راي رئيسي

حتى لا تتكسر السفينة على أيدي ربانها ..
نحتاج عقولا وضمائر ..

السياسة هي ما تتحقق بها مصالح الناس في معاشهم وأمنهم وهي فعل في الواقع وليست مجرد شعارات وصرخات أو استعراض خطابي في غير مواقيته وغير واقعه.

وعموم الناس لا تعنيهم خلافات السياسيين إلا من حيث هي معطلة لمصالحهم ومن حيث هي مصدعة لرؤوسهم وموترة لأعصابهم.

البلاد الآن في وضعية انحباس اجتماعي وثقافي وصحّي بسبب الانحباس السياسي الذي يتبادل الساسة الاتهامات حول المسؤولية فيه.

من يتحمل مسؤولية هذا الانحباس؟ هل هي أحزاب؟ أم شخصيات؟ أم منظمات؟ هل هي الأحزاب الحاكمة؟ أم الأحزاب المعارضة؟ هل هو البرلمان أم الحكومة أم الرئاسة؟ هل هو اتحاد الشغل؟

كل هذه الأطراف معنية بالإجابة عن أسئلة الناس ولا يُجدي أن يتبرأ كل طرف مما نحن فيه ليلقي بالمسؤولية على الآخرين.

ولعلّ أوّل من تتوجّه إليه الأنظار هو رئيس الجمهورية الذي كان محلّ إجماع غالبية المقترعين في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية ويُنتظر منه أن يكون شخصية جامعة تترفع عن الأحزاب والتكتلات وعن المعارك السياسية والإيديولوجية.

غير أن قيس سعيد لا يمارس وظيفته بما هو رئيسٌ للدولة وإنما بما هو صاحب رؤية ومشروع يعمل على تحقيقه ويشتغل عليه ويمهّد له بعقلية “التمكين” على أنقاض منظومة حكم يراها فاشلة ويوجه إليها مختلف المعايب ويصمها بكل قبيح.

من حق قيس سعيد أن يكون له طموح سياسي ومن حقه أن يشتغل على “التمكين” لمشروعه، ولكن ليس على حساب مصالح الناس ولا على حساب الاستقرار السياسي والسلم الأهلي.

لقد أصبح ممجوجا لدى عموم التونسيين تذكيرهم بمفردات قاموس الرئيس، بل وأصبح مزعجا ما يردّده من اتهامات دون ذكر الجهات المتهمة ودون تقديم ملفات للقضاء.

ولعل أخطر ما صدر عن سيادته هو ما خطب به في الذكرى الخامسة والستين لتونسة الأمن حيث قدّم محاضرة في تأويل فصول الدستور الخاصة بالقوّات المسلّحة ليوسعها فتشمل الأمنيين مع العسكريين وليقول بأنه بداية من تلك اللحظة فإنه هو القائد الأعلى للجيش وللقوات الأمنية من شرطة وحرس وديوانة وغيرها.

كان يمكن طرح تلك المسائل للنقاش مع شركائه في الحكم ومع مختصين في القانون الدستوري وفي أجواء من الوضوح والهدوء وتحت عنوان خدمة الصالح العام وحماية السيادة الوطنية والسلم الأهلي.

ما الذي يجعل رئيسنا يخاطب الحضور كما التونسيين المتابعين له عبر الشاشات بمثل تلك النبرة “العسكرية” كما لو أنه يخطب على حدود جبهة قتال قُبالة عدو يتوعّده ويحاول إخافته ودفعه إلى الاستسلام دون معركة؟.

بل وإنه حين استقبل وزير خارجية مصر الذي جاء يطلب دعما دبلوماسيا في معركة سد النهضة مع أثيوبيا، فإنه ترك موضوع الزيارة وخطب على الضيف حول حرب العاشر من رمضان وبطولات الجيش المصري وحدثه عن خطة العبور وعن مواقيت تحرّك الجيش المصري وكذا القوّات السورية في توافق مع موقع الشمس بما يجنب من حجب شعاعها  للرؤية، ثم تعلو فجأة نبرته ليتوعّد من يتحدّاه بأنه سيواجهه بالتحدّي وأنه لا يقبل إلا بالنصر تماما كما انتصر الجيش المصري في معركة العاشر من رمضان.

من يهدد قيس سعيد؟ هل نحن على حدود الأراضي المحتلة؟ هل يعتزم إرسال مقاتلين لدعم المقاومة الفلسطينية؟ تفعيلا لشعار: “التطبيع خيانة”؟.

طبعا لا هذا ولا ذاك، إنه يخاطب شركاءه في الوطن بل وشركاءه في إدارة شؤون الدولة، يخاطبهم كما لو أنه يخاطب غزاة أو متربصين بغزو.

ردود الفعل كانت واسعة من أحزاب سياسية وشخصيات وطنية وإعلاميين ومثقفين يرفضون ما يعتبرونه مقدمات عودة الاستبداد وسلطة الفرد، ردود الفعل تلك تؤكد أن مشكلة الرئيس ليست مع حزب أو حركة بل مع المزاج العام للتونسيين الذين يرفضون خطاب التهديد ولا يسمحون بعودة نظام تسلطي يدعي احتكار الحقيقة والطهورية والوطنية ويتوعد مخالفيه بالويل والثبور.

وبالمقابل فإن خطاب الوعيد ذاك يجد من يباركه وينفخ فيه لا بدافع الحرب على الفساد والفاسدين وإنما نكاية في طرف سياسي عجزوا عن منافسته ديمقراطيا فتمنوا لو أن مستبدا جديدا يظهر فيُظهرهم على خصمهم ذاك وإن لزم الأمر يتعامل مع قياداته ومناضليه تماما كما تعامل سيسي مصر ولا بأس من رابعة تونسية.

هل هذا استنتاج “الخائفين” كما يزعم أنصار سعيد؟ لا، بل هو استنتاج من يربط المقدمات بالمآلات، ومن يتوقع من شخص يحاول استجماع السلاح كل سوء خاصة وهو لا يكف عن استعمال قاموس قتالي مفرداته صواريخ ومنصات وسيوف وشهادة ونصر وهزيمة.

هل يدرك الرئيس ومناصروه أن تونس اليوم ليست هي قبل اليوم؟ وأن الواقع الإقليمي والدولي قد تغير؟ هل يدركون بأن الحرية التي دفع التونسيون لأجلها من دمائهم وأرزاقهم لا يمكن أن يفرطوا فيها مهما كان ثمن الدفاع عنها ومهما كانت أوهام من يتوهم أنه قادر على انتزاعها.

ليس ثمة من خيار أمام كل التونسيين سوى التعايش والتضامن وتجاوز حالة “الاحتباس” والكف عن خطاب الكراهية والتحريض والتشويه والتوقف عن وهم القوة وزيف الطهورية، فليس في عالم السياسة أنبياء ولا شياطين وإنما خطأ وصواب، فساد وصلاح، وثمة قضاء وآلياتٌ للمحاسبة.

ومن يشتغل على خطة “دعه ينهار ثم استلمه” فإنما يمارس نكاية ترقى إلى مستوى الجريمة بحق الوطن حين نتركه يتداعى بين أيدي صندوق النقد الدولي يستجيب مكرها لشروطه المذلة والمستنزفة لقدراتنا المتهالكة بسبب الجائحة وبسبب الفوضى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق