راي رئيسي

حادث 25 جويلية: هل يجدد النهضة؟ (2/2)

تناولنا في الجزء الأوّل من هذا المقال مستجد تسييس الجماعة في 81 ومستجد التحوّل من الحركة بسؤال التغيير الشامل إلى الحزب المعني بالحكم بعد الثورة، ولفتنا الانتباه إلى أن حوادث التاريخ وأقدار السياسة كانت المهماز الأساسي في مراجعات النهضة الاستراتيجية. ودون أن نغفل إلى حقائق علم الاجتماع التي تربط بين حركية الواقع أو التاريخ وديناميكية تشكل الوعي وعالم الأفكار يحضر السؤال اليوم بعد انقلاب 25 جويلية الذي رمى بالنهضة خارج محاضن الدولة: هل يكون حادث الانقلاب قادحا لتحدث النهضة نقلتها الاستراتيجية المطلوبة والمعطوبة نحو أفق الجدارة بالاستقرار في مجتمع الحكم؟؟

مدارات الاسئلة التي تحوم حول البيت النهضوي، والتي تقدمت خطوة في اتجهاها وتراجعت عشرا. إمّا لضغط اليوميات أو لتشوش الوعي بالأولويات أو لكوابح ابستمولوجية تتعلق بحدود التجديد دون الخروج عن حدود المرجعية، مدارات الصداع النهضوي يمكن أن نستعرضها في الآتي:

– هل قعدت حركة النهضة تَوجهها الاستراتيجي في الفصل بين الدعوي والسياسي كشرط نظري للتحوّل من الرسالية العقائدية إلى زمن الدولة؟

– هل تحول هذا الفصل المنهجي الى حالة وعي جديدة ترجمها خطابا عاما وبنية تنظيمية وثقافة سياسية متمايزة عن القديم المتوارث والجديد المتداول؟

– هل تمتلك الحركة رؤية جديدة ومشروع استراتيجي شامل لوطن يضيع ودولة تنهار ومستقبل غامض في محيط اقليمي ودولي متحرك دون بوصلة؟

– هل تناقش الحركة عقدة المقبولية في الداخل والخارج وهل تمتلك رؤية اقتحامية جديدة تنزع منابت التخوف منها وتفرض الاعتراف الاحترام؟

– هل فكرت الحركة في تثوير فلسفتها واستراتيجيتها التواصلية وتجاوز عقدة الإعلام؟

– هل غادرت الحركة رهانها الاجتماعي على الفقراء والمستضعفين وتملكت رؤية جديدة في أفق صناعة الثروة والاغنياء استثمارا في الرفاهة كمطمح أغلبي للتونسيين أم ستواصل الاستثمار في معزوفة مقاومة الفقر؟

– هل فكرت النهضة في منظومة عدالة جديدة تجمع بين أصل تحرير المبادرة، وواجب العدالة الاجتماعية ضمن رؤية جديدة تعيد سؤال الدولة حجما وحضورا ووظيفة في أفق تاريخي مغاير؟

النهضة كسليل إيديولوجي لتيّار الإخوان حاولت ما استطاعت الفرار من حقيقتها المزعجة لخصومها، وهي بقطع النظر عن مشروعية خط الهروب الاضطراري الذي رسمته بوعي أو بدونه، بالملموس والحواصل لم تحقق المطلوب بهاجس التجديد الداخلي ولا بانتظارات خصومها التي يختلط فيها المشروع بالمزايدة والمغالبة الخبيثة.

المفارقة التي تقفز هنا أن منسوب المقبولية في الخارج كان أكثر إنسيابيّة بالمقارنة بالداخل الوطني ويبرز ذلك من خلال الموقف الأمريكي من تجربة العشرية والحضور المركزي للنهضة في قلب توازناتها، بما يضعف كثيرا الموقف الفرنسي المتكلس من الإسلاميين، وجذور الموقف الفرنسي تتصل بإيديولوجية لائكية عقائدية وأصوليّة في منابتها من المظلّة الدينية ذاتها على ما هو معروف في مقاربة العلمانية الفرنسية، لذلك يمكن للنهضة أن تتخفف من المسؤولية في عدم قدرتها طيلة العشرية على اختراق غشاء عذرية اللائكية الفرنسية، وإقناعها بممكن التعايش بين المقدّس والزمني في مجتمع الحكم.

صداع النهضة هنا في الداخل الوطني الذي بشر في أواخر عهد المخلوع بكتابة تاريخ التعايش بين الإسلاميين والعلمانيين، يوم التوقيع المرح على وثيقة مبادرة 18 أكتوبر الشهيرة.

لم يتخيل أكثر المتشائمين أن تمزّق تلك الوثيقة أشهرا قليلة بعد الثورة، ويعود الموقعون إلى خنادق المضادة الايديولوجية للتراشق بالمتاح الإعلامي والسياسي، والاستعواذ من رجس الاقتراب من الضلاميين، وكادت عهدة الترويكا أن تنتهي على خراب المدينة لولا “حكمة الشيخين” على ما يردّد أنصار لقاء باريس الشهير.

تقديري أن مشكل المقبولية في مجتمع النخبة تتحمل فيه النهضة عشر المسؤولية تسعة اعشارها تتوزع بين بقية الأطراف في الضفة المقابلة، وما يهم سؤال التقييم والمراجعة عند النهضة هو ذاك “العشر” ودالته هل تكفي التنازلات السياسية المكلفة، وتحبير وثائق الانسلاخ الموجع من حميمية العقائدي لإنجاز مطلوب المقبولية لدى قبائل العلمانية الموزعة تونسيا بين البورقيبيين واليسار والقوميين؟

فتقييم حواصل عشرية ما بعد الثورة بعنوان التطبيع مع الدولة ومن ثمة المقبولية في مجتمع الحكم يمكن أن يكون سلبيا حدّ الإحباط لولا جملة في هذا الكراس تؤكد على أن زمن الحداثة التواصلية بصدد العبث بكل الأنسقة المغلقة، وتفجير الهويات الصلبة، و أن ظلامية العلمانيات المحلية لن تصمد أمام متحوّل كوني جارف في اتجاه إدارة التعدّد، وتونس الغد القريب ستنتهي إلى الانتظام في هذا الآفق.

بحساب الآني التنظيمي هذه الأسئلة وما يتناسل حولها ومنها من محاور تفكير وآفاق التجدد ليست مهمة … المهم والأهم والحيوي والاستراتيجي عند العقل اليومي الذي يدير النهضة من سيكون الرئيس بعد المؤتمر الحادي عشر؟

لا يهمنا من خارج النهضة هذا الانحراف المنهجي في التعاطي مع مطلوب المراجعات الكبرى ونكتفي بتسجيله على الهامش مع التذكير بأن تحديد القيادة من دون التجدّد في الرؤية والمضامين والاستراتيجية والبنى التنظيمية وآليات التسيير المستتبعة، حالة وعي مقلوب سيتقاسم فيها الجميع كعكة الخسارة وربما بعدل.

ما يمكن أن ينقذ النهضة من هذا النفق هو الإسراع أو التسريع بعقد مؤتمر انتخابي “خفيف” تجدّد فيه قيادة الجسم وربما العنوان أو اسم الحزب، و تترك العنوان المضموني لما يليه بعد سنة أو سنتين علي الأكثر، وهذا قد يعالج المستعجل وهو إنقاذ “الشقف” وفي المدى القريب، وإنقاذ “المشروع” في المدى المتوسط والبعيد وعندها قد تجيب النهضة عن بقية الأسئلة المعلقة على أمل إعادة انتاج المشروع في أفق وطني حاضن للرقم الاسلامي، كعامل بناء وازن لتونس الجديدة التي لم تظهر مؤشرات ممانعة حاسمة أمام انقلاب الردّة الذي لم يغلق قوسه بعد وربما يطول قبل أن يغلق.

النهضة ربما ينقذها الانقلاب من نفسها، وهي أمام فرصة تاريخية لوقف مسار تحللها الداخلي، لو التقطت رسالة الشارع يوم وليلة 25 جويلية، وخرجت من زاوية الرؤية من شباك مجتمع النخبة، فقد أرهقت التجربة بمحرد الحضور بحجم لم تتهيأ تونس السياسة والحكم لتحمله، وفُرض على النهضة صداع التحايل لتقليص حجمها بنفسها، وليس أقسى عليها من أن تحاول طيلة العشرية الماضية الاقناع بصدقها في التنازل عن فكرة التناسب بين الحجم والموقع في حيز الحكم، وقد أوشكت فلسفة التعاطي مع جسر التحوّل الوطني من الاستبداد إلى الديمقراطية أن تعصف بوجود النهضة، لولا “رحمة” الانقلاب الذي أهداها فرصة العودة إلى تمرين المراجعات الكبرى..

فهل تنجح مرة أخرى في التقاط رسالة القدر؟

 

حادث 25 جويلية: هل يجدد النهضة؟ (2/1)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق