راي رئيسي

تونس.. بين مهووس بكرسي وحالم بحذاء عسكر ومتطلع بنقلة اقتصادية واجتماعية

 تباين المشاريع وتمايز الصفوف..

يؤكد البعض أن لا خلاص لنا إلا في حوار وطني شامل، يجمع كل الفرقاء على طاولة حوار واحدة، للتباحث والتوافق حول حزمة من الحلول المشتركة لتجاوز الأزمة الخانقة التي تعيشها البلاد، يتطلعون إلى نقلة اقتصادية واجتماعية، ويحلمون بتونس التي ستكون قاطرة إفريقيا وقطبا اقتصاديا وتجاريا مشعا في المنطقة.. والبعض يقول أنا مع من يضمن لي كرسي سلطة، أيا كان مشروعه أو ما يبشر به، مستعدّون لتحالف موضوعي وتكتيكي معه بل حتى إلى التماهي مع مشروعه.. والبعض الآخر لا ينفك يدعو إلى إعلان الحداد على الدولة وإغلاق البرلمان وإسقاط الحكومة وإمساك الجيش لمقاليد السلطة..

هكذا هو المشهد اليوم تقريا في الساحة الوطنية، مشهد منقسم بين طوائف ثلاث مشاريعها باتت واضحة ومعلومة للجميع..

تمايزت المشاريع السياسية في تونس اليوم وتوضحت معالمها ورهاناتها، فهناك نخبة مشروعها ورهاناتها كما ذكرنا سابقا تتمحور إمّا حول البحث عن التموقع أو عن موطئ قدم في السلطة، فتكون كل مواقف وتصورات أصحاب هذا المشروع وطروحاته محكومة بالهوس بالسلطة والهوس بالكرسي، رهانهم الجوهري هو كيف يكونون في السلطة حتى بحجمهم الضعيف، وأقصر السبل إلى ذلك ولو اضطروا إلى تغيير مبادئهم وتبني نقيض مشروعهم. فرؤيتهم وبرامجهم محكومة بانتهازية ومنفعية مفرطة وبكل ما يمكن أن يوصلهم إلى سدة الحكم.

ولا يضيرهم من أجل الوصول إلى هوسهم بالكرسي أن يدعموا ويسوقوا لمشروع الفوضى أو الاستبداد أو الفساد، لخدمة أجنداتها السياسية. هذا النوع لا رؤية له ولا برنامج سوى خطاب منفعي، مصلحي، منافق ومخاتل.. لا يهمهم كيف يصلون إليه ولا بأي ثمن ولا على حساب ماذا ولا على رقاب من..

أما أصحاب المشروع الثاني، فلا نراهم إلا متداعين إلى الانقلابات، يدعون لعسكرة الدولة المدنية، والاعتداء على مؤسساتها الشرعية، يتهجمون على القضاء، ويرفضون نتائج الانتخابات، يتنادون لانتهاك الدستور، ويتناصحون باستنساخ النموذج المصري..

أصبحوا منذ مدّة ينظّرون لكون الديمقراطيّة لم تعد هي الحلّ.. وأنّ عسكرة البلاد، والإجراءات خارج الدستور والقانون والمؤسّسات والقضاء أصبحت هي الحلّ؟ يطلقون النار على الديمقراطيّة برمّتها.. ويُنظّرون لتدخّل الجيش عبر سلطة مزعومة للرئيس بحجة مشروعيّته وشعبيّته..

يطلبون من رئيس مدني منتخب أن يضع وزارة الداخلية ومختلف أجهزة المخابرات تحت سلطته، ومراجعة قانون الأحزاب والجمعيات، ووضع المؤسسات العمومية الحيوية تحت سلطة الجيش..

أقصى طموحاتهم وتطلعاتهم كيفية تدجين الجيش والقضاء ووضعهما تحت إمرة الرئيس الأوحد الحاكم بأمره، وإنزال الجيش للشوارع واعتقال من يعتبرونهم “فاسدين” من خصومهم السياسيين، أو ووضعهم تحت الإقامة الجبريّة بتعلّة إنقاذ البلاد عبر التعسف في تطبيق قانون الطوارئ، بالعودة إلى الأمر المنظّم لحالة الطوارئ الصادر في 26 جانفي 1978

هؤلاء يثبتون أنّ ترسيخ الديمقراطية وحماية مسارها من الانتكاس إلى الدكتاتورية والاستبداد لا يقارن من حيث الأهمية بالنسبة إليهم بمدى حاجتهم ورغبتهم القاتلة في اجتثاث خصم عنيد من طريقهم.. يثبتون من خلال خطاباتهم المتطرفة والماضوية والمتعصبة، أن مشروعهم وحلمهم ورهاناتهم اختزلوها جميعا في التحصن بدكتاتورية جديدة ولو كرست استبدادا واستعبادا جديدين.. يبرهنون لنا كل يوم أنّ الديمقراطية التي تبنوها وناضلوا من أجلها لم تكن يوما قناعات راسخة، وإيمانا صادقا بالحق في الاختلاف والتنوع، وبالحق في التداول السياسي السلمي على السلطة بطرق حضارية وراقية.. بقدر ما كان الفعل السياسي بالنسبة إليهم ليس إلا مطية لتحقيق هاجس إيديولوجي بالتخلّص من خصومهم الفكريين والسياسيين والعقائديين ونفيهم من المشهد العام.. وهذا ما يفسر انتشاءهم باستغلال سليلة النظام البائد الفاشي في أقرف صوره، لوضع ديمقراطي ناشئ لتبني دولة البلطجة أو الميدان، التي لا تعترف بصندوق انتخابي ولا بشرعية ولا بحريات عامة ولا بحقوق ولا بآخر مختلف أو لا بعدالة طالما لا تصبّ في وعائها..

أصحاب هذا المشروع للأسف تحولوا من مدافعين عن مدنية الدولة وعن المسار السياسي الديمقراطي إلى دعاة عسكرة الدولة واحتكار جميع السلط لدى شخص واحد، وتصفية الخصوم السياسيين بقوة العسكر والأمن وتدجين القضاء وتطويعه.. كل أحلامهم ومشاريعهم باتت مختزلة في حذاء عسكر..

في مقابل ذلك نجد أصحاب مشروع نقيض، اهتماماتهم ورهاناتهم تتمحور جميعها حول الأولويات الوطنية، في هذه المرحلة وفي المرحلة القادمة، وكيف يكونون في مستوى ما تعيشه تونس اليوم وما تحتاجه منهم كفاعل سياسي.

رهان هؤلاء اليوم، هو كيف ينجحون في الإجابة عن سؤال ماذا تريد منا تونس وما الذي تحتاجه منا.. وماهي أقصر السبل وأضمنها وأيسرها للخروج من البلاد من عنق الزجاجة وإيجاد الحلول الكفيلة لحلحلة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، هاجسها كيف تجلب الاستثمار وتحفز المستثمرين وكيف تحرر السوق وتحارب البيروقراطية الإدارية وتفك القيود التي تعرقل الاقتصاد، كيف تحسن البنى التحتية، كيف تسرّع في النظر في القوانين الاقتصادية المعطلة ولا سيما القوانين الحالية التي تعرقل قدوم المستثمرين وتعيق دوران عجلة التنمية.. كيف تصلح المنظومة البنكية والجبائية البائدة.. كيف تحمي اقتصادنا من المخاطر التي تهدد التوازنات المالية العامة للبلاد وتحسن نسبة النمو السلبية.. ثم بعد ذلك تحلم وتتطلع إلى أقصى درجات الانفتاح الاقتصادي لوضع أسس مشروع البناء الحضاري الذي سيجعل تونس قطبا اقتصاديا وتجاريا وقاطرة تجارية لإفريقيا تجعل تونس في مصاف الدول المتقدمة..

هاجس أصحاب هذا المشروع حماية الحقوق والحريات والقطع مع تجارب الاستبداد والديكتاتورية البائدة، وتفرد طرف واحد بتقرير مصير البلاد والعباد بضمان التوازن بين السلط والحفاظ على مناخ الحريات، والتأكيد على قيم التعايش والمشترك والوحدة بين التونسيين والابتعاد عن خطابات الإقصاء والنفي ورفض الآخر وتصنيف التونسيين على قاعدة الانتماء الأيديولوجي أو العقدي أو الاجتماعي أو الجغرافي، يدعون إلى توفير حد أدنى من السلم الاجتماعي والاستقرار، لشعب انتفض ضد الاستبداد والفساد والتهميش والتفقير والتجويع.. وضد حرية مكبلة وأفواه مكممة وجيوب فارغة ولقمة عيش منهوبة وبطون جائعة..

هذه مشاريع ثلاثة لا تلتقي في أي نقطة، تمايزت بها الصفوف، مشاريعها على درجة من الوضوح والشفافية، معلومة للجميع لا لبس فيها ولا مواربة ولا ألغاز .. كل يصدح بما يحلم به وما يتطلع إليه على رؤوس الملأ دون أقنعة.. والمفروض اليوم أن كل تونسي بات من السهل عليه أن يختار مع أي فريق يكون وإلى أي مشروع ينتصر، وبأي حلم يتشبث..

والأكيد أنه كيفما كان حالنا اليوم، ومهما علت وتيرة الخصومات وتعقد المشهد، ومهما تعثّر المسار، ونحن نتدرّب على المشي في طريق انتقال ديمقراطي محفوف بالمخاطر، في طريق طويلة وشاقة، فإن الرؤية أمست اليوم واضحة جدا وجلية للجميع، وما علينا إلا أن نختار إما أن نكون في صف مشروع أقصى طموحاته كرسي يمارس سلطته وهيمنه من خلاله بأي ثمن وتحت أي تنازلات.. أو أن نكون في صف مشروع ينظر ويحلم بحكم عسكر يطبق على الرقاب، ونظام ينتكس بنا إلى حقبة الاستبداد والاستعباد المظلمة، فقط حتى يتخلص من خصم يمقته حد الاجتثاث ويرفضه حد التغييب وحد الانقلاب على مسار ديمقراطي كامل وتكريس حكم حذاء العسكر..

أو أن نكون في صف من يتطلع إلى تحويل ثورتنا إلى ثروة يسهل بها عيش الناس، ويحلم بالأقطاب الاقتصادية والصناعية والفلاحيّة والمالية والجامعية والطبيّة.. ويحلم بالحرية والاستقلالية والديمقراطية..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق