راي رئيسي

جائزة نوبل للآداب..
من المركزية الأوروبية إلى الهامش الإفريقي!

“جائزة نوبل للآداب” هي جائزة سنوية تمنح منذ سنة1901 لكاتب قدم خدمة كبيرة للإنسانية من خلال عمل أدبي و”أظهر مثالية قوية” حسب وصف ألفريد نوبل في وصية المؤسسة لهذه الجائزة. تفتح الجائزة، الأعرق والأكثر إعلامية وشهرة في العالم، للفائزين أبواب العالم وتسلط الضوء على المؤلف وعمله. ما يتيح له ترويجا على نطاق عالمي واعترافا دوليا.

والمعلوم أن الجائزة تكرم أساسا الروائيين والشعراء والكتاب المسرحيين. غير أن قائمة الفائزين خلال تاريخها شملت فلاسفة من أمثال رودلف أوكن وهنري برجسون وبيرتراند راسل ومؤرخ هو تيودور مومسن ورجل دولة ونستون تشرشل في خطاباته السياسية. وتأخذ الجائزة في بعض الأحيان أبعادا سياسية، كالوقوف في وجه الدول الشمولية، إذ فاز بالجائزة عدة كتاب منفيين أو معارضين ممنوعين من النشر في بلدانهم. مثل ميغل أنخل أستورياس وبوريس باسترناك وبابلو نيرودا وألكسندر سولجنيتسين وجاو كسينغجيان.

وقد أوصى ألفريد نوبل في وصيته الأخيرة بإهداء ثروته في سلسلة من الجوائز لأولئك الذين كرسوا حياتهم لخدمة البشرية وساهموا في تقدم مجالات الفيزياء، والكيمياء، والسلام، والفيزيولوجيا أو الطب، إضافة إلى الأدب. وكتب نوبل وصاياه خلال السنوات الأخيرة من حياته، وقد وهب 94 % من مجموع ممتلكاته التي قُدرت قيمتها بنحو 198 مليون دولار في عام 2016 في صورة جوائز تُمنح لخمسة فائزين كل عام. ونظرًا للشكوك التي أحاطت بتلك الجائزة، لم يوافق البرلمان النرويجي على تلك الوصية حتى 26 أبريل عام 1897. وأنشأت للغرض مؤسسة نوبل للاعتناء بهذه الثروة وتنظيم فعاليات توزيع الجوائز المرصودة.

تمنح لجنة نوبل النرويجية جائزة نوبل للسلام، وعُين أعضائها بعد وقت قصير من الموافقة على الوصية. وعقب ذلك تكفّلت منظمات أخرى بتوزيع الجوائز: معهد كارولنسكا في 7 جوان، والأكاديمية السويدية في 9 جوان، والأكاديمية الملكية السويدية للعلوم. توصلت مؤسسة نوبل إلى اتفاق بشأن القواعد التي تنظم كيفية منح الجوائز. وفي عام 1900 سن الملك أوسكار الثاني قوانين مؤسسة نوبل التي أُنشأت حديثًا. ذكرت وصية نوبل أن جائزة نوبل في الأدب يجب أن تُمنح من قبل “أكاديمية ستوكهولم” التي حددتها مؤسسة نوبل لتكون الأكاديمية السويدية إجراءات الترشيح ومنح الجوائز.

ترسل الأكاديمية السويدية كل عام طلبات ترشيح المتنافسين على جائزة نوبل في الأدب. يُسمح لأعضاء الأكاديمية، وأعضاء مجتمع الأدب الأكاديمي، وأساتذة الأدب واللغة، والفائزين السابقين بجائزة نوبل، ورؤساء منظمات الكتابة بتزكية المرشحين للفوز بالجائزة، ولا يُسمح لأحد بأن يرشح نفسه للفوز بالجائزة.

ترسل الأكاديمية آلاف من طلبات تزكية المرشحين كل عام، واعتبارًا من عام 2011 تستقبل الأكاديمية 220 مرشحًا. يجب أن تُقدم الترشيحات للأكاديمية قبل 1 فيفري، لتخضع تلك الترشيحات للتدقيق من قبل لجنة التحكيم. وبحلول شهر أبريل تقلص اللجنة عدد المرشحين إلى 20 مرشحًا. وبنهاية شهر ماي توافق لجنة التحكيم على قائمة صغيرة تضم خمسة مرشحين فقط. وبعدها تنفق اللجنة الشهور الأربعة التالية في قراءة أعمال المرشحين الخمسة وإمعان النظر فيها. ويدلى أعضاء اللجنة بأصواتهم في شهر أكتوبر، والشخص الفائز بجائزة نوبل هو من يحصل على أكثر من نصف عدد الأصوات.

تتألف لجنة التحكيم من 18 عضوًا مُنتخبًا لمدى الحياة، ولا يُسمح لأحد منهم أن يتخلى عن منصبه. في 2 ماي 2018، عدل الملك كارل السادس عشر غوستاف قوانين الأكاديمية كي يسمح لأعضاء اللجنة بأن يقدموا استقالتهم. يُعلن عن الفائز بالجائزة عادةً في شهر أكتوبر. يحصل الفائز بجائزة نوبل على قلادة ذهبية، وشهادة تحمل اسمه، ومبلغ من المال. يعتمد مقدار المال الممنوح للفائز على الإيرادات التي جمعتها مؤسسة نوبل في ذات العام. إذا حصل أكثر من مرشح على جائزة نوبل، تُوزع المكافئة المالية على الفائزين بالتساوي فيما بينهم، أو يحصل أحد المرشحين على نصف الجائزة ويقتسم الفائزان الآخران النصف الآخر.

يحصل الفائز أيضًا على دعوة لإلقاء محاضرة في ستوكهولم خلال “أسبوع نوبل”، ويختتم الحدث بحفلة منح الجائزة ومأدبة تُقام في العاشر من شهر ديسمبر. تُعد جائزة نوبل في الأدب ثاني أكبر جائزة أدبية بعد جائزة شاعر المليون. يحصل الفائز أيضا على قلادة مصكوكة من قبل شركة مينتفيركت في السويد ودار سك العملات في النرويج منذ عام 1902. وهي علامة تجارية مُسجلة لمؤسسة نوبل. ويُنسب الفضل إلى إريك ليندبرغ في تصميم قلادة جائزة نوبل في الأدب. ويُمنح الفائزون بجائزة نوبل شهادة مُقدمة من ملك السويد مباشرةً. تتميز كل شهادة مُقدمة من الجهة المانحة للجائزة بتصميم فريد خاص بالشخص الفائز بها، وتحتوي الشهادة على صورة ونص يتضمن اسم الفائز بالجائزة واستشهادًا بالأسباب التي جعلته جديرًا بها.

 

نوبل للآداب .. إفريقيّة

وقد فاجأت هذه الجائزة التي تمنح للمتميزين في أعمالهم الأدبية، المتابعين بأسماء لم تكن على قائمة المرشحين لأن يتربعوا على كرسي الأدب العالمي، وأدارت ظهرها لأسماء أخرى كانت متداولة بشدة، وهو أمر يبدو مرتبطا بعدم وجود لائحة مرشحين رسمية، فيما يقتصر الأمر على تكهنات وتوقعات الأوساط الأدبية. ومعروف أن أسماء الفائزين الأوروبيين تطغى على الأسماء العالمية، ما جعل الجائزة أسيرة أوروبيتها. ولكن القائمين على الجائزة يسعون منذ سنوات إلى تشجيع الأدب المناهض للنزعة الكولونيالية ودعمه، على الرغم من تراجع الظاهرة الاستعمارية.

وقد ربطت فوز عبد الرزاق غورنا بنضاله ضدّ النزعة الاستعمارية شارحة في بيانها المقتضب سبب اختياره في كون عمله السردي متعاطفاً إنسانياً ويخلو من أي مساومة إزاء الاستعمار والآثار التي تركها، وملتزماً قضايا اللاجئين العالقين بين الثقافات والقارات. رغم أن الروائي الصومالي نورالدين فرح كان أكثر حظا في الحصول على الجائزة نخصّ رواية “من ضلع معوج (1970)” التي تعد من العلامات البارزة في أدب شرق أفريقيا، كما تجسد ثلاثيته الشهيرة “دماء في الشمس” صراعات بلده الصومال، وتبدأ بمعاناة بطلها “عسكر” على خلفية معارك سبعينيات القرن الماضي الطاحنة بين الصومال وإثيوبيا.

ولكنّ الأكاديمية السويدية فاجأت جمهورها العالمي بمنحها جائزة نوبل للأدب إلى روائي وباحث تنزاني غير معروف عالمياً، هو عبد الرزاق غورنا الذي ولد في زنجبار في المحيط الهندي عام 1948، ثم انتقل باكراً إلى منفاه البريطاني هارباً من الحال المزرية التي عرفتها تنزانيا في الستينيات. وهو مقيم في بريطانيا ويكتب بالإنجليزية من غير أن ينسى لغته الأم وهي السواحلية، ويتنقل بين بلدان إفريقية عدة. يعمل غورنا في التدريس الجامعي، ودرّس لسنوات في جامعة باييروفي كانو- نيجيريا وفي جامعة كينيت. حصل على الدكتوراه من جامعة كينيت نفسها. وتناول في أطروحته الأكاديمية الأدب الما بعد كولونيالي والمناهض للاستعمار في أفريقيا والكاريبي والهند، وهو يعيش اليوم في برايتون ويدرّس في جامعة كنت. لا يتمتع عبد الرزاق بشهرة عالمية كبيرة، وقد رشحت روايته الشهيرة “الفردوس” (باراديز) وروايته “عبر البحر” إلى جائزة البوكر وجائزة “وايتبرد” البريطانية، وجائزة لوس أنجليس تايم، لكنها لم تفز بأي منها. له روايات أخرى وكتب بحثية عدة، ومنها “وداعاً زنجبار”.

كما أنّ أعماله لم يترجم منها سوى النزر القليل إلى اللغات الأجنبية ونادرا ما كتب عنه في الصحافة الأوروبية والأميركية. أما عربياً فلم يترجم له أي كتاب. وبفوز غورنا الكاتب الإفريقي على هذه الجائزة تثبت الأكاديمية السويدية مواصلة ابتعادها عن المركزية الأوروبية، التي طالمت عرفت بانحيازها إليها منذ تأسيس الجائزة في. ولعل هذا البيان يؤكد انتماء غورنا إلى الخط الروائي الذي رسمه روائيون كبار ناهضوا ثقافة الاستعمار وانتقدوها، ومنهم جوزف كونرادونايبول وجامايكا كينكيد. وقد كتب غورنا مقالات وأبحاثاً عن هؤلاء الروائيين وعن الأدب المقاوم للنزعات الكولونيالية.

وإثر إعلان فوزه، دعا الفائز غورنا أوروبا إلى اعتبار اللاجئين الوافدين إليها من إفريقيا بمثابة ثروة يمكن الاستفادة منها إن أحسنوا التعامل مع الإنسان فيهم، وشدد الكاتب المقيم في بريطانيا بعد هروبه من تنزانيا على أن الأفارقة السود لا يأتون إلى أوروبا خاويي الوفاض، وإنما يجرون معهم تراثهم الأدبي والفكري والثقافي، وحضّ غورنا على تغيير النظرة إلى “أشخاص موهوبين ومفعمين بالطاقة”. اشتهر بروايته “الفردوس” (1994)، و”هجران” (2005)، و”وداعًا زنجبار” (2009). وكان قد دخل عالم الكتابة الروائية عام 1987 مع أولى أعماله الروائية “ذاكرة المغادرة”. وقد تتالت أعماله حتى سجّل في رصيده عشر روايات وعددا من القصص القصيرة.

لقد نال الروائي التنزاني عبد الرزاق غورنا جائزة نوبل للآداب، بحسب بيان القيمين عليها، نظرا إلى تمكنه الفني العالي من الكتابة السردية والتزامه بقضايا إنسانية عادلة، جلب إليها التعاطف وخلت أعماله من أي مساومة أو بثّ للكراهية، بل تخصص في بيان آثار الاستعمار ومصير اللاجئ العالق بين الثقافات والقارات ليفتح لنفسه أبواب الشهرة كأول تنزاني يحصل على جائزة نوبل للآداب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق