راي رئيسي

جانفي 2021 الساخن..
حراك عنيف وتحوير حكومي مثير للجدل ومنظومة سمتها العجز و الفشل..

(1)

من نافلة القول أن نذكر أن شهر جانفي قد ارتبط في المخيال الشعبي التونسي منذ أمد بعيد بكونه شهر النخوة والحراك الاجتماعي والانتفاضات والثورات، فخلاله (20 جانفي 1946) أسست المنظمة الشغيلة الاتحاد العام التونسي للشغل بقيادة الزعيم فرحات حشاد بعد مسيرة تراكمية انطلقت منذ عشرينات القرن الماضي، كما انطلقت ثورة التحرير من ربقة الاستعمار الفرنسي الغاشم في 18 جانفي 1952، لتكون تاريخا وحدا فاصلا بين مقاومة سياسية وديبلوماسية لم تؤت أكلها، وبين مقاومة مسلحة، كانت إلى جانب غيرها من الظروف والمناخات كفيلة بتغيير المشهد وحصول تونس بعد سنوات قليلة على استقلالها الداخلي فالخارجي.

كما شهدت البلاد يوم 26 جانفي 1978 انتفاضة اطلق عليها انتفاضة الخميس الأسود على إثر الإضراب العام الذي أقره الاتحاد العام التونسي للشغل، وتجلى خلاله التصدع بين النظام البورقيبي وبين الحركة النقابية بقيادة الحبيب عاشور بعدما كانت العلاقة بينهما متينة منذ الاستقلال وكان فيها الأمين العام للمنظمة الشغيلة عضوا باللجنة المركزية للحزب الاشتراكي الدستوري، وأدت إلى مواجهات عنيفة في الشارع بين المواطنين والنقابيين من جهة وبين قوات الأمن من جهة أخرى، وأعطيت الأوامر للجيش بالتدخل وإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين فسقط حوالي ألف شهيد، واعتقل العشرات من النقابيين، وخاصة منهم المكتب التنفيذي وجل القيادات الجهوية للاتحاد ومُورست عليهم أبشع صنوف التعذيب.

ولم تمرّ سنتان على أحداث الخميس الأسود حتى كان سكان قفصة يوم 27 جانفي 1980 على موعد مع مجموعة مسلحة مدعومة من النظام الليبي يقودها آنذاك كل من أحمد المرغني وعزالدين الشريف، تدعو المواطنين والجيش للالتحاق بالثورة وإسقاط النظام، وقد تم إفشال تلك المحاولة التي سقط على إثرها أكثر من 50 قتيلا بين مواطنين وجنود ومسلحين.

ثم جاءت أحداث الخبز التي انطلقت يوم 3 جانفي 1984 لتؤكد للتونسيين أن إرادة الحياة تصنع بالنضال والوقوف في وجه غطرسة السلطة التي أرادت أن تضاعف من ثمن الرغيف فجاءها الرد صاعقا، وخاض التونسيون ملحمة الدفاع عن مقدرتهم الشرائية انتهت باستشهاد عشرات الشهداء، ولكنها انتهت أيضا بتراجع العجوز عن قرار حكومته وانتصار إرادة الشعب.

تلت ذلك، وفي الشهر ذاته انتفاضة الحوض المنجمي التي انطلقت في 5 جانفي 2008 عقب التلاعب بنتائج مناظرة في شركة فوسفاط قفصة، تلاعب وفساد كان أبطاله بن علي وحاشيته وأصهاره وتجمعه الذين سيطروا على كل مقدرات البلاد، ولم يدعوا مؤسسة اقتصادية واحدة دون أن يعيثوا فيها فسادا وتعيينات مشبوهة للموالين لهم، بالإضافة إلى الوضع التنموي المتردي لمنطقة الحوض المنجمي التي تلتها أحداث صغيرة عديدة في مناطق عديدة من البلاد بسبب ضيق الأفق وحجم التهميش وتسليط المظالم والتفقير والتجويع الممنهجين حتى جاءت الشرارة الأولى من سيدي بوزيد في 17 ديسمبر 2010 لتتأجج الثورة وتعرف عنفوانها في تالة والقصرين أيام 8 و 9 و 10 جانفي 2011، التي سقط فيها عدد كبير من الشهداء قبل أن تواصل الشرارة الانتشار ويفر المخلوع في 14 جانفي 2011 .

 

(2)

بعد الثورة لم يختلف الأمر كثيرا، فقد واصل جانفي تربعه على عرش روزنامة الاحتجاجات والحراك الاجتماعي المطالب بتحقيق أهداف الثورة والتذكير بالحق في الشغل والحرية والكرامة الوطنية.

هذه السنة لم يختلف الأمر أيضا، بل أن ديسمبر قد استبق جانفي، وهيأ له المناخات الملائمة ليكون ساخنا بأحداثه ومواجهاته، وسرعة انتشار رقعة الاحتجاجات فيه، ووسمه بسمات قديمة جديدة.

سياقات هذا العام تتميز بملامح تبعث على القلق، وتؤشر لفشل المنظومة التي تحكم، بأحزابها ومنظماتها في قيادة سفينة البلاد إلى بر الأمان، وإيجاد مخارج آمنة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتأزمة والمتشنجة.

ولعلنا، إن حاولنا حصر مظاهر الأزمة الحالية نجملها في المسائل التالية:

– وضع صحي متأزم في ظل حكومة تتعامل مع الوضع الوبائي الخطير الذي تمر به البلاد بحالة من التيه وغياب الاستراتيجيا، والمرور من حالة سلامة القطيع إلى الحجر الصحي الشامل إلى الحجر الصحي الموجه إلى “سيب الماء على البطيخ ” مرة ثانية دون بوصلة واضحة.

– وضع اقتصادي صعب وغياب لموارد لتمويل الميزانية، وصعوبة تنفيذ الإصلاحات التي تعهد بها المشيشي أمام صندوق النقد الدولي.

– حوار وطني معطل بسبب إصرار الاتحاد على إقصاء بعض الأطراف السياسية الممثلة بكتل برلمانية منه أساسا كتلة ائتلاف الكرامة وكتلة الدستوري الحر، وبسبب حرص الرئيس على وضع بصمته الشعبوية فيه بفرض تمثيلية للشباب دون وجود آلية لإفراز واختيار ممثلي هذه الفئة الموجودة أصلا ضمن الأحزاب والكتل البرلمانية والمنظمات الوطنية المشاركة.

– تحوير وزاري محفوف بكثير من الجدل والاعتباطية، فرئيس الحكومة مضطر لسد الشغورات التي خلفتها إقالة كل من وزير البيئة ووزير الثقافة ووزير الداخلية ولتعويض عدد من الوزراء الذين تأكد ضعف أدائهم.

التحوير يأتي بعد حوالي أربعة أشهر من تسلم لحكومة الكفاءات الوطنية غير المتحزبة لمهامها، وسط دعوات من الحزام السياسي الذي يسندها لتعديل البوصلة نحو مزيد من الفاعلية ونحو تشريك فعلي للكفاءات السياسية، ودعوات للحفاظ على هوية الحكومة والنأي بها عن الأحزاب، ودعوة ثالثة من رئيس الدولة إلى استشارته في تفاصيل التحوير باعتباره من اختار المشيشي.

– التحوير الوزاري ورد أيضا في سياق عجز الحكومة عن تحقيق الحد الأدنى من تعهداتها وأولوياتها التي أعلنت عنها عشية الفاتح من سبتمبر أمام مجلس نواب الشعب والمتمثلة في إيقاف نزيف المالية العمومية وإحكام التصرف في النفقات وحماية الفئات المهمشة وإصلاح القطاع العمومي ودعم الاستثمار، فاسحة المجال أمام انتقادات واسعة بانها حكومة نكرات غادر بعضهم دون أن نتعرف حتى على ملامحه أو نسمع له تصريحا واحد أو أن نعلم أنه أنجز إنجازا واحد.

– التحوير شمل 12 عشر وزارة، 11 منها بالتعويض وواحدة بالحذف وهي وزارة العلاقات مع الهيئات الدستورية والمنظمات والمجتمع المدني، وأهم ملمح فيه قطع الحبل السري وشعرة معاوية مع الرئيس قيس سعيد والإطاحة بكل الوزراء الذين فرضهم عند تشكيل حكومة المشيشي.

– قوبل التحوير بانتقادات شديدة أولها جندري ويتمثل في إقصاء سيدات وتعويضهن برجال وهو مؤشر سلبي ما كان على المشيشي أن يسهو عليه او أن يضعه في اعتباره، والثاني يتعلق بتعيين شخصيات تحوم حول بعضها شبهات مثل وزير الصناعة والطاقة والمناجم سفيان بن تونس عضو حزب قلب تونس والذي يترأس شركة لممثلها القانوني علاقة بإمضاء عقد اللوبيينغ الشهير بين نبيل القروي وضابط سابق في الموساد وهي قضية قيد التحقيق منذ سنة 2019.

– التحوير يتزامن مع حالة من الارتباك داخل الحزام السياسي للحكومة فحزب قلب تونس يعيش فترة صعبة بعد إيقاف رئيسه نبيل القروي وإيداعه السجن، والعلاقة بين حركة النهضة وائتلاف الكرامة متشنجة إثر إصدار رئيس المجلس الأستاذ راشد الغنوشي بيانا أدان فيه ممارسة بعض نواب الائتلاف للعنف.

– غياب مريب لرئيس الدولة عن المشهد، خاصة في ظل تصاعد الاحتجاجات وتحريض التنسيقيات المحسوبة عليه على ما تطلق عليه “ثورة الجياع” وفي ظل حديث متواتر عن وجود موقوفين متلبسين بممارسة العنف من بين أعضاء تلك التنسيقيات. وهو غياب قطعه بزيارة لحيّه المنيهلة تحدث فيها مع الشباب ودعاهم للممارسة الحق الدستوري في الاحتجاج مع المحافظة على الأرواح والممتلكات.

– استمرار حالة الانقسام العميق في مجلس نواب الشعب بين الأحزاب التي تسند الحكومة التي تندد بالمظاهرات الليلية والاعتداء على الممتلكات وبين الكتل المعارضة للحكومة لاسيما منها كتلة الرئيس قيس سعيد الديمقراطية التي تضم كلا من التيار وحركة الشعب والتي تدعو للاحتجاج وتبرر كل ما يأتيه بعضهم من عنف ونهب وسرقة واعتداء على الأمنيين مشبهة إياه بما حدث خلال شهر جانفي 2011.

– الحراك جاء ليؤكد مرة أخرى ان المنظومة الحالية حكما ومعارضة فشلت في إيجاد حلول جذرية لمشاكل البلاد، وفي أن تكون في مستوى تطلعات الشباب الذين يزداد منسوب العنف والاحتقان لديهم بسبب انسداد الآفاق أمامهم، منظومة يسيجها العجز والصمت وتشغلها الحروب الباردة ويشينها انحسار الخيارات وضعف الأداء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق