راي رئيسي

تونس المريضة..
عدوى “الفانة” وأوبئة السياسة وزهايمر القيم المجتمعية

وكأن الأوجاع والأزمات التي تمر بها تونس في مختلف المجالات لا تكفيها، حتى تمضي سريعا نحو مزيد من الأمراض التي أصابت مفاصلها حتى غدت بلدا مأزوما مريضا نوشك ألا نرى فيه شيئا يبعث على التفاؤل.

وكأنه كتب لتونس منذ فترة أن تمرّ بأيام عسيرة صحيّا واقتصاديّا وماليّا واجتماعيّا وسياسيّا وحيثما وليت وجهك وجدت كومة من النزاعات والنزعات والمشاكل والإشكاليات والوضعيات المستشكلة التي تستوجب الحكمة والموارد المالية والبشرية غير المتوفرة على المدى المنظور.

خلال الأسبوع المنقضي، ومع تواصل موجة الكورونا التي ما تزال تحصد الأرواح وتفرض على البلد حالة من العجز والاستسلام خاصة في ظل حكومة هاوية بطيئة الحركة ضعيفة المواقف والإرادة ضعيفة في مستوى التصورات والقدرة على معالجة الأوضاع، عاشت بلادنا عددا من الأحداث التي زادتها وهنا على وهن، وإرباكا على إرباك، وحيرة على حيرة، أضاعت بوصلتها وكشفت عن حالة مرضية سرت في مختلف مفاصل البلاد، وبشرت بشتاء ساخن سياسيا واجتماعيا لا قبل لحكومتنا المترهلة به.

 

عدوى “الفانة” تنتشر في كامل أرجاء البلاد

كانت حكومة المشيشي تعلم علم اليقين أن توقيعها على اتفاقية يتم بمفعولها تمكين أهالينا في تطاوين من مجموعة من المكاسب والحقوق التي ناضلوا من أجلها، وأغلقوا من أجلها فانة البترول بمنطقة الكامور، ستسبب في موجة من حالات الاستعصاء بالبلاد تؤدي إلى تعطيل مواقع الإنتاج والمطالبة بمكاسب تشبه تلك التي نالتها باستحقاق جهة تطاوين.

ورغم شديد اعتراضنا على موضوع غلق الفانا وتعجبنا من عجز الدول على بسط نفوذها على مواقع الإنتاج، وخضوعها صاغرة للابتزاز، فإننا على قناعة شديدة بأن أهالي المناطق التي تحتوي على ثروات باطنية أولى من غيرهم بها، يجب تشملهم قبل غيرهم منافعها، ومواطن الشغل التي توفره، دونما احتكار أو إنكار لحقوق المجموعة الوطنية فيها، ولا نعتقد انه من الوجيه ولا المعقول أن تعمد مجموعة من التونسيين مهما كانت انتماءاتهم العرقية أو المناطقية أو السياسية ومهما كانت وجاهة مطالبهم ومشروعيتها إلى احتلال شريان من الشرايين الحيوية وإغلاقه لفرض مطالبها على المجموعة الوطنية.

كما أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال تمجيد مجموعة من التونسيين تسببوا في خسائر تناهز 800 مليون دينار بداعي النضال من أجل افتكاك مطالب مهما كانت وجاهتها ومشروعيتها.

موجة الاحتجاجات الاجتماعية التي تلت توقيع الحكومة على اتفاقية مع تنسيقية اعتصام الكامور ما فتئت تتوسع لتشمل عددا من المناطق، تحت إشراف تنسيقيات، أو من قبل الاتحادات الجهوية للشغل ومكونات المجتمع المدني.

من بين هذه الجهات القصرين المعروفة بأنها بوصلة الحراك الاجتماعي وطنيا حيث نفّذ أهالي معتمدية فوسانة وقفة احتجاجية أمام مقر المعتمدية بمشاركة مختلف مكونات المجتمــع المدني ومن النقابيين وأصحاب الشهائد العليا المعطلين عــن العمل، كما توجهت مجموعة من شباب معتمدية العيون إحدى أفقر المعتمديات التونسية، إلى حقل النفط بالدولاب لمحاولة غلق الفانا، قبل أن يتم توجيه آليات عسكرية لحماية الحقل النفطي الذي يعتبر تاريخيا ثاني حقل في بلادنا بعد حقل البرمة، ولا يعلم السكان المحليون وأبناء الجهة عن حجم إنتاجه شيئا، كما ان مردوديته المالية والتشغيلية على المنطقة شبه منعدمة

أما في الرديف فقد تقرر تنفيذ إضراب عام بالجهة يوم الجمعة المقبل 20 نوفمبر 2020. احتجاجا على تردي الأوضاع الصحية بالمدينة بعد تفشي فيروس كورونا وارتفاع عدد الإصابات والوفيات بها وللمطالبة بتجهيز قسم كوفيد بالمستشفى المحلي بالرديف.

ولاية القيروان هي الأخرى تستعد للقيام بعدد من التحركات والخطوات النضالية دفاعا عن الاستحقاقات التنموية بالجهة إلى جانب عدم إقرار مجلس وزاري خاص بالجهة التي تقبع في آخر ترتيب ولايات الجمهورية تنمويا.

إن اتساع رقعة الزيت الاحتجاجية لتنتشر على امتداد الوطن بعد إغلاق ملف اعتصام الكامور، وإن كان لأغراض جد مشروعة وجد وجيهة في ظرف تعاني فيه البلاد من أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة استفحلت بعد موجة الكورونا، يمثل مصدرا من مصادر المخاطرة بالأمن القومي، وتهديدا للبلاد بالغرق في حالة من الفوضى التي قد تأتي لا قدر الله على الأخضر واليابس وتسقطها في أتون عنف وتناحر هي في غنى عنه خاصة وهي في أوهن حالاتها، ونعتقد أن على ضمائر كثيرة أن تستفيق وتتخلى عن الشعبوية وعن الدفع بالبلاد إلى أوضاع تضعها على حافة المخاطر.

 

 

وفاة القاضية وخزة في عيون الدولة والضمير الجمعي

القاضية سنية العريضي واحدة من مئات التونسيين الذين أودى الفيروس اللعين بحياتهم. هي ليست أفضل منهم، كما انها ليست دونهم قيمة، فلكل شخص مصاب أو التحق بجوار ربه أهل وأحبة وأصدقاء وجيران يألمون لألمه ويتوجعون لفقده. ولكن المؤسف والمؤلم والموجع يتمثل في تفاصيل وفاة القاضية التي حكم عليها بالموت من قبل مصحة خاصة رفضت إيواءها ونجدتها وإغاثتها قبل الحصول على ضمان مالي يقدر بثلاثين ألف دينار.

تعكر حالتها وحاجتها إلى الأكسيجين وتعمد إهدار الوقت من قبل إدارة المصحة دون رحمة أو شفقة جعلها تلفظ أنفاسها الأخيرة، يضع في الميزان قدرة الحكومة على تنفيذ وعودها ببسط سلطاتها على هذه المؤسسات الخاصة التي تمتص الدماء وتبالغ في تضخيم فاتورات المرضى وتستغل الحالات العاجلة لمزيد الاستثراء على حساب التونسيين خاصة بعد امتلاء المستشفيات وتجاوز طاقة استيعابها بسبب تدفق غير مسبوق للمصابين بفيروس كورونا.

المشيشي في حديثه للتلفزة الوطنية أكد ان الحكومة سوف تقوم بتسخير المصحات الخاصة لإيواء المرضى وإغاثتهم، وأن الحكومة سوف تتولى دفع التكاليف، فأين هو من وعده ذاك؟ ألم يكن التونسيون الذين بالغوا في السخرية من ذلك التصريح على حق؟ وهل من الجدية أن يعد المسؤول الأول في السلطة التنفيذية وعدا هو أعلم الناس بأنه غير قادر على الإيفاء به.

إن الواجب الوطني يحتم التعجيل بإنفاذ قرار التسخير في حق كل المؤسسات الصحية الخاصة في هذه الفترة الحساسة حتى نتلافى النقص الحاصل في عدد الأسرة بالمستشفيات العمومية، وعلى الحكومة إغلاق المؤسسات التي لا تمتثل لهذا القرار وإخضاعها إلى تدقيق مالي منذ تاريخ الترخيص لها حتى لا يظل تونسي واحد مصاب بكورونا دون علاج، وحتى لايسمح لأي كان التلاعب بحياة التونسيين وإخضاعهم للابتزاز، وتخييرهم بين الحياة والموت كما حدث مع القاضية الفقيدة التي تعد وفاتها وخزة في عيون الدولة التونسية وفي الضمير الجمعي للتونسيين.

 

مرض محرزية العبيدي وزهايمر القيم المجتمعية

خلال الأيام القليلة الماضية تعرضت النائب بمجلس نواب الشعب محرزية العبيدي لوعكة صحية ألزمتها الفراش، وبسبب تعكر حالتها الصحية اضطرت عائلتها لنقلها إلى فرنسا للعلاج. إلى هنا يبدو الأمر عاديا جدا، ومألوفا جدا، ولا مبرر لتحميله ما لا يحتمل، ولكن الغريب في الأمر يتمثل في انتشار تدوينات وتصريحات تنضح شماتة وحقدا وكراهية في محرزية، وهو أمر مثير للحيرة، إذ لم نعتد كتونسيين إظهار الشماتة بالمرض مهما كانت هوية المصاب به لأننا توارثنا قيما مجتمعية مضمونها : لا تظهر الشماتة بأخيك فيرحمه الله ويبتليك. والمرض كما الموت ابتلاء يمكن أن يصيب الجميع وليس لأحد القدرة على أن يكون في منأى منه حين يقدر له ذلك.

لذلك نقول دوما بئس السياسة هي تلك التي تجعلنا لا نحترم إنسانية الإنسان، وتعسا لسياسة وتحزب يجعلنا نشمت في المرض والوفاة ونسعد لأن شخصا مختلفا عنا في القناعات والانتماء ابتلي بالمرض.

ألم يعبر التونسيون عن تضامنهم مع الفقيدة مية الجريبي زمن مرضها، ألم يتمنوا جميعهم الشفاء لراضية النصراوي؟ ألم يرجوا الشفاء لسامية عبو حين أصيبت بالكورونا؟ ألم يألموا جميعا لفقد المدونة الشابة لينا بن مهنى؟ فما بالهم اليوم يصابون بالزهايمر القيم المجتمعية ويتناسون أن محرزية العبيدي وإن اختلفوا معها سياسية امرأة تونسية مثقفة وإحدى رموز الحياة السياسية ونائبة رئيس المجلس الوطني التأسيسي فضلا عن كونها اكاديمية وصاحبة مؤلفات وكتب عديدة مما يجعلها محل احترام وتقدير كغيرها من سياسيات تونس؟ أم أن ما ينطبق على الأخريات لا ينسحب عليها لانتمائها السياسي؟.

إن أسوأ ما يمكن أن تصاب به الدول والأمم السقوط الأخلاقي الذي يجعلها تفقد بوصلتها وكل ما يجمعها من قواسم مشتركة، مما يهدد وحدتها ويضعها على حافة الإفلاس القيمي وإذا أصيب القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتما وعويلا.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق