راي رئيسي

حذاري !
مخطط لضرب رافعة الانتقال الديمقراطي وصمام أمان التجربة التونسية

كثيرة هي المؤشرات التي تشير إلى جهات بعينها تحرّكت في توقيت مدروس جيدا، وفي سياق حملة ممنهجة لترذيل العمل البرلماني والحط من أهمية دور البرلمان في ظرف وطني دقيق يتميّز بتحدّي أزمة كورونا وما يرافقها من تداعيات خطيرة منتظرة اقتصاديا واجتماعيا..

بعد عربدة رئيسة حزب الدستوري الحرّ في المجلس ومحاولتها تعطيل أشغاله وتشويه صورته، وإعطاء صورة الهمج على من فيه، تأتي عريضة مشبوهة المصدر إدّعت في البداية أنها تمثل قطاع المحامين وأنها تحت رعاية عمادة المحامين حتى جاء تكذيب العميد وتبرئه التام من هذه المبادرة ومطالبته بفتح تحقيق في من يقف وراءها، وبعدها بفترة وجيزة وفي هذا التوقيت بالذات تأتي المبادرة المشبوهة للنائب مبروك كورشيد الذي تحايل فيها وغالط مجموعة من زملائه بشهادة الكثيرين منهم لجمع إمضاءاتهم وما أثارته هذه المبادرة التشريعية من جدل واسع وسخط كبير من طرف أغلبية التونسيين، لنسقط بعدها مباشرة في معركة التوظيف السياسي الممجوج وتصفية الحسابات مع البرلمان وشن حرب كلامية شرسة ضد نوابه..

وفي التوقيت ذاته جاءت كلمة رئيس الجمهورية خلال ترؤسه لاجتماع لمجلس الأمن القومي لتدارس أزمة جائحة كورونا وتداعياتها وسبل التعاطي معها، فلم يفوت الرجل الفرصة لكيل التهم للسلطة التشريعية واتهامها بتعطيل العمل التشريعي.. اتهام استنكره غالبية النواب واعتبروه مجانبا للصواب وتجنّي مجاني من طرف رئيس الجمهورية على مجلس الشعب في توقيت لا يمكن أن يكون بريئا.. وجاء ردّ النائب صحبي سمارة الذي ردّ على رئيس الدولة اتهامه وخاطبه عبر رسالة مفتوحة وجهها له طالبه فيها بممارسة صلاحياته التشريعية والمبادرة بإرسال مشاريع قوانينه التي ستخدم الشعب إلى المجلس، وهم على أتمّ الاستعداد لتعاطي إيجابيا معها قبل أن يحاسبهم على عمل هو لم يقم به وقصّر فيه..

والبارحة أيضا نتفاجأ برئيس الجمهورية رمز الوحدة الوطنية وحامي هيبة الدولة يشيد في صفحته بمكالمة هاتفية جمعته “بصاحب السمو” الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بدولة الإمارات العربية المتحدة، استعرضا فيها العلاقات الأخوية المتميزة بين البلدين، الرئيس يشيد باستعراض العلاقات الأخوية بين البلدين في الوقت الذي يستبيح فيه إعلام صاحب السمو والمعالي ثورتنا، وهيبة سلطتنا التشريعية من خلال استهداف الحزب الأول في البرلمان ورئيس البرلمان ونعته بأبشع النعوت والتحريض ضده صباحا مساء وبتعليمات من معاليه شخصيا، وكأن  هيبة رئيس السلطة التشريعية أصل السلط في بلد يحكمه نظام شبه برلماني ليست من هيبة الدولة، بل هي هيبة الدولة ذاتها.. وكأن السيد رئيس الدولة لا يعنيه استباحة عرض رأس من رؤوس الدولة الثلاثة وأحد رموزها، ورمز مؤسسة سيادية في بلده.. إنّ هذا الموقف الغريب من رئيس الدولة لا يمكن أن نفهمه إلا في نفس سياق الانخراط في سيناريوهات ضرب السلطة التشريعية واستباحة رمزها، وإلا فنحن بحاجة إلى تفسير واضح وشاف من طرف السيد رئيس الجمهورية وتبرير مقنع لموقفه المبهم هذا.. .. وعموما فالرسائل القادمة من قصر قرطاج لا تبشّر بخير خاصة تلك التي يرسلها المقربون من الرئيس والمحيطون به وهم يعملون على مشاريع تكون بدائل لنظام الحكم والمستهدف بها الأول هو برلمان الشعب.

إذا كل هذه المؤشرات التي ذكرناها لا يمكن في الحقيقة إلا أن تخفي في طياتها مشروعا أخطر بكثير من ترذيل العمل النيابي وضرب مؤسسة البرلمان، مشروع هدفه غير المعلن إصابة السلطة التشريعية في مقتل.. فلم يُستهدف برلمان الثورة؟ ولم الآن بالذات؟ وما هي حقيقة الأطراف التي تقف خلف هذا المخطط؟ وعند أي حدّ ينتهي مخططها؟ وهل يدرك الذين انخرطوا في هذا المخطط عن غير وعي منهم خطورته واستتباعاته على أمننا واستقرارنا وانتقالنا الديمقراطي؟

لم يعد خفيا ولم يعد تكهنا أن جوهر هذا المشهد الذي نراه اليوم يختزل سعي أطراف بعينها إلى ضرب السلطة التشريعية تمهيدا لعملية أكبر. هذا المخطط يتجاوز بكثير الطرف المشاغب والمهرج داخل البرلمان، الذي لا يمثل فيه إلا أداة رخيصة في يد منظومة داخلية فاسدة ومنظومة عربية ودولية تعمل على إجهاض التجربة وضرب مصداقيتها. فالثورة أطاحت بنظام “بن علي” أو بتعبير أدقّ أطاحت برأس نظام الاستبداد لكنها لم تقتلع شبكاته الإعلامية والمالية والسياسية.. ومع ذلك نجح في تجديد نفسه وفي إنقاذ المسار من كل المحاولات والمشاريع الانقلابية.

إن البرلمان وسلطته يمثل قلب نظام الحكم في تونس اليوم، ويشكّل أهم المكاسب الثورية لارتباط أعضائه بالانتخاب المباشر من الشعب على قوائم حزبية أو مستقلة. ويكون رئيس الجمهورية بذلك محدود الصلاحيات حتى لا تتغوّل مؤسسة الرئاسة ونعود إلى الحكم الرئاسي وطغيان النظام الفردي في ممارسة السلطة السياسية، أما رئيس الحكومة فيكون رأس السلطة التنفيذية والمباشر الأساسي لسياسة الدولة بتزكية من البرلمان أولا ومن رئاسة الجمهورية ثانيا.

لقد مثل دستور 2014 أرضية خصبة لإعادة التأسيس من جديد وترتيب السلط من خلال تبنّيه لمقاربة تقوم أساسا على تجاوز أخطاء الماضي، المتمثلة بالخصوص في استحواذ السلطة التنفيذية على صلاحيات البرلمان، ممّا ولّد عديد الصعوبات والتجاوزات التي تراكمت لتفرز عدة هزّات اجتماعية وأزمات اقتصادية. وبما أن الدستور الجديد هو ثمرة الحراك الثوري فقد انبنت مقاربة إعادة ترتيب السلط على معيار تبويب السلطة التشريعية في أعلى هرم السلطة، من خلال تبّنّي نظام برلماني معدّل لما تحمله هذه السلطة من مضامين تتصل بمفهوم إرادة الشعب وحقه في تقرير مصيره ليكون توسيع صلاحيات البرلمان ضمانة لنجاح المسار الديمقراطي وديمومته.

وتعتبر السلطة التشريعية أحد الأعمدة الرئيسية لأى نظام ديمقراطي فهي أساس عملية التمثيل السياسي وأحد أهم أدوات مراقبة المحكومين لحكامهم ومن ثم فإن تشكيلها وطريقة عملها غالبا ما يكون لهما نتائج شديدة الأهمية على حركة واستقرار النظام السياسي عموما..

حذاري فالأحمق فقط هو من يعتقد أنّ أذرع الدولة العميقة من رجال النظام القديم ومن بيادقهم الإعلامية ومن رجال أعمال فاسدين ومن دوائر عربية وإقليمية تستهدف حركة النهضة أو تستهدف زعيمها ورئيس البرلمان راشد الغنوشي فقط وأن مشكلتهم تنتهي مع إزاحة راشد الغنوشي من المشهد.. هذا المخطط أكبر وأخطر من ذلك بكثير، هذا المخطط يستهدف منجز الثورة التونسية برمّته ويعمل على إجهاض مساره من خلال تقويض عمل البرلمان وترذيله وإضعافه وارباكه، وضرب مصداقية المؤسسة الدستورية التي تمثل قلب نظام الحكم وجوهره في أعين التونسيين، تمهيدا للانقلاب عليها أو عزلها. هذا المخطط هو الذي يفسّر سبب التصعيد الأخير تحت قبة المجلس وتظافر جهود المنصات الإعلامية التابعة للدولة العميقة من أجل تشويه المجلس والهجوم على أعضائه..

فلا يمكن الانقلاب على تجربة الانتقال الديمقراطي من الداخل دون إضعاف البرلمان أو الحدّ من سلطاته، ولا يمكن ذلك دون تشويهه ونزع الشرعية عنه في عيون التونسيين.

وعلى الذين انخرطوا من دون وعي منهم في هذا المخطط، وعلى الذين التزموا الصمت السلبي أمام ما يحاك للتجربة التونسية اليوم من خلال ضرب السلطة الأصلية، صمام أمان المناخ الديمقراطي في بلدنا، على هؤلاء جميعا أن يدركوا أنّنا سنكون أمام مشهد أخطر وأعقد مما يعتقدون إذا تواصل العبث بمكتسبات الثورة وصمام أمانها لأنه سيخلق بدائل قد تكون أشد خطورة وتطرفا من الأنظمة الاستبدادية السابقة..

وعليهم أن يعقلوا أيضا أنّه رغم كل المآخذ ورغم كل النقد الذي يمكن أن يوجه إلى المُنجز البرلماني، فإنه يبقى أعظم مكاسب الثورة ورافعة الانتقال الديمقراطي في تجربة ديمقراطية هي الأولى من نوعها في المنطقة العربية كلها.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق