوية خطابا وممارسة.

يكاد لا يخلو أي نقاش سياسي أو عملية انتخابية مؤخرا من مصطلح “الشعبوية”. إذ تمّ تداوله خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وقبل ذلك تكرّر في النقاشات التي رافقت عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

بات مصطلح الشعبوية يتكرّر مع كل عملية اقتراع بدءا من “بريكست” مرورا بحملة ترامب، وتتناوله التحليلات والتعليقات السياسية قبل كل انتخابات، واستخدام هذا المصطلح المحمل بالتاريخ والمدلولات المتناقضة ليس من دون مغزى.

أي تعريف للشعبوية؟

كتب مدير مجلة “كريتيك” فيليب روجيه العام 2012 أن هذه “الكلمة في كل مكان، لكن من دون تعريف لها”. ويقول هذا الجامعي لفرانس برس “اليوم أيضا، لا يزال من الصعب تحديد هذا المصطلح” لأنه يثير “جدلا” و”يعني ظواهر في غاية الاختلاف”.

أما أوليفييه ايهل، خبير الأفكار السياسية في معهد العلوم السياسية في غرونوبل، فيعتبر أن صعوبة تحديد معنى الكلمة تكمن في أنها “ليست مفهوما”. ويضيف “أنها لا تستخدم للتوضيح بقدر ما تستخدم للتنديد”. إنها مصطلح يمكن أن يحلّ محل مفردات أخرى حسب الحالات مثل “القومية” و”الحمائية” و”كراهيّة الأجانب” و”الشوفينية” و”تبسيط الأمور”.

من جهته، يحدّدها قاموس “بوتي روبير” طبعة العام 2013 بأنها “خطاب سياسي موجه إلى الطبقات الشعبية، قائم على انتقاد النظام ومسؤوليه والنخب”.

لكن أوليفييه ايهل يصف هذا التعريف بأنه “غامض وغير دقيق” لأن “الطبقات الوسطى، كما رأينا مع حزب الحرّية في النمسا (…) معنية بهذه الظاهرة بقدر الطبقات الشعبية”.

بدوره، يقول الباحث الأمريكي مارك فلورباي من جامعة برينستون، إن الشعبوية هي “البحث من قبل سياسيّين يحظون بكاريزما عن دعم شعبي مباشر في خطاب عام يتحدّى المؤسّسات التقليدية الديمقراطية.

الانتخابات الرئاسية والتشريعية في تونس كان أهمّ عناوينها انتصار الشعبوية في الرئاسيات ممثلة في الرئيس قيس سعيد وتقدّمها في التشريعيات ممثلة في حزب عبير موسي.

الديمقراطية أيضا “أم المفارقات”. فأن يتقاطع خطاب قيس سعيد المتدثر بدثار الثورة والشعب يريد والمتربع على عرش الطهورية الأخلاقيّة وخطاب القيمة والمبدأ مع خطاب الردّة على الثورة والانحياز للمنظومة النوفمبرية، هنا يولد العدم من رحم المفارقة. يتقاطع خطاب التجذر الحالم بتغيير الموجود الدستوري والسياسي مع خطاب التمجيد البائس لنظام القمع العاري وتتواطأ الفضيلة مع الرذيلة على هدف واحد ونهاية واحدة وهي نسف المنجز الدستوري للثورة والنصاب السياسي المستتبع.

كثيرون اعترضوا على صيغة النظام البرلماني المعدّل الذي عمّده المجلس التأسيسي بعد الثورة ومستندات الاعتراض والدعوة لتعديل الدستور معروفة اليوم ولا فائدة في العودة إليها، فما يهمّنا تحديدا هو تطوّر الدعوة للإصلاح والتعديل إلى الدعوة لإسقاط كل المنظومة والعجيب الغريب أن تصدر الدعوة عن رئيس فاقد لمقوّمات الشخصيّة السياسيّة من جهة وعن ماسحة حذاء المقبور من جهة ثانية، فالرئيس الذي تسلّل إلى قرطاج على جواد خطاب سطحي وأجوف وتافه مداره شعار مقدّس هتف به الأحرار يوم الوقيعة بنظام الفساد والاستبداد لا يترك فرصة تمرّ دون ترذيل دستور الثورة والدعوة إلى استبدال النصاب الدستوري والسياسي القائم ولعل حرصه المتجدّد على التدخّل في ما “لا يعنيه دستوريا” يؤشر عن منزع انقلابي عميق يراود ربع الرئيس ويغريه بأن يكون “الفرد الوحيد” الحاكم بأمره.

عبير موسي زعيمة الحزب الدستوري الحرّ لا تكاد تفوّت الفرصة للعربدة تحت قبة البرلمان مركز السلطة ومدارها في نصابنا الدستوري القائم وهي إذ تستعمل المباح وغير المباح لتعطيل اعمال المجلس و”تشليكه” تعي جيّدا أن العبث الممنهج قد يكون بوّابة سقوط السقف على الجميع

في الظاهر تبدو استراتيجيّة ووجهة استراتيّجية الرئيس مناقضة لاستراتيجيّة عبير موسي ولكن في الأصل والمضمون تتعاضد وتتكاتف رغبة ونزوة الانقلاب على الموجود الوطني الديمقراطي بدالة وعي مقلوب يعبّر عن نفسه تصعيدا لرغبة مجد عند الرئيس وتنفسيا لرغبة الردّة لدى زعيمة الحزب الحرّ الدستوري.

الشعبوية صداع الديمقراطيات العريقة اليوم في لحظة كونية عائمة وسائلة وتائهة بعد سقوط سرديّات المجد الوطني التي كانت تضخّ الخطاب السياسي بالمعنى والدلالة. والشعبوية في مجالنا الوطني فاحشة أخلاقية وفضيحة سياسية مرهقة توشك ان ترمي بنا في قسوة زمن ما قبل العقد الاجتماعي.

لست قلقا بدالة التاريخ من العودة إلى الاستبداد ولكنني مشغول حدّ الحيرة من قابلية الديمقراطية للتعايش مع التفاهة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق