راي رئيسي

تونس العنف والبلطجة.. تلك التي لا نريد

لو جاز لنا أن نطلق على الأسبوع المنقضي تسمية أو صفة، ما تردّدنا لحظة واحدة في وصفه بأسبوع العنف والبلطجة لتواتر أحداث العنف فيه ممارسة وتهديدا وخطابا.

ففي مواصلة لسلسة التجاوزات الفادحة التي يرتكبها بعض الأمنيين إزاء المواطنات والمواطنين توفي يوم 8 جوان الجاري شاب من منطقة الجيارة في ظروف مريبة على إثر إيقافه من قبل أعوان الأمن، في موقف وحدث مريع يعيد إلى أذهاننا الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت خلال عهدي بورقيبة وبن علي في السجون ومراكز الإيقاف نتيجة الوحشية والإفراط في التعذيب وإحساس مرتكبي هذه الجرائم بأنهم فوق القانون وفوق المحاسبة، فيما شكلت مشاهد سحل وتعرية وركل وتعنيف لطفل حدث في منطقة سيدي حسين حالة من الصدمة والتنديد الكبيرين من قبل جميع التونسيين في فضاء التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام خاصة وأن الحادثة صورت ونشرت بشكل فند مزاعم البيانات الرسمية التي ادعت أن الطفل كان في حالة سكر وأنه قام بتجريد ثيابه بنفسه.

إنه منتهى العبث والانحدار، وفقدان الوازع الإنساني وعدم احترام الحرمة الجسدية البشرية أن يتم سحل مواطن وتجريده من ثيابه كاملة أمام المارّة وعلى قارعة الطريق دون مبالاة بما ينتج عنه من امتهان لكرامته واعتداء على ذاته وإصابته بجرح غائر يرافقه إلى آخر نبض في حياته، هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى فهو اعتداء صارخ على مصداقية المؤسسة الأمنية التي طالما تغنت بقطعها مع تلك الممارسات الفاشية العنصرية العنيفة التي خلنا أنها من الماضي وأنها لن تعود إلى بلادنا بعد ثورتها المجيدة التي أطاحت بأعتى ديكتاتوريات المنطقة، اعتداء يأتي ليؤكد مرة أخرى أن هناك عقلية ماتزال متجذرة ومتأصلة في وجدان نسبة هامة من الأمنيين الذين لم يستوعبوا التحولات التي شهدها مجتمعنا ومنظومة القوانين الضامنة للحقوق والحريات والمعاهدات الدولية في مجال حقوق الإنسان التي وقعت عليها بلادنا. أما الادعاء بأنها ليست سوى انفلاتات فردية فهو لا يبرّر ولا يسمن ولا يغني من جوع أما تكرار بات يؤرق ضمائرنا ويخز عيوننا ويجعلنا نتردد ألف مرة قبل القول بأن المؤسسة الأمنية تتعافى، وأنها تنحو حثيثا صوب استحقاق صفة الأمن الجمهوري كما ان التواطؤ الرسمي لمؤسسات الدولة في مثل هذه الحوادث واشتغاله على إلهاء العقول وإيهامها بأن القانون سيأخذ مجراه وأن تحقيقا إداريا وجزائيا فتحا في شأن مرتكبيها يكرّس الإفلات من العقاب ويشجّع على مزيد ارتكاب مثل هذه الانتهاكات ولعل الأخطر من ذلك كله على الإطلاق تبرير المؤسسات الرسمية للدولة لها بتجريم المعتدى عليهم ووصمهم باستهلاك المخدرات والمسكرات والاستعصاء والاعتداء على الأمنيين أثناء أدائهم لمهامهم.

في دول ديمقراطية تحترم نفسها، لا يمكن لمثل هذا الجرم أن يمر دون أن يترافق بثلاثة إجراءات: استقالة وزير الداخلية، ومعاقبة الأعوان المذنبين عقوبة تتناسب وحجم الجرم الذي ارتكبوه، والاعتذار للضحية وتقديم تعويض مادي مجز لها، أما في تونس، فإننا لم نكتسب بعد مثل هذه التقاليد رغم التجاوزات الكثيرة والخطيرة التي ارتكبت خلال السنوات الأخيرة وراح ضحيتها عديد التونسيين بأشكال مختلفة. الوحيد الذي كان الاستثناء هو وزير الصحة الدكتور عبد الرؤوف الشريف إثر مأساة وفاة الرضع بمستشفى الرابطة بالعاصمة يوم 10 مارس 2019.

ردود الأفعال عقب تلك الحادثة الآثمة أجمعت على الرفض والإدانة والاحتجاج وتوصيف ما اقترف في حق الطفل المعتدى عليه بالجرم الفادح وجريمة الدولة، فقد أدان الاتحاد العام التونسي للشغل بشدة القمع الوحشي والشنيع الذي تعرّض له الشاب من قبل أعوان الأمن

وعبر عن رفضه لأي تبرير للحادثة معتبرا إياها انتهاكا للدستور ولحقوق الإنسان وانتكاسة خطيرة للمسار الديمقراطي، ومحذرا من مخاطر تكرار الانتهاكات التي يمارسها بعض الأمنيين في حقّ المواطنين وضدّ التحرّكات الاحتجاجية الاجتماعية والحزبية، ومطالبا بمحاكمة من ثبت تورّطه في تنفيذها أو الأمر بها وداعيا النيابة العمومية إلى سرعة فتح التحقيق وعدم الخضوع لأيّ ضغوطات ورافضا تواصل سياسة الإفلات من العقاب التي يستفيد منها من وصفهم بالمنتهكين. فيما دعت الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب رئيس الحكومة، هشام المشيشي بوصفه مشرفا بالنيابة على وزارة الداخلية إلى تحمّل كامل مسؤوليته في التصدّي لحالات انتهاك حقوق المواطنين والاعتداء عليهم من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين الراجعين بالنظر إلى وزارته واتخاذ الإجراءات الكفيلة بعدم تكرار مثل هذه الممارسات.

في تونس لا تقترف الدولة جرم ممارسة العنف والاعتداء والتبرير والتفصي من المسؤولية فحسب، بل تتعداه لارتكاب جرم أفدح وأرذل وأمر، تتمثل في اعتداء أعلى هرم السلطة بالفحش في القول والعجرفة في الخطاب والتحقير على هيبة الدولة بشكل عنيف جدا غير مسبوق. كان ذلك خلال جلسة جمعت الرئيس قيس سعيد برئيس الحكومة بصفته وزير الداخلية ووزيرة العدل، جلسة استغل فيها الرئيس حادثة الاعتداء على طفل سيدي حسين ليستعرض بشكل فج عضلاته الكلامية أمام ضيفيه وعدسات كاميراوات القصر.

كان خطابا عنيفا تعكسه ملامح الوجه وجحوظ العينين وحركات اليدين وفظاظة الكلمات ونبرة الصوت، خطاب جد متشنج برزت بسببه عروق الرقبة وتيبست بسببه أصابع اليدين، وبدا فيه الرئيس وهو يصيح في وجه وزيري الدولة للداخلية والعدل كأستاذ يقرع تلميذين مشاغبين من تلاميذه اقترفا جرما فادحا، يتحامل على نفسه حتى لا يصفعهما ولا يبصق في وجهيهما.

الأدهى والأمر أن الرئيس يتعمد كل مرة أن يقوم بتسجيل حيثيات جلساته وصراخه وخطابه العدواني أمام ضيوفه، ثم يطلب من فريقه الإعلامي البائس أن ينشر الشكشوكة الكلامية على صفحته ويرسل به إلى غرفة أخبار التلفزة الوطنية فتتلقفه الأيادي وتلقي به وجبة كريهة في وجوه التونسيين الذين مجوا السياسة والسياسيين ومعاركهم وصراعاتهم وصياحهم وهرجهم ومرجهم. أي انفلات وأي ممارسة هاوية عبثية للعبة الرئاسة تلك التي تسوغ لرئيس الدولة أن يدعو ضيوفا وشخصيات رسمية تمثل الدولة ومؤسساتها ليشبعها تقريعا وتأثيما وتأنيبا لينشر بعد ذلك بطولاته الشعبوية أمام الملإ دون احترام للمقامات وهيبة الدولة ودون تملك لأي حد أدنى من مفهوم ومعنى الدولة le sens de l’état .

لقد كان الزعيم الحبيب بورقيبة رغم اعتقاده بأنه صاحب الدولة والحاكم الآمر الناهي فيها، بل أنّه هو الدولة في حدّ ذاتها، كان حين يدعو وزيرا أو احد مسؤولي الدولة ممن يعتقد انهم اقترفوا أخطاء يسمعه ما لذ وطاب من السب والشتم والإهانة وحتى الضرب بالـعكاز، ولكنه ما استعرض يوما عضلاته اللغوية الغاضبة في وجوههم أمام شعبه، ولا دعا فريقه الإعلامي لتصوير حفله الاستعراضي وإرساله للتلفزيون الرسمي لعرضه في شريط الأنباء لأنه كان مشبعا بمفهوم الدولة، واحترام مسؤوليها، ولأنه يعلم أنه حين يجعل وزيره صغيرا في عيون الناس، يكون قد جعل الدولة وهيبتها صغيرة في عيونهم، وحين يهين مسؤولا بالدولة يكون قد أهان الدولة بمؤسساتها الرسمية. ذاك هو السلوك المألوف، الذي ما تعلمه الرئيس قيس سعيد في مدرسة ولا في جامعة ولا في حزب ولا في منظمات، يكرره كل مرة رغم تنبيه ضيوفه عليه بالإقلاع عنه، ولا يرعوي عن ارتكابه بشكل فظ عنيف يزيدنا يأسا وإحباطا من إمكانية انصلاحه وتحسن أدائه وترفقه بهذه البلاد التي أوقف حالها عنادا ورفضا وكراهية وتهجما وهمزا ولمزا ومقاطعة وممانعة.

أسبوع العنف والبلطجة ترافق مع تلقّي رئيس مجلس نواب الشعب الأستاذ راشد الغنوشي إعلاما رسميّا من مصالح وزارة الداخلية بوجود تهديد جدي باغتياله، وذلك إثر تنقل مسؤولين بالوزارة خصيصا لمجلس النواب لإعلامه بذلك. والحقيقة أن تهديد الغنوشي ليس جديدا لأنه أمضى عمره مهددا في حريته وسلامته الجسدية بل وحكم عليه بالإعدام كما تلقى في أكثر من مناسبة بعد الثورة تهديدات بالتصفية والاغتيال والتحريض، ولكن أن يرد في سياق أوضاع عنيفة متوترة للغاية فذلك يعني بالضرورة أن جهات ما تبحث عن إلقاء عود ثقاب في غدير نفط لإشعال البلاد وإدخالها في دوامة عنف لانهاية لها تطيح بما بقي من دولة أصاب التعب مفاصلها وأنهكها.

ولم يكن كل ما سلف كافيا حتى ينتهي الأسبوع بتحرك احتجاجي في شارع الثورة شارك فيه عدد من الشباب الغاضب احتجاجا على الوضع العام بالبلاد وعلى الاعتداء الوحشي الذي ارتكبه بعض الأمنيين. التحرك الاحتجاجي كان عنيفا شهد اعتداءات لفظية فاحشة وجسدية عدوانية واستفزازية على أعوان الأمن المكلفين بتأمين المسيرة، واعتداءات على المحلات والمقاهي المجاورة وعلى كراسيها التي استعملت في المواجهة.

إن العنف مهما كان مأتاه، ومهما كان ضحيته أمر لا يجب السكوت عنه، ولا يجب تبريره لأنّه يحطّ من قيمة الذات البشرية ويملؤها حقدا وكراهية واستعدادا لردة فعل أعنف وأكثر دمارا، وما على جميع العقلاء في هذه البلاد سوى التواضع والرأفة بها وتجنيبها دخول دائرة الفعل العنيف وردّة الفعل العنيفة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق