راي رئيسي

تونس: متي يسقط الانقلاب؟

تراجعت نسبة الثقة الكبيرة في رئيس الجمهورية قيس سعيّد وفي رئيسة الحكومة نجلاء بودن حسب نتائج الباروميتر السياسي الذي أنجزته مؤسسة سيغما كونساي وصحيفة المغرب لشهر نوفمبر 2021. ويظهر الاستطلاع تصّدر قيس سعيّد القائمة بنسبة 66%، ثم نجلاء بودن بـ 35 %.

مؤشر النزول في شعبية الرئيس، إذا ما أفناه لعدة مؤشرات أخرى كفشله في إدارة ما بعد الانقلاب وبروز منزعه التسلطي بعد إصداره للأمر 167، ونصب المحاكم العسكرية لمعارضيه، والتذاكي الساذج في ردود افعاله على الموقف الدولي من الانقلاب، وتخلّى كل حلفاءه عنه، ورعوانية الحلول التي قدّمها للتونسيين وآخرها التعاطي مع ملف النفايات في عقارب وسقوط أوّل شهيد من المحتجّين بالغاز القاتل لأمن حكومة الرئيس.

كل هذا وغيره من المؤشرات ذات الصلة بخطابه وأداءه غالبا ما يستدعيها خطاب التفاؤل بقرب سقوط الانقلاب ونهاية مغامرة 25 جويلية.

فهل أن الانقلاب يترنّح وسقوطه وشيك؟

يبدو من الصعب الإجابة القاطعة عن هذا السؤال المباشر والمركب حدّ التعقيد.

فمقاربة سؤال الأمد الزمني تستدعي استحضار العوامل الذاتية والموضوعية المؤثرة في استمرار الانقلاب أو سقوطه.

نقصد بالذاتي المتّصل بمقومات القوة السياسية للرئيس ومدى قدرته على توظيفها للأقصى لاستمرار مغامرة 25 جويلية ويمكن أن نعدّدها بالتالي:

1 – رصيد الصورة: انطبعت عند الرأي العام صورة طهورية لقيس سعيّد على أنّه “ابن الشعب” القادم من خارج المنظومة السياسية والناطق ببساطة ومباشرة بلسان الشعب والحامل لحلم الملايين بتطهير البلاد من الخونة والفاسدين واستعادة الثروات المنهوبة، واطلاق قطار التنمية والرفاه الاجتماعي والسيادة الوطنية. ولم يقصّر قيس سعيّد قبل وخلال وبعد الانقلاب في ترسيخ صورة البطل /المنقذ والبديل الوحيد لمنظومة الفشل والعبث التي أفرزتها الثورة على ما تردّد أبواق الدعاية للانقلاب.

2 – قيس سعيد كشخصية عقائدية متوترة وموتورة ومعاندة وغامضة تشتغل من خارج نواميس المجال السياسي، مما صعب على حلفاءه وخصومه ضبط ردود أفعالها أو رسم استراتيجية تعامل سياسي معها. فمجموع العفوية السائبة والإرادوية الحالمة تمثل بجرد النتائج والمحصول نقطة قوّة في رصيد الانقلاب وعامل من عوامل استمراره.

3 – نجاحه النسبي في تجيير المؤسسة العسكرية والأمنية لصالحه، وسعيه المواظب لتدجين مرفق العدالة واستخدام القضاء لتصفية من يصنفهم بالخونة والفاسدين. فقد بينت الأشهر الأربعة بعد الانقلاب قابلية أجهزة الدولة للاستخدام السياسي المباشر ووضعت الجميع أمام حقيقة ضعف ثقافة العقد والمواطنة والقانون، فما نشهده منذ 25 جويلية هو إعادة انتاج دولة التعليمات كنقيض تاريخي وسياسي لدولة المؤسسات والقانون التي اشتغلت على تركيزها عشرية ما بعد الثورة.

4 – الدعم الفرنسي والجزائري للانقلاب بالإضافة للدعم المصري والخليجي الذي لم يكن في مستوى انتظارات الانقلاب ربما لضغط أمريكي على الخليجيين ولكن في مستوى الدعاية الإعلامية ما يزال الانقلاب مدعوما من آلة الدعاية الخليجية.

في مقابل مقومات القوّة الذاتية للانقلاب تبرز في الجانب الموضوعي مؤشرات ضعف وعدم قابلية للاستمرار نلخّصها في النقاط التالية:

1 – المناخ الإقليمي والدولي الدافع في عمومه إلى استقرار المنطقة خاصة بعد التسوية الهشة للملف الليبي، وحرص الأمريكان والأوروبيين على “الاستثناء التونسي” و قد برز ذلك من خلال الموقف القوي والحاسم لإدارة بايدن و بيانات الاتحاد الأوروبي التي طالبت سعيّد بالعودة السريعة وغير المشروطة إلى الشرعيّة.

ربما كان الخارج أكثر حسما وجذرية في التعاطي مع الانقلاب وفعل أكثر مما كان المتفائلون ينتظرونه منه:

– تأجيل بنكهة الإلغاء للقمة الفرنكفونية، مع “بونيس” اتهام للرئاسة بسرقة الميزانية المخصصة ومطالبة باسترجاعها.

– تجميد عضوية تونس في منظمة البرلمانات الفرنكفونية.

– الإحجام عن التدخل لدى “أمك صنافة” لمنع تخفيض التصنيف الائتماني لتونس.

– موقف الكونغرس الأمريكي الواضح.

– تناول الصحافة الدولية لقيس على أنّه نوع من أنواع الكائنات القذافية المدمرة.

كل هذا وغيره سيكون لها التأثير الحاسم في فقدان الانقلاب لتوازنه وربما تسريع نسق سقوطه.

2 – حجم التحدّيات التي تواجها تونس وهي على أبواب الإفلاس المالي وانهيار اقتصادها وضغط الملفات الاجتماعية المتراكمة بما يستدعي مقاربة وطنية تشاركية لإنقاذ المركب من الغرق هذا في حين يكابر الانقلاب ويصرّ على الاستفراد بالقرار الوطني ويؤكد أنّه مصرّ على فكرته المجنونة بشطب كل الوسائط المدنية لصالح تشاركية شعبوية طوباوية وحالمة تغرق الانقلاب في كل يوم أكثر في الانعزالية والعجز الأخلاقي والسياسي في إنجاز الأدنى من انتظارات الشارع الذي هلل لانقلابه ورأى فيه المنقذ من عبث ما يسمى منظومة 24 جويلية.

3- معارضة الانقلاب تتوسع وتشمل تقريبا كل أطياف الساحة يمينا ووسطا ويسارا، بل ربما لا نبالغ إذا قلنا أن هناك اليوم وبعد أربعة أشهر في عمر الانقلاب إجماعا وطنيّا على رفض تمشي سعيّد ومنزعه التسلّطي المفضوح، وإذا كانت النخب والأحزاب السياسية غير قادرة بحكم حجم اختلافاتها على التوحّد في جبهة مواجهة ومقاومة للانقلاب، فإن ديناميكية معارضة متعدّدة الأشكال والحوامل سرعان ما برزت وتوسّعت لعلّ أبرزها مبادرة “مواطنون ضد الانقلاب” التي نجحت في لحم التقاطع بين المسار السياسي والحراك الشعبي والميداني، والأكيد أن الأيّام القادمة ستشهد حركيّة متعدّدة الأبعاد والحوامل للضغط على الانقلاب للجلوس إلى طاولة الحوار الوطني الجدي للخروج من ورطة 25 جويلية.

برصد عوامل قوّة وضعف الانقلاب ومكامن القوّة في رصيد معارضيه يمكن المجازفة بالقول إن الانقلاب لن يسقط في المدى القريب والمنظور، ولكنه يفقد مع الوقت مقوّمات استمراره ويبقى السؤال المعلق: ماذا بعد نهاية مغامرة 25 جويلية؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق