راي رئيسي

تونس..
عندما تعمم فوائض الحريّة فواحش الفقر..

لا أعرف في العالم ديمقراطية فقيرة، فالديمقراطية كمنظومة حكم جوهرها استصفاء النخبة الأقدر في المجتمع على استجماع الثروة الرمزية والمادية للشعوب وتحرير قوى الانتاج لمراكمة الثروة وإعادة توزيعها بأنجع آليات العدالة.

تبدو الديمقراطية التونسية استثناء أو شذوذا عن القاعدة، فالسنوات العشر من عمر ديمقراطياتها عمقت الخلاصة المفزعة التي تؤكد أن مسار توطينها تونسيا، تلازم مع تخارج حدّي ومفارق بين عنوان الحريّة وهاجس العدالة الاجتماعية فبدت الديمقراطية في وعي الناس وكأنها تخريب ممنهج لطاقة الانتاج وتعميم ماكر للفقر وما صعود الشعبوية في العهدة الانتخابية الجارية إلّا المؤشر الأكثر بروزا على فشل نخبوي مزمن في الاستجابة لواجب انتاج الثروة وعدالة توزيعها.

سنحاول في هذه المساحة أن نفكك عناصر المفارقة أو التقابل بين حضور الحريّة وغياب العدالة من خلال رصد خصوصية الحالة التونسية في علاقتها بتشكل وعي نخبها لمسار التحول من زمن الاستبداد إلى أفق الحريّة.

معلوم أنّ حريّة الضمير والتفكير والتعبير والتنظم والتجمع، كانت عناوين ومدار نضال الحركة الديمقراطية في العهدين البورقيبي والنوفمبري، وكان النضال الديمقراطي يحقق القليل من المكاسب كلما أسند بحراك اجتماعي وازن. ولعلنا نتذكر أن تجربة الانفتاح في بداية الثمانينات كانت من تداعيات انتفاضة 1978 التي قادها اتحاد عاشور رحمه الله ..

ولقد بقي النضال الديمقراطي محصورا في مجتمع النخبة، معزولا عن عمقه الأهلي، ولم يتحوّل عنوان الحريّة إلى محرّك ومهماز جماهيري جامع طيلة تجربة دولة الاستقلال. ولم تكن الثورة المباركة استثناء بل عمّقت القاعدة التي تقول أن الشارع يتحرّك تحت ضغط المسألة الاجتماعية بداية ونهاية، وأن مطلوب الحريّة مكملا في دوافع حركته وليس محركا أو في الأدنى لم يكن المحرّك الأوّل .

هذا التباين بين هاجس النخبة، ومطلوب الجمهور، تحكّم في المسار السياسي الذي أنتجته الثورة، فقد تمزّق عقد الالتحام بين السياسي والثوري بسرعة تجاوزت قدرة من حاول أن ينظم خيط التوازن بين المسار الثوري ومخرجاته السياسية. فتوزّعت القوى المحسوبة على الثورة بين النواح على ضياع الثورة، وبين شقاء البحث عن إنجاز الممكن بدالة الحيلة والمناورة السياسية لاستيعاب قوى زمن ما قبل الثورة في أفق زمن الحرية الجديد ..

غياب أو “تغييب” دالّة الكرامة أو العدالة في المسار التأسيسي الذي اعقب الثورة، يفسر انسحاب الجمهور وسرعة تخلّيه عن مجتمع النخبة في تقرير مصير العملية السياسية، والتي كان مسار تطوّرها بالنتيجة والمآل هو نفسه مسار استفراغها من المحتوى الاجتماعي المركزي للثورة ذاتها، فوجدت النخب نفسها في مسار دسترة وبناء شكلاني لنصاب ديمقراطي يعكس حاجة مجتمع النخبة للحريّة بأكثر ما يعكس طموح الشارع في العدالة .

تقديري أن ضعف حضور السؤال الاجتماعي لا يفسره فقط ضعف حضور عنوان العدالة في الثقافة السياسية التي تولت أمر ثورتنا من دون أن تصنعها، بل يفسّره أيضا وخاصة وبأكثر عمق العامل الكوني المتصل بالتحوّل العميق في استكناه وتمثل مبدأ العدالة الاجتماعية، خاصة مع سقوط الرهان على الوظيفة الاجتماعية للدولة بعد تهاوي معمودية القطب الاشتراكي الذي تأسّس على شرعية العدالة في مقابل الحريّة التي أسّست لشرعية القطب الرأسمالي. فقد ودّع العالم آخر فصول الحرب الباردة بين المعسكرين على إعلان خروج الدولة من السوق، والتبشير بموت سرديّات الرهان على الاقتصاد الموجه، والوظيفة التأميمية للدولة التي سقطت في محضور اغتيال معنى العدالة بنضحيتها الكارثية بمبدأ الحريّة، كما أفصحت عن ذلك تجربتها السوفياتية ومنظومتها الاشتراكية .

أعلن العالم انتصار اقتصاد السوق وأُطردت الدولة بإهانة من الفضاء الانتاجي لحساب رأسمالية مالية متجدّدة ومعمّمة تبشّر بالرفاه للجميع، على قاعدة مبدأ المساواة في فرص امتلاك الثروة، مع دور تعديلي بسيط وهامشي للدولة في ضمان الأدنى من مقوّمات الاستقرار الاجتماعي، وتجنّب انفجاراته الممكنة .

سقط النموذج الاشتراكي، وبرزت على أنقاضه سرديّة الديمقراطية الاجتماعية، كمحاولة جديدة لضخ النسق المافوق الليبرالي بالأقصى من منسوب العدالة، وذلك بتوفير الأدنى من شروط العيش الكريم كالسكن والصحة والتعليم إنقاذا لما تبقى من دور تدخلي للدولة .

بقدر ما نجح زمن ما بعد الحداثة في التحكّم في ومنزع الدولة في تأميم الفضاء العام، بقدر ما استسلم لمنزع فاعل السوق والامبراطوريات المالية والشركات المتعددة الجنسيّات للتحكّم في مصير مجتمعات مابعد العولمة وثورة التواصل. فشهدنا بداية التفسّخ والتجويف المنهجي لأقانيم المواطنة لصالح مفهوم المستهلك تحت عنوان العولمة، وولادة المواطن الكوني، والذي ليس سوى تعبيرا بالنهاية عن عنف وتسارع مسار تفكّك وتحلّل فلسفة العقد الاجتماعي، حيث مصير العالم يخرج عن ارادة الفاعل السياسي” ليرتهن لإرادة فاعل البورصة..

كان لهذا العامل الكوني أثره الحاسم والمسكوت عنه في سرعة انخراط مجتمع النخبة في تونس ما بعد الثورة في إنجاز المطلوب الليبرالي من الثورة، وتردّدها العاجز في الاستجابة لواجب العدالة .

كان منتظرا من اليسار التونسي خاصة أن يضخّ هذا التوجّه الليبرالي الغالب بالقليل أو الكثير من المحتوى الاجتماعي، ولكن يبدو أن يسارنا لم يكن له الوعي، ولا الرغبة، ولا الإرادة، ولا القدرة على تعديل البوصلة، وسقط بسرعة مخجلة في توظيف النضال الاجتماعي على قاعدة التناقض الثقافوي الإيديولوجي مع الاسلاميين أو “الحكام الجدد” لتونس ما بعد الثورة، وتحالف من أجل حربه المقدّسة ضدّ الإسلاميّين مع مافيا السوق ومن يمثل بارونات النظام القديم ومع أكثر الأنظمة “كمبرادورية” وانغماسا في مجاري الرأسمالية المالية المتوحشة في مجالنا العربي من أجل تصفية حسابه مع عدوه الظلامي.

نسيان “يسارنا لرهانه على السؤال الاجتماعي تزامن مع ضعف انحيازه للديمقراطية كما سجلت عليه العهدة التأسيسية بعد الثورة، فرمته العملية السياسية بقسوة لا خارج السياق السياسي، بل خارج السياق التاريخي لتونس الجديدة. وقد كانت نتائج انتخابات 2019 إعلانا مؤلما لموت اليسار التونسي.

نتمنى ليسارنا فتح ورشات تقييم لتغيير استراتجياته، وإنقاذ نفسه من نهاية بائسة لا نتمناها لمكوّن تعديلي وازن للخارطة السياسية، التي لن تجد استقرارها واستواءها على سوقها وتوازنها من دون ملأ الفراغ الذي يتسع في كل يوم أكثر على يسارها ..

تقديري أن المدخل الاستراتيجي لإعادة البلاد إلى سكة الانتاج والتقدّم يمرّ عبر استعادة السؤال الاجتماعي على قاعدة تلازم الحرية والعدالة .

الدولة عندما تخرج من السوق تحكم أقلّ، هنا مفتاح استعادة عنوان العدالة، وهنا الصداع الذي يستدعي حاسة التفكير والإبداع للاشتغال عليه في ورشات حوار جدّي ومسؤول ومفتوح خارج الخرائط الإيديولوجية التقليدية، وعلى أساس مشروع وطني لا نطمح الآن بأن يكون جامعا ولكن نطمع على الأقل أن يصالح الجمهور مع الأمل، وأن يصالح النخبة مع الطموح .

في تونس الجديدة أرى أمل الجمهور في الكرامة يضعف في كل يوم أكثر، وأرى طموح الحريّة النخبوي يهدده مسار التجويف العفوي من محتواه الاجتماعي العميق، وتوشك أن تتبخر معانيه وحواملها التاريخية في ديمقراطية شكلانية تدفعنا ببطء ولكن بإصرار للعودة إلى مربع الاختيار بين الأمن والاستبداد أو الحرية والفوضى…

أقدّر وأتمنّى أن أخطأ أننا نسير في أفق مجهول إدارة فوضى “فوائض الحريّة” في ظل مرحلة بينية رخوة أساسها المناورة السياسية للحفاظ على توافق هش مع القديم والذي بالنهاية ليس سوى ما تبقى منّ أعداء الحريّة وخصوم العدالة…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق