راي رئيسيغير مصنف

تونس وليبيا: ديبلوماسية اللعب بالنار

تتداول منصات التواصل الاجتماعي ومواقع إعلامية جديّة، أن عددا من ضباط المخابرات الفرنسية والإماراتية والمصرية، قد علقوا محاصرين في قاعدة الوطية التي لا تبعد سوى 60 كلم عن حدودنا الشرقية.
والأرجح أن مكالمة بن زايد للرئيس منذ يومين تندرج ضمن هذا الملف. رغم أن بيان الرئاسة يؤكد على أن المكالمة جاءت في سياق تضامن الإماراتيّين معنا في جائحة كورونا، فإن توقيت المكالمة التي جاءت بعد يوم من الضربات العسكرية الحاسمة التي وجهتها حكومة السراج لقوات حفتر، ترجح ما ذهب إليه المحللون من أن المكالمة كانت طلبا إماراتيّا رسميا لتدخل تونس في تسهيل مغادرة جواسيس حلفاء حفتر عبر تونس، بعد أن تمكنت قوات الوفاق بقيادة حكومة طرابلس الشرعية من دحر قوات حفتر من الشريط الساحلي الغربي الممتد من طرابلس إلى الحدود التونسية.
زلة لسان وزير الدفاع التونسي في حوار له مباشرا على احد القنوات الخاصة، وتوصيفه لقوات السراج بالمليشيات، عززت التأويل بان الطلب الإماراتي كان توقيتا وشكلا ومضمونا طلبا رسميا من دولة صديقة للحلف الداعم لحفتر. وهو ما استشنعه الرأي العام في تونس بحساب حدة الوعي بالدور المشبوه الذي ما فتئ يقوم به المحور الإماراتي السعودي في وأد الثورات العربية، واستهداف التجربة التونسية على اعتبارها نموذج النجاح الوحيد في المحيط العربي.
الموقف الرسمي التونسي من النزاع الليبي_الليبي كان عنوانه الحياد الإيجابي والالتزام بقرارات الشرعية الدولية، بما يعني سياسيا الوقوف الي جانب حكومة السراج المعترف بها دوليا. ولكن واجب الوساطة بين الفرقاء والدفع إلي تسوية سياسية ليبية جعل الموقف التونسي معتدلا بل ومحتشما في دعم حكومة الوفاق وذلك تجنبا للدخول في سياسة المحاور ووهم الاصطفاف وراء الموقف التركي والقطري ابرز الداعمين لحكومة طرابلس.
وقد كانت مبادرات السبسي طيلة عهدته تتمحور حول تجميع الفرقاء ضمن أفق الاكتفاء بلعب دور الوسيط في النزاع الليبي، واستعان في ذلك بالشيخ الغنوشي، وتعاضدا في الدفع إلى حل ليبي – ليبي بالتنسيق مع الجار الجزائري.
مع وصول قيس سعيد لقرطاج وبالنظر لجواد الثورية الذي ركبه، انتظر ناخبوه موقفا اكثر وضوحا وعلنية وحسما في دعم المحور الذي يتصدى لمؤامرات الإماراتيين والمصريين، خاصة بعد أن التحق بهم الفرنسيون والرّوس، ودفع حفتر للتحرك نحو طرابلس منذ 19 أفريل 2019 ، بما يعني واقعيا وعينيا التهديد الاستراتيجي المباشر للوضع في تونس.
إلا أن بهتة قرطاج بقيادة سعيد وتجمد الفعل الدبلوماسي التونسي تحت نقطة الصفر، وخاصة على خط الأزمة الليبية اخرج الدبلوماسية التونسية من مربع التأثير في الملف الليبي وقد كان غياب تونس عن مؤتمر برلين فضيحة فاضحة لمحدودية القدرة السياسية والدبلوماسية للرئيس وفريقه المشرف على إدارة الملف، وكم كان مضحكا وكاريكاتوريا تجميع مجهولين في الساحة الليبية تحت مسمى مجلس أعيان رؤساء القبائل ممن لا يعرفهم إلا من توسط في استدعائهم لقرطاج وتحدثت مصادرنا عن شخصية مناصرة لنظام الملالي ومقرّبة جدا من الرئيس، ورطته في تلك الفضيحة ، وجعلت من مبادرة الرئاسة موضوعا للتندّر لدى أشقاءنا الليبيين.
فهمت الجزائر جيدا طبيعة الصراع في ليبيا وأبعاده الاستراتيجية وخطورة مآلاته على استقرار المنطقة. فحسمت موقفها إلى جانب حكومة السراج ونسقت مع الأتراك والقطريين للتصدي المباشر لميليشيات حفتر ومن ورائهم إرادة ورغبة المصريين في إحداث اختراق للمجال المغاربي والتوسع غربا.
وإذا كان الخطاب الرسمي التونسي يكرر على عمق التواصل والتنسيق مع الموقف الجزائري فإن العديد من المؤشرات توحي بأن قبلة قرطاج تحولت من طرابلس إلى بنغازي وما توصيف وزير الدفاع التونسي لقوات الشرعية في طرابلس بالمليشيات سوى جس للنبض في اتجاه تحول الموقف الرسمي التونسي نحو مساندة حفتر، او هذا ما تأوله العديد من المراقبين في ظل بهتة وغموض الرئيس المبتدأ والغريب عن عالم السياسة الذي أوصلته الصدف إلى سدّة قرطاج.
ليبيا ليست مجرد جار شرقي لنا، وليست مجرد امتداد لأمننا القومي، ليبيا ثورة فبراير هي حليفنا العضوي المباشر أمام شراسة وقذارة الهجمة الخليجية المصرية على الثورات العربية. وبالنظر لحجم الثروات الليبية وفي مقدمتها البترول كان من الطبيعي ومن المنتظر أن تكون معركة الثوار هناك اكثر طولا في الزمن، واكثر تعقيدا في الواقع، ومدار رهانات استراتيجية إقليميا ودوليا. وكان مطلوبا من تونس الجديدة أن يكون موقفها واضحا ومن دون تردد في الرهان على القوى الحاملة لمطامح الليبيين في تأسيس دولة العقد والحرية والمواطنة.
ولعل آليات التعمية على هذه الحقيقة البسيطة والمباشرة، تتكثف على سطح الدعوة المتكررة للوقوف علي نفس المسافة من أطراف الصراع في ليبيا بدعوى تجنب السقوط في أجندة الشيخ تميم وأردوغان، على ما يردد دائما أنصار المحور الخليجي_المصري وبعض المحللين المزايدين بشعار الحياد والراقصين على معزوفة ” لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء” .
لا أرى فائدة في التذكير بخطورة الوضع في ليبيا وعمق الترابط العضوي و المصيري بين الحالتين التونسية والليبية فمستندات هذا الكلام متداولة و معلومة لكل المتابعين وافضل مطارحة فكرة الحياد الإيجابي، ذلك أن الحياد في المعارك المتصلة بمصير ديمقراطيتنا الناشئة، يعني ببساطة التخلي عن واجب الدفاع عن مصالحنا الوطنية الحيوية. فلا يناقش طبيعة الصراع في ليبيا خارج معادلة الثورة والثورة المضادة إلاّ غبي جاهل أو متآمر زنيم.
نحن لسنا أمام أجندة سرية لحفتر ومن وراءه ومن أمامه ، نحن أمام أجندة مكشوفة وعلنية ومعلنة مدارها وهدفها ضرب القوى الجديدة التي أفرزتها ثورة فبراير المجيدة واغتيال أشواق وأحلام ومطامح الشعب الليبي في الحرية ودولة المواطنة.
ومن هذا وعليه تصبح دعوات التعقل، وعدم الاصطفاف والحياد، ليست سوى ذرا للرماد على العيون للتخلي عن واجبنا الأخلاقي والتاريخي والسياسي لدعم الأحرار في ليبيا. او بالتدقيق دعم قوى المستقبل التي أثبتت مآلات الحالة الليبية موقعها من الصراع بين القديم المتآمر والجديد المقاوم.
الموقف الرسمي التونسي لم يفوت على تونس لعب دور فارق في حسم الصراع لصالح قوى الحرية والأمن والاستقرار في ليبيا فقط، بل يميل نحو المحور الإماراتي سيء الذكر، وذلك بحسب مؤشرات عديدة ليست آخرها زلة لسان وزير دفاعنا وقبلها استقبال سعيد لوزير خارجية الإمارات والمكالمات العديدة التي تبادلها القصر الرئاسي مع المصريين والإماراتيين فضلا عن خط التواصل المفتوح مع الفرنسيبن. كل هذه المؤشرات وغيرها تحيل على ربع حقيقة الأن تقول أن قيس سعيد بصدد تغيبر ثوابت سياستنا الخارجية القائمة على الحياد الايجابي، والالتزام بالشرعية الدولية، وتجاوز الجار الجزائري كحليف استراتيجي تتكئ عليه تونس كلما هدّدت فوضى الإقليم معادلات موازين القوة في المنطقه.
نكتفي الآن بالتأكيد أن الرئاسة والدفاع التونسي يلعبان بالنار، ومازلنا لا نعرف ماذا يريد بنا بالضبط رئيس الصدفة.
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق