راي رئيسي

تونس العبث.. إلى أين؟

لم تنتهي دورة العبث في تونس الجديدة منذ الثورة إلى حدّ الساعة ولا شيء يؤشر على نهاية هذا العار الذي يلاحق النخب القديمة والجديدة.

دورة العبث الجديدة دشّنها الناخب في الرئاسيات بالاختيار بين الفساد والشعبوية وأردفها في التشريعية بتصعيد فسيفساء من غرائب الكيانات السياسية الهجينة.

الديمقراطية في تونس اليوم ما زالت تائهة لا تعرف ماذا تريد، هذه أم الحقائق التي حصحصت من سنوات التهارج في ناقة بين نخب ما بعد 14 جانفي 2011.

معارك ما قبل التاريخ بعنوان الإيديولوجيا أو بدالّة الحنين للاستبداد، أو بروافع التقابل الساذج بين الحداثة والدين، أرهقت الوطن وتكاد تعصف بما تبقّى من معنى الانتماء فضلا عن واجب التعمير.

انتصر التونسيّون بشهادة امتياز عالمية على فيروس كورونا، وكنا نحن الطيبون حدّ السذاجة ننتظر احتفالا وطنيّا جامعا بهذا النصر المبين، تنسى فيه النخب حساباتها البائسة وتتعانق في لحظة فرح وطني، لتنطلق في الاستثمار في هذا النجاح المبهر، وتعيد البلاد إلى سكّة العمل والانتاج والتصدي للاستحقاقات الحارقة التي يعرفها الجميع من العامل البسيط إلى رئيس الدولة.

صدمنا حد الفاجعة بتدشين زمن ما بعد كورونا بيوم عبث نيابي، تواصل على مدى يوم وليلة، تناوب فيه أطفال الجمهورية الأشقياء على لعبة شيطانية قذرة عبثت بآخر حصون الحسّ الوطني السليم.

فأن يحاكم رئيس البرلمان لمجرّد ردّه على هاتف من ممثل الشرعية المعترف به دوليّا ورسميّا، وتهنئته على تقدّمه الميداني في حرب الزور والخراب بليبيا الشقيقة، وأن تتحوّل تلك الجلسة إلى استعراض سخيف لملكة الشتيمة، ودناءة الأخلاق، ووضاعة النفس، والخيانة الوطنية الموصوفة عبثا بمصالح البلاد الاستراتيجيّة وأمنها القومي، هذا لعمري حلقة سيئة الإخراج من مسلسل الكوميديا السوداء الذي بدأ منذ الثورة ويبدو أنّه بدون نهاية.

عبثت زعيمة حزب الأزلام النوفمبري بالمصلحة العليا للوطن لترضي نهمها المرضي لإهانة مؤسّسات دولة ما بعد الاستبداد، وحنينها البائس للانتقام من الإسلاميّين، واصطفت وراءها أبواق الحقد الايديولوجي اليسارجي والقومجي الموبوء بعداء استئصالي مكين للإسلاميّين. وكانت صورة الشيخ السبعيني الحزين مؤسفة وهو ينصت في صبر مرّ للمباح وغير المباح من قاموس الفحش والشتيمة الوضيعة التي تخجل رواد المواخير.

شعبوية المزايدة السوداء بالسيادة الوطنية التي ركبتها زعيمة حزب النوفمبريين، كانت مسنودة بحملة إعلاميّة دوليّة أشرفت على إدارتها آلة إعلاميّة جهنميّة محسوبة على محور خليجي معروف بتآمره على بلدان الثورات العربية، وحليف معلن ومباشر للمشير حفتر في ليبيا، فانكشف الغطاء على حجم المؤامرة التي تستهدف التجربة التونسية، أو “الفرقة الناجية” من سحيق التحارب والمباراة بالدم التي شملت كل بلدان ما يسمّى بالربيع العربي.

سقطت لائحة سحل رئيس البرلمان ولم تنتصر تونس الديمقراطية، بل وتمكّنت زعيمة حزب الأزلام من اختراق التحالف الحكومي الهشّ، الذي تشكّل بعد كارثة نتائج الانتخابات التشريعيّة على عجل حائر. وشهدنا لأوّل مرّة رسم لوحة سريالية بائسة لتحالف في القصبة وتحارب في باردو، فأي معنى لائتلاف حاكم في نظام برلماني، يقبل أن يتقاسم كعكة الحكم ولا يحترم مبدأ التكتل البرلماني؟!.

أسدل الستار على ليلة الوقيعة بالغنوشي بسقوط لائحة سحب الثقة من رئيس البرلمان، وخسر الجميع بكل المعايير، وبكل الحسابات الظاهر منها والخفي، فمرتزقة المحور المصري الإماراتي خسروا رهان إسقاط السقف على الجميع، وأنصار الشرعية خسروا ما تبقّى من محامل التضامن الحكومي وتعمّق جرح العبث على خدّ الوطن.

لم يسدل الستار على جولة التلاعب بأمننا القومي حتى سارع نواب حزب ائتلاف الكرامة المحسوب على حلفاء حزب رئيس البرلمان بتقديم لائحة تطالب فرنسا بالاعتذار عن فظائعها إبّان المرحلة الاستعماريّة.

شعبوية حزب الأزلام السّوداء، قابلها الحزب الراكب على جواد الثورة بشعبوية بيضاء، جوهرها المزايدة بدماء شهداء الحقبة الاستعمارية في حركة إسقاطية ركيكة مطلبها شرعي وتوقيتها غبيّ..

كنا ننتظر صدور تقرير هيئة الحقيقة والكرامة لإطلاق حوار وطني جامع حول آليّات ومستلزمات تقديم مطلب الاعتذار الرسمي من الفرنسيّين عن جرائمهم في حقّنا، على ما تقتضيه أصول المبادرة من عدّة قانونية وسياسية تتقاسمها الدولة والمجتمع المدني في الوقت المناسب، وبالأدوات اللازمة، وبالصيغة العاقلة لتصفية إرث الذاكرة المرّة، كشرط تاريخي ناجز لإدارة علاقة سوية ومتوازنة مع الجار الفرنسي الذي تربطنا به شبكة مصالح متعدّدة بقدر ما هي معقّدة، وبنديّة محترمة.

سقطت لائحة المطالبة بالاعتذار في ليلة حزينة ستكتب في كرّاس الفضيحة الوطنية المقرفة وخسر الجميع، فأمعن عفن النخب في تعميم اليأس من إدراك نقطة ضوء في آخر الداموس.

تحاصر العقل في “تونس السياسة” ثلاث شعبويّات تختلف في المنطلقات، وتتفق في المآلات. وخطرها على التجربة واحد: شعبوية الرئاسة وحزب الأزلام وائتلاف الكرامة. ولا ندري حقيقة أيّة معجزة ستنقذ سفينة الوطن من الغرق في مرسى الديمقراطية.

هناك تخارج مفارق بين منجز 14جانفي التاريخي وبين وعي النخب المفوّت يدعو إلى تفكير عميق ويفتح على ممكنات أخرى في فهم الحالة التونسية العابثة ومن بعدها راهن الحالة العربية السائبة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق