الافتتاحية

ثروة الغنوشي والتضليل الإعلامي..
صناعة الكذب..
حين ينقلب السحر على الساحر!

“يستطيع الكذب أن يدور حول الأرض في انتظار أن تلبس الحقيقة حذاءها”

الكاتب الانقليزي مارك توين

ما راج مؤخرا من شائعات وأكاذيب، وخاصة ما نشر عن ثروة الغنوشي والإعلان بعد ذلك مباشرة عن دخوله في غيبوبة ونقله إلى المستشفى العسكري، ليس عملا اعتباطيا ولا هو خطأ فردي أو تجاوز لمقتضيات المهنية التي يقتضيها العمل الصحفي عامة والتحقيقات أو العمل الاستقصائي بصفة خاصة.

ما قامت به بعض الصحف مؤخرا، يتجاوز الفضيحة المهنية والأخلاقية، إلى العمل المنظم والمبرمج الذي تقوده غرفة عمليات إقليمية مدعومة دوليا، والمطلوب ليس رأس الغنوشي.. صحيح أن الرجل مستهدف بشكل أساسي، ولكن المطلوب الأول هو ثورتنا وانتقالنا الديمقراطي، ولو قبلت النهضة والغنوشي بما قبل به البرهان وحمدوك في السودان من تطبيع وبيع للثورة لمحور الشر العربي لبات من أصحاب الحظوة لدى هؤلاء..

من حيث النص الذي نشر دعونا نؤكد منذ البداية أنه لا يستحق حتى مجرد الرد عليه، لا فقط لأنه من نوع الكذب البواح الذي لا يقبلّه عقل، وهو إلى الخيال المحض أقرب، ولا لأن الموضوع نشر بأشكال مختلفة في مواقع بدول معروفة بعدائها لتجربتنا وثورتنا، وليس فيه في المجمل أي جديد، ولا لأن النص المنشور لا يمت إلى أي جنس من الأجناس الصحفية المعروفة، فلا هو بالمقال ولا هو بالتحقيق ولا هو بالربورتاج.. بل لأنه يفتقد لأدنى ضوابط العمل الاستقصائي الحرفي المطلوب في مثل هذه الأعمال..

فالمقال، ذكر مجموعة من الأباطيل والادعاءات ولم يقدم دليلا واحدا عليها، فلم نجد في المقال اسم شركة واحدة من التي قيل أن الغنوشي يمتلك أسهما فيها، ولا رقم حساب واحد من حساباته، ولا اسما لبنك من البنوك التي أودع فيها الرجل كل هذه الأموال..

المقال سقطة مهنية وأخلاقية، ولا يستحق الوقوف عنده كثيرا، وما يجب التوقف عنده حقيقة، كيفية تلقف بعض الأطراف الإعلامية والسياسية لهذا الخبر المفبرك، وتحويله إلى أجندا إعلامية يقع الاشتغال عليها ليلا ونهارا ويوم الأحد، فتنصب من أجلها المنابر وتخصص لها مساحات واسعة من الأخبار والتحاليل والتعاليق. في نفس الوقت، وفي نفس اليوم الذي تنشر فيه أخبار عن مليارات حقيقية تنهب من البنوك التونسية، وهي مليارات حقيقية وليست مفترضة، لا يلتفت إليها أحد ولا تحظى بأي اهتمام إعلامي.. وهنا نأتي إلى الأهداف والسياقات الحقيقية لما نشر بحق الغنوشي، وهي:

1 – التغطية والتعمية على جملة من القضايا الحارقة والجرائم الحقيقية التي تكشفت مؤخرا ومنها تسريبات محمد عمّار التي كشفت لا فقط عن تآمر حقيقي على أمن الدولة وتدخلا سافرا في القضاء وكشفت حقيقة الغرف المظلمة التي تعبث بأمن واستقرار البلاد، بل هي فضحت إلى جانب ذلك مخططا كبيرا يبدو أنه يتجاوز في امتداداته المجموعات الوظيفية في الداخل إلى قوى إقليمية ودولية، وهو مخطط هدفه إسقاط الغنوشي من البرلمان حتى وإن استعملت في سبيل ذلك أقذر السبل، وإسقاط الحكومة عبر ضرب حزامها البرلماني، ووضع اليد على الدولة بالاستعانة بمؤسسة الرئاسة.

2 – صرف الأنظار عن الأزمات الحقيقية إلي تعيشها البلاد والمتسبب الرئيسي فيها هو تعطيل العمل الحكومي من قبل رئيس الجمهورية الذي لا زال يرفض التحوير الوزاري ويبدو أنه سيرفض أيضا مشروع المحكمة الدستورية في خرق واضح وفاضح للدستور..

هذه هي الأهداف المباشرة، أما عن السياقات فما نشر يأتي في سياق الحملة المستعرة من أجل إزاحة الغنوشي من رئاسة البرلمان، الأمر الذي تشير كل المعطيات أنه فشل للمرة الثانية، وهو ما استدعى تكثيف الحملة على الرجل وجعله موضع استهداف دائم وتصوير الأمر وكان الغنوشي هو السبب الرئيس في كل أزمات البلاد..

وخدمة لهذه الأجندة الشيطانية، تشتغل جملة من الدوائر في تناغم مفضوح، فالإعلامي يطلق الكذبة ويتلقفها السياسي الذي يركب الحدث ويطالب بفتح تحقيق في ادعاءات لا تصدقها عقول الصبيان، ومن وراء ذلك تشتغل الآلة الإعلامية على الموضوع لمدة أسبوع أو أسبوعين، في انتظار كذبة جديدة وفرية أخرى.. وهكذا، وحتى وإن تحصل المتضرر على أحكام قضائية بعد سنة أو سنتين، فلا يقع الالتفات إليها، وتكون حين صدورها دون أي فائدة ولا يمكنها إصلاح الأضرار الناجمة عن تلك الكذبة وهذه هي صناعة الكذب اليوم..

هذه الصناعة تتواطأ فيها عن وعي أو دون وعي دوائر عديدة، منها الإعلامية ومنها السياسية. ومنها القضاء للأسف، لأسباب عديدة يطول شرحها هنا، ليجد نفسه ولو رغما عنه، جزءا من هذه اللّعبة.. لأننا لو كنا أمام قضاء مثل القضاء البريطاني الذي يصدر أحكامه في آجال معقولة لا تسمح بتفشي الضرر الحاصل من التشويه الإعلامي، وتفرض غرامات حقيقية وبحجم الضرر الحاصل، لما كنا أمام هذا المشهد.. أما أن تصدر الأحكام بعد عام أو عامين أو ثلاثة، كما حصل في أكاذيب عديدة سابقة مثل قضية التسفير وقضية لطفي نقض أو قضية الرش بسليمان، فلا تكون لها أي معنى سوى إنصاف شكلي للمتضرر لا يعيد له اعتبارا ولا يرفع عنه ما تعرض له من مظالم..

تلك هي اللعبة، والتي تكمن وراءها صناعة كاملة، تتحرك وفق أجندات مضبوطة، وتُعدّ أكاذيبها بشكل حرفي وتنزلها في مواقيت محددة بحيث يظل الخصم تحت الهرسلة والشيطنة والتشويه والقصف المستمر.. في انتظار أن تصدر الأحكام بعد سنين وحينها يكون الرأي العام قد نسي القضية أصلا..

ويلعب الإعلام دورا محوريا في هذه الصناعة، عبر مجموعة من الآليات تبدأ من الشيطنة ولا تنتهي عند التلاعب بالألفاظ أو المصطلحات “TERME” فيتحول الانقلاب على الغنوشي إلى “إزاحة الغنوشي” وتصبح إزاحة النائب الثاني الفتيتي أو محاولة إزاحته “انقلابا على الفتيتي” ونفس الشيء يقال عما حدث للرئيس المرزوقي ورئيس المجلس التأسيس في سيدي بوزيد “طردا” بينما نفس العملية يطلق عليها الإعلام “الاعتداء على الباجي قائد السبسي في نابل” ..

هكذا يتلاعب الإعلام ومن ورائه السياسيون، بالعقول في محاولة لصناعة رأي عام يشيطن خصومهم أو يغتالهم سياسيا بعد أن فشلوا في إزاحتهم عبر صناديق الاقتراع، ولكن……

ولكن هذه العملية قد تنقلب إلى الضد خاصة إذا تجاوز الكذب كل الحدود، وبات مفضوحا، وكما يقول المثل يمكن أن تكذب على بعض الناس بعض الوقت ولكن لا يمكن أن تكذب على كل الناس كل الوقت، وخاصة أيضا إذا كان هذا الكذب متجاوزا لكل حدود المعقول، لا يصدقه حتى الأغبياء، ولا يصدقه حتى الذين يريدون تصديقه، من الذين يكرهون الغنوشي مثلا..

إضافة إلى أن مثل هذه الافتراءات تضرب مصداقية خصوم النهضة وخصوم الغنوشي، وفي الأخير هو الذي يكون مستفيدا..

هنا تتحول العملية إلى العكس، ونتائجها تكون عكسية، ولعل التقدم بنقطتين لحركة النهضة في آخر بارومتر سياسي أجرته مؤسسة “إمرود كونسولتينغ” مقابل تراجع أهم خصومها، لهو تأكيد على هذا التأثير العكسي لمنظومة الكذب..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق