راي رئيسي

حادث 25 جويلية .. هل يجدد النهضة؟ (2/1)

المهللون والمرحبون بـ 25 جويلية كانوا ينتظرون أن يصفّي الرئيس حساباتهم مع الغول النهضوي، وقد ردّد رموز حزب الشعب آخر الأحزاب المساندة للرئيس في أكثر من مناسبة أن السبب الأساسي لاصطفافهم وراءه، هو رهانهم المتجدّد على تفسيخ حركة النهضة من المشهد، ولا يهم أن يكون ذلك بتجيير أدوات الدولة، فهي في خطابهم الخطر الجاثم على البلاد والعباد.

حالة حزب الشعب القومي الناصري تكاد تكون حالة شاذّة في المشهد التونسي، و يبدو أن الرئيس قد انتبه لخطورة ما يدفع إليه حزب الشعب، وكل المؤشرات تدفع للاستخلاص أن قرطاج ستتعامل مع النهضة كما ستتعامل مع البقية ضمن مدار “التصفية القانونية” وتجنّب كلفة التصفية الأمنية.

الحاصل والمتفق عليه، أن انقلاب 25 جويلية قد وفّر للنهضة فرصة نادرة لتلتقط أنفاسها وتعيد ترتيب بيتها الداخلي. فالنهضة المنهكة من عشرية ما بعد النهضة، والنهضة التي تفجّرت في جسمها ما يسمّى بأزمة القيادة في حاجة إلى لحظة هدوء استراتيجي لإعادة انتاج نفسها في أفق أكثر وضوح يستوعب أسئلة التجديد والتجدّد.

كل الطرافة في الملاحظة التي نقفز على هامش تاريخ تطوّر النهضة، والتي تؤكد على أن الصدفة كانت دائما وراء مفاصل التجديد الكبرى التي واكبت تاريخ الحزب.

صدفة الانقلاب تنتظم ضمن سياق الدور الوظيفي للصدفة في دفع النهضة إلى تجديد رؤيتها للمرحلة، وتمثل موقعها من خارطة توازنات السلطة ومجتمع الحكم في المدى المتوسط والبعيد.

قبل طرح الأسئلة الكبرى المطروحة على النهضة بعد 25 جويلية وربطا للماضي بالحاضر سنرصد بدالة الذاكرة المفاصل الكبرى التي كانت فيها الصدفة مهمازا للتجدّد و دافعا للبحث عن آفاقا جديدة لإعادة انتاج مشروعها.

 

أذكر في بداية الثمانينات ذلك القلق الذي أصابنا في أطر العمل الإسلامي السرّي عندما تسارع نسق تسييس الحركة بتأثير.

الذراع الطلابي، وكان مصدر قلقنا يتّصل أوّلا وأساسا بتشويش السياسي على أولويّة البناء التربوي لأبناء الحركة ، وممكن التجويف الأخلاقي لنمط “المسلم / الداعية” الذي كانت الجماعة تجتهد في صياغته على مقاس “الجيل القرآني الفريد” كما قدمه لنا الشهيد سيد قطب في كتابه الشهير “معالم في الطريق”.

عاشت مؤسسات التنظيم السرية يومها سجالا هادئا ومتجدّدا حول شروط النقلة من الدعوي إلى السياسي كأفق تطوّر طبيعي داخل الجسم، الذي انخرط في عمومه بسلاسة في مسار انتاج الداعية / الرسالي كنموذج نضالي جديد منخرط بصفته كمتديّن في معركة مقدّسة ضدّ الظلم السياسي والاجتماعي. وفي مسار ذلك التحوّل قلة من قيادات جيل التأسيس كانت تخشى كلفة اقتحام المعركة السياسية بعناوين الوقوف أمام “السلطان الجائر”، فالأغلبية كانت تخشى على شبيبة الحركة التلمذية والطلابية فائض التسيّس واختلال التوازن في تكوينها بين التربوي والسياسي. فقد تشكلت من خلال الحوار الداخلي صورة عامة عن ممكن التجويف التربوي / الأخلاقي الذي قد يصيب تماسك الجماعة في مقتل. فالربانية والورع كانت أسمنت اللحمة التنظيمية للجماعة التي قُدت على مقاس الجيل الذي صيغت شخصيته على معارج التقوى بين جدران بيت “الأرقم ابن أبي الأرقم”.

لم يكن الخوف يومها على “مجتمع الأخوة” من اغراء المناصب والسلطة، فلا أحد فكر في أفق الحكم في ظل نظام سياسي مغلق ومحتكر للسلطة بقسوة العنف الرسمي.

خشية القيادي / الإمام كانت تتمحور حول الخروج المبكر للجماعة من المسجد الى السوق قبل استكمال العدة التربوية اللازمة لأبناء الحركة المطالبين اولا بالنجاح في امتحان “الدورات الروحية” على حد تعبير الشيخ سعيد حوى، قبل ولوج معركة التدافع الاجتماعي والسياسي.

أذكر أن جزءا كبيرا من قيادات الحركة يومها انتبهوا إلى أن التحوّل بالحركة إلى مربع الصراع السياسي لم يكن إفرازا لتطوّر طبيعي وداخلي، بقدر ما فرضته تطورات السياق الاجتماعي والسياسي الوطني (انتفاضة العمال في جانفي 1978) والدولي (الثورة الإيرانية)، ثم انكشاف التنظيم فيما أصبح يعرف بحادثة التاكسي سنة 1981 …

كثيرون من كوادر حركة النهضة تعتبر اليوم أن تسييس الجسم كأن ضرورة فرضها الانكشاف الأمني، ولم يكن خيارا ذاتيا فقد دشن الاسلاميون التونسيون تاريخ تسيسهم على محارق فجئية وقسوة الضرورة والإكراه الموضوعي، ودون أن نتجرأ على القول أن الصدفة قد كتبت السطر الأول في تاريخ تسيّس الحركة الإسلامية في تونس، نقرّر بارتياح أن التسيّس أو اقتحام مجال الصراع السياسي بعناوينه الثقافية (الهوية) والاجتماعية (العدالة) والاممية (الاستكبار والإمبريالية) كان “نصف” خيار يومها، ولم يكن “كلّ” الخيار. ولقد نجح نصف الخيار في التحول إلى اختيار، وبسرعة تجاوزت رغبة الداعية في كبح جموح السياسة في تأميم وتسخير كل منابع القوة في الجسم لتوظيفها في المعركة السياسية. فتحوّلت الجماعة إلى “مجرّد” أداة تنظيمية هاجسها الأساسي تأمين وجودها أوّلا ومغالبة الإرادة الرسمية في استئصالها ثانيا، وتسريع نسق العدّة ليوم الزينة ثالثا، وقد ساعدت أدبيات الثورة الإيرانية وسرديّات الثوريات اليسارية في انتظام الجسم في أفق التغيير السياسي والرهان على افتكاك الدولة كشرط لإنجاز المطلوب التاريخي لمشروع التمكين أو الاستخلاف.

ما يهمني هنا هو التأكيد على معنى الصدفة ودورها الوظيفي في تدشين الإسلامي التونسي لزمنيته السياسية. فمروية المحن وحروب الاستئصال التي استهدفت الاسلاميين معروفة اليوم. ما يهمني أكثر هنا التركيز على الدور الوظيفي للأقدار أو الصدفة في مسار تطوّر حركة النهضة من الجماعة التربوية في السبعينات إلى الجماعة الرسالية في الثمانينات إلى الحزب السياسي اليوم.

فالثورة التي كانت هدية قدر للتونسيين، فاجأت توقيتا كل المعنيين بالحالة التونسية في الداخل والخارج، وتقبلها الجميع على انها صدفة جميلة انتزعت تونس من” قدر الاستبداد” ورمتها بسرعة وحسم في “تاريخ الحرية”.

كان على الاسلامي التونسي الخارج لتوه من سنوات السجون والتشريد الطويلة، أن يتحمل مسؤولية ” قدر الثورة” وأن يحوّلها إلى مشروع بناء وطني، بعد أن ألقى التونسيون على كواهله ثقل وأثقال الاستئمان على مصير ثورة قطعت تاريخيا مع زمن الاستبداد السياسي ووضعت البلاد في أفق الحداثة السياسية .

وكم كانت قاسية وثقيلة ومعقدة رحلة العبور بالبلاد من لحظة الثورة إلى زمن الانتظام الوطني في أفق الديمقراطية.

ألحت اللحظة الوطنية على الإسلامي في أن يتحول من الرسالية والنضال إلى ارتداء معطف الحاكم الأنيق، وأرغمته على التفكير السريع والحاسم في تحويل التنظيم من محضن لتخريج الرسالي / المناضل القادر على الثبات والصمود، إلى مؤسسة لتخريج موظف الشأن العام القادر على تسيير أجهزة الدولة.

ما يدهش في هذا الرسم التاريخي لسردية تطوّر حزب النهضة من الجماعة إلى الحركة إلى الحزب هو نجاح الأسلامي التونسي في الحفاظ على وحدة الحامل التنظيمي في هذا المسار الصعب والهادر والقاسي أيضا ..

لوائح المؤتمر العاشر لحزب النهضة الذي أعلنت النهضة فيه موت الحركة وميلاد الحزب، تحيل المراقب على حقيقة مدهشة ومستفزة للتأمل؟ تتصل بقدرة النهضويين على تعقل الأقدار وترويض “اللامعنى” وعدمية الصدف ، ونظمها في تاريخ التطور الذاتي. ولعل سرعة تطوّر وعي النهضة بذاتها، وتطويعه ليستجيب للمطلوب التاريخي للاستواء في مربع التدافع السياسي ، قد أعجز قدرة خصومها في استيعاب صدقية ذلك التحول، فأطمأنت إلى التفسير الكسول الذي يرميها بالازدواجية والمناورة وإدّعاء التجدّد والتجديد .

زلزال التجدّد الذي كابدته النهضة في مؤتمرها العاشر مازلنا نواكب تداعيته وتأثيراته على النهضة أوّلا، وعلى الرأي العام ثانيا ومن المبكر الحسم بنجاحها في تجاوز تداعياته دون خسائر. فالمتشائم من هذا التحوّل من كوادر النهضة يشدّد على أن تحوّل النهضة من حركة إلى حزب، معناه ببساطة هدم الصومعة لحساب الانتصاب في السوق. والمشكك في هذه النقلة من خصوم النهضة يلح في التأكيد على أن مخرجات المؤتمر العاشر ليست سوى خطوة إلى الأمام من أجل قفزة للوراء، وتحايل مغموز لترسيخ قدم النهضة في مجتمع الحكم.

بين الداعية المتشائم من شؤم السياسة على القيمة، وتشكيك العلماني في النوايا والخفايا والمسكوت عنه، شقت النهضة الجديدة طريقها في مجتمع الحكم بهدوء هادر نملك الآن وهنا وبعد 25 جويلية الحكم على مآلاته.

وهو ما سنحاول مقاربته في الجزء الثاني من التحليل.

 

حادث 25 جويلية .. هل يجدد النهضة؟ (2/2)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق