الافتتاحية

حرب على الفساد أم أداة من أدوات الانقلاب؟
هل كشفت إقالة رئيس هيئة مكافحة الفساد “الملعوب”؟

على غرار إقالة وزير الداخلية السابق توفيق شرف الدين، تسارعت الأحداث منذ أول أمس بعد أن أعلن رئيس الحكومة السيد هشام المشيشي عن إقالة رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد عماد بوخريص..

رئيس الجمهورية ومثلما فعل إثر إقالة شرف الدين، استدعى بوخريص على عجل، وأزبد وأرعد، مثلما تعوّد أن يفعل كلما خسر موقعا من المواقع في معركته من أجل توسيع صلاحياته وتنفيذ مخططه بالانقلاب على الدستور وعلى المسار ..

مجلس القضاء العدلي أصدر على – عجل هو أيضا – بلاغا قرّر فيه إنهاء إلحاق القضاة لشغل مناصب في رئاسة الجمهورية والوزارات والهيئات، واعتبر المجلس قراره “محاولة للنأي بالقضاء عن الصراعات السياسية”.. الأمر الذي أثار الكثير من التساؤلات عن التوقيت والصفة الاستعجالية للبلاغ بما “يعزز الشكوك حول واقع الزج بالقضاء كباقي المؤسسات في معركة النفوذ والاصطفافات التي أنهكت الدولة” كما قال الأمين العام للحزب الجمهوري الأستاذ عصام الشابي.

وأخيرا خرج بوخريص نفسه، ليكشف كما قال الأسباب الحقيقية لإعفائه من منصبه، ولكنه لم يجد من تلك الملفات غير موضوع التلاقيح منتهية الصلاحية، وهذا الأمر يدينه هو بدرجة أولى، لأن صمته في الفترة السابقة عن ملف خطير مثل هذا وعدم مصارحة الشعب التونسي بحقيقته إلا بعد الإقالة، جريمة وخيانة للبلاد والعباد. علاوة على ذلك فإن مديرة الصحة الأساسية وعضو لجنة التلاقيح، أحلام قزارة، نفت ما ورد على لسان رئيس الهيئة المقال، حول وجود 20 ألف جرعة من لقاح “استرازينيكا” منتهية الصلوحية. وأكدت قزارة، في تصريح إذاعي أمس الأربعاء، أنه لم يبق من كميات هذا الصنف من التلقيح إلا 190 جرعة غير مستعملة أي 19 علبة، موضحةً أن بقاء نسبة قليلة جدا من التلقيح حصل في اليوم الأخير أي يوم 31 ماي الماضي، باعتبار أن المواطنين علموا أن الوزارة ستشرع في اليوم الموالي في استعمال لقاح “فايزر”..

 

 1

إعلاميا، تركزت أغلب الحوارات والنقاشات، في البحث عن الأسباب والمسببات التي تقف وراء إقالة بوخريص، وعدم تقديم رئيس الحكومة مبررات الإقالة، ومن ثمة الاغراق في التكهنات عن الأطراف المستفيدة من هذا القرار، والحديث المرسل المحبب إلى بعض القلوب المريضة عن ملفات الفساد – الوهمية – التي تُرعب وتخيف أجزاء من الحزام الحكومي، الخ الخ الخ من هذه المعزوفة المعروفة والممجوجة..

كل ذلك بهدف خلق سردية هدفها الايهام بأن إقالة بوخريص تقف خلفها طامة كبرى من ملفات الفساد التي تورط رؤوسا كبيرة في الساحة السياسية ومن الحزام الحكومي تحديدا..

وهذا يتطلّب منا إبداء بعض الملاحظات:

– كل الكلام الذي قيل عن ملفات فساد خطيرة، وووو، نسفه بوخريص نفسه لما خرج يوم أمس للإعلام ظنا منه أنه سيكون قادرا على قلب الطاولة على رئيس الحكومة، فتكلم لكي لا يقول شيئا، ولم يخرج من جعبته عن ملفات الفساد التي قال أنه يملكها، إلا بعض الترّهات، وحتى مسألة التلاقيح الفاسدة نسفتها تصريحات عضو لجنة التلاقيح أحلام قزارة ووزير الصحة نفسه، الذي اعتبر أن تصريحات بوخريص لا أساس لا لها من الصحة وحذّر من خطورة الزجّ بالحملة الوطنية للتلقيح في  الصراعات السياسية..

  • لا أحد من الذين استنكروا أو نددوا بإقالة بوخريص، تساءل لمّا عزل الرئيس السابق لهيئة مكافحة الفساد شوقي الطبيب، لماذا لم يستقبله رئيس الجمهورية ولِم لمْ يسأله عن سبب إقالته، ولم يتضامن معه كما فعل هذه المرة. كما لم يتساءل أحد منهم لماذا لم يحرّك مجلس القضاء العدلي، ولا حاشية الرئيس البرلمانية ولا جوقة الإعلام، ساكنا، ولم يسأل أحد حينها عن مدى مشروعية الاقالة كما يفعلون اليوم..
  • حملة الاستنكار التي قادتها رئاسة الجمهورية والحاشية البرلمانية للرئيس وصولا إلى بعض الوجوه النقابية المتخندقة مع الانقلاب، لم تجبنا على أسئلة مهمة منها : هل أن إقالة بوخريص من صميم صلاحيات رئيس الحكومة التي يخوّلها له القانون في مثل هذه الحالات، مثلما وقع مع الطبيب، أم لا؟ وهل أن رئيس الحكومة مجبر قانونيا على تبرير الإقالة أم لا؟ وهل أن منصب رئيس هيئة مكافحة الفساد منصب دائم لا يسمح المساس به، أم أن لرئيس الحكومة وفق صلاحياته الدستورية والقانونية أن يغيره وفق تقديره للمصلحة العامة؟
  • “الفزعة” التي قامت بها حاشية الرئيس، واستقبال سعيّد نفسه لرئيس الهيئة المقال عشية إقالته، وتوتره خلال حديثه، يذكرنا بما وقع بعد إقالة وزير الداخلية السابق توفيق شرف الدين، ويؤكد لنا أن المعركة لا علاقة لها بمحاربة الفساد بل هي في صميم معركة التموقع التي خاضتها وتخوضها رئاسة الجمهورية منذ سقوط حكومة الحبيب الجملي،  وهي في قلب معركة افتكاك وتوسيع الصلاحيات تمهيدا للانقلاب على المسار ككل..

 

2

وما يؤكد أن المعركة ليست معركة محاربة فساد:

أولا، الندوة الصحفية التي قام بها بوخريص نفسه كما قلنا، والتي لم تقدم من ملفات الفساد التي تحدث عنها وهدد بها شيئا، وحتى حديثه الملفق عن التلاقيح الفاسدة، نسفه المشرفون على وزارة الصحة والجهات المعنية بالتلاقيح في بلادنا..

ثانيا، إقالة بوخريص، لا تمنعه من التوجه إلى القضاء عبر آليات أخرى عديدة موجودة ويمكنه تفعيلها إن كان يملك فعلا ملفات فساد حقيقية، إضافة إلى التساؤل المشروع الذي يطرح نفسه في هذه الحال، وهو إذا كان رئيس الهيئة المقال يملك ملفات فساد فلماذا لم يتوجه بها إلى القضاء حتى الآن؟ ماذا كان ينتظر؟

والحقيقة أن رئيس الهيئة لا يملك الملفات التي يدعي، وهو ما يؤكد أن المعركة ليست إلا معركة من أجل التموقع في مفاصل الحكم، من قبل الحاشية البرلمانية للرئاسة، التي أعلنت صراحة وفي أكثر من مناسبة، أنها ستعمل على وضع خصومها السياسيين في السجون ثم سيقع إعداد ملفات قضائية تدينهم..

ويبدو أن هذه هي الخطة التي وقع الاشتغال عليها، ويبدو أيضا أن منصب رئيس هيئة مكافحة الفساد كان محوريا في هذه الخطة..  نذكّر فقط أن خطة “العصابة” لإسقاط المنظومة، وبعد فشل محاولات استدراج الجيش والأمن، وفشل محاولات تحريك الشارع، لم يبق لها إلا أداة وحيدة، وهي اللّعب على التناقضات التي تشق القضاء التونسي ومحاولة فبكرة ملفات تسمح بإدانة الخصوم السياسيين ووضعهم في السجون تمهيدا للانقلاب على المسار..  وهذه الورقة كان لا بد لها من جهاز يسمح وبشكل قانوني بالاطلاع على أسرار الدولة ومن خلال ذلك التقاط شبهات وفبركة ملفات قضائية حتى وإن كانت مهزلة..

وهذا ما شهدناه في أكثر من مناسبة ليس آخرها قضية نبيل القروي الذي نجده اليوم في السجن دون أي سند قانوني وهو في حكم المختطف كما يقول محاموه، ما يؤكد أن قرار سجنه كان سياسيا وبأوامر سياسية، ومن فعل ذلك مع نبيل القروي يريد تكراره مع بقية الخصوم السياسيين..

طبعا نحن نقول هذا الكلام بغض النظر عن الأصل في قضية القروي والتي مناطها القضاء وهو الوحيد الذي يفصل فيها بالإدانة أو البراءة. والذين يتحدثون عن الفساد اليوم، نسألهم هل هناك فساد أكبر من أن يقع خرق كل الاجراءات والقوانين التي تضبط الايقاف التحفظي، وتمريغ سمعة العدالة في التراب، في شبهة فساد حقيقي خدمة لبعض الأجندات السياسية..؟

هل هناك فساد أعظم من أن يكون رئيس هيئة مكافحة الفساد محسوبا على طرف دون آخر، أي غير مستقل عن التجاذبات وصراعات التموقع، وهو ما يمكن ان يضع الهيئة كلها بما تحمله من معلومات حساسة وخطيرة، في خدمة بعض الأجندات السياسية..؟

أعتقد أن الذين استنفروا للاحتجاج على إقالة رئيس الهيئة، كشفوا دون وعي منهم عدم حياديته، وكشفوا من وراء ذلك ألاعيبهم، وفضحوا مخططاتهم، وأكدوا حقيقة مهمة، وهي أن بوخريص كان يجب أن يقال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق