أهم الأحداثاخر الأخباررأي رئيسيراي رئيسيوطني

حرق وتخريب.. تخابر وتآمر.. جرائم أمن دولة بامتياز.. متى تحفظ الدولة أمنا القومي؟

بعد دعوات التمرد على كل مؤسسات الدولة التي جاءت ديمقراطيا، والدعوات إلى سفك الدماء، وإلى القتل ونصب المشانق، بعد عودة الخطاب الذي يتّقد حنقا وغيضا والمحكوم بروح عنترية مغرورة ومعبرة على جوع لفتن لا يشبعها سوى التمعش بالتهييج، بعد عودة الخطاب الي لا رؤية لها ولا برنامج سوى التصفيق فرحا لكلّ دم قد يسيل، ولكلّ روح قد تزهق، ولكل مصاب قد يحل على الوطن، تستثمر في المصائب، وتبحث سبل التخلص من خصم سياسي يرفضونه حدّ النفي ويمقتونه حدّ الاجتثاث، مهما كانت هذه السبل مدمرة ولو أتت على الأخضر واليابس أو أحرقت الأرض بمن عليها. بعد عودة خطاب الكراهية والتحريض على العنف والتهييج بقوة في الفترة الأخيرة يبدو أننا ننتقل إلى الخطة )ب( خطة الأرض المحروقة لنصحو وننام على حرائق من هنا وهناك، حريق الحفصية ثم النفيضة ثم والأخطر من كل ذلك على الاطلاق حريق قطار الفسفاط الذي هو ملك الدولة وتحت حمايتها وقد قدّر الخبراء خسائره بخمسة مليون دينار..

ومع نزف التسريبات الذي أرقنا منذ فترة عن مكالمات هاتفية وفيديوهات ووثائق سرية داخلية وخارجية، وتحالفات واصطفافات، وحروب خفية، ومحاولات للإطاحة بالنظام القائم وأخرى لدعمه في الخفاء، وتدخل في الصراعات الحاصلة بين أطراف سياسية في البلاد إما بغاية الدعم أو التصفية، وكلها عمليات تنخرط فيها أطراف إقليمية بكل قوتها.. تسريبات متلاحقة لا تمهلنا حتى لنتلقف أنفاسنا من واحد فيدمغنا تسريب آخر.. تتجدد اليوم سياسة الأرض المحروقة سياسة حرق السفينة بمن عليها، واسقاط السقف على رؤوس الجميع وخلط أوراق الجميع.. لنعيش من جديد مشهد ملبّد وملتبس ومربك، يزداد غموضه يوما بعد يوم حتى بات المتابع لا يفهم إن كانت هذه الأجهزة التي تسيّرنا هي فعلا من يسير الدولة أم هناك أجهزة خفية، لا يفهم إن كانت هذه الدولة التي نعيش تحت سقفها هي فعلا من يدير البلاد أم هناك دولة أخرى لا نراها، لا يفهم هل نحن دولة ذات سيادة أم نحن دولة أمنها القومي مخترق ومستباح..

احتجاجات بالعديد من الجهات تتحول إلى مواجهات ليلية بين عصابات تخريبية وبين قوات الأمن ، تخللتها أعمال تخريب طالت مؤسسات الدولة وأجهزتها واستهدفت الممتلكات العامة والخاصة وبعد الحديث عن امتلاك أجهزة الدولة لمعطيات دقيقة لم نرى أي متابعة للموضع أو إدانات قضائية للأطراف التي تقف وراء التخريب.

أصيبت تلميذين في حريق نشب بمبيت الفتيات بإعدادية 25 جويلية بمعتمدية تالة من ولاية القصرين، وذلك في أجواء اجتماعية متوترة لم يستبعد فيها فرضية الإحراق العمد التي تواصلت حتى شهر مارس بحرق مبيت الذكور بإعدادية بمعتمدية السبيخة من ولاية القيروان دون تسجيل أضرار بشرية ثم تلاه حريق آخر بمبيت الفتيات بمعهد في معتمدية السبّالة من ولاية سيدي بوزيد، وهو الثالث من نوعه بالولاية منذ بداية عمليات الحرق.. وزارة الداخلية تعلن عن ضلوع 4 فتيات قاطنات بالمبيت في حادثة الحرق وتقبض على 4 تلاميذ اعترفوا بإضرامهم النار..

وبعدها لم نسمع عن هذه العمليات البشعة ذكرا.. لا عن مصير هذه القضايا الاجرامية ولا عن المتورطين فيها ولا عن من يقف وراءهم تحريضا وتمويلا وتلقينا، كما غيبت حقائق حرق الغابات في 2017 وغيّب ما انتهت إليه التحقيقات وإلى من وجهت الاتهامات..

توفي 87 شخصا وأنقذ 68 آخرين في حادثة غرق مركب للهجرة السرية في سواحل جزيرة قرقنة من ولاية صفاقس، به لا يقل عن 180 مهاجرا من بينهم 80 مهاجرا من أصول افريقية، في عملية مريبة ومغامضة وتحوم حولها الكثير من الشكوك، خاصة بعد ما سرب من صور وفيديوهات وما جاء من شهادات على لسان بعض الناجين وعائلات الهالكين، والأبحاث لم تدن أحدا إلى يوم الناس هذا والقضية يبدو انها طويت كسابقيها؟
وعلى اثر هذه الحادثة المأساوية يقرّر رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد إقالة وزير الداخلية لطفي براهم من مهامه بسبب ما أسماه تقصيرا أمنيا منه في حادثة قرقنة.. ثم كتب الصحفي الفرنسي نيكولا بو مدير موقع موند أفريك في مقال نشر على الموقع المذكور أنّ أسباب الإقالة تعود إلى لقاء مشبوه جمع لطفي براهم برئيس المخابرات الإماراتي في جزيرة جربة للإعداد لمخطط انقلابي شبيه بانقلاب 1987 على الحبيب بورقيبة.. وإلى اليوم هذا ظلت رواية المحاولة الانقلابية التي كان سيشرف عليها لطفي براهم قائمة، دون أن تتدخل السلطة القضائية أو الأمنية للتحقيق في هذا الموضوع الخطير إما لدحضه أو لتأكيده..

وتوفي المصور الصحفي عبد الرزاق الزرقي بعد إشعال النار في جسده بساحة الشهداء بالقصرين. وذُكرت العديد من الأسماء والأطراف التي رُجّح تورطها في عملية الحرق العمد من خلال ما ورد من تصريحات وشهادات ومقاطع فيديو وصور بغاية إشعال النار وتأجيج الأوضاع في الجهة.. وبعد يومين من هذه الحادثة تمسك أجهزة الأمن بسيارة بداخلها أشخاص يقومون بتوزيع أموال وبطاقات هاتف جوال على بعض المراهقين ليقوموا بتهشيم أحد مراكز الأمن في معتمدية فوسانة من ولاية القصرين.. رغم كل ذلك سارت الأبحاث بشكل بطيء جدا وفيه الكثير من التكتم والغموض ومضت هذه القضية هي الأخرى في نفس مسار ما سبقها من قضايا حرق وتخريب وتآمر.. هذا فضلا عن حرق الثروات الغابية والمحاصيل الزراعية، والفاعل دائما مجهول..

واليوم تحرق قاطرة لنقل الفوسفاط من أملاك الدولة قيمتها خمسة مليارات، ويتضح من المعاينة الأولية أن عملية الحرق كانت مدبرة وبفعل فاعل، ولكن الأبحاث تسير محتشمة وكأن الدولة تستحي من أن تمضي قدما في القضية علها تجد ما يحرجها..

فإلى متى يتواصل هذا العبث بأمننا القومي؟ أمننا القومي بما هو ضمان لوجود الدولة وسلامة أركانها وديمومة استمرارها وشروط استقرارها وحمايتها من الأخطار وحماية المواطنين من أي خطر سواء كان داخليا أو خارجيا؟ إلى متى تتواصل سياسات التعتيم والتستر على المجرمين والفوضويين والفاسدين والمجرمين؟ إلى متى يتواصل الغموض واللبس في كل القضايا التي تتعلق بلوبيات الفساد والعابثين بأمن البلد وبمصيره؟ إلى متى تصرّ الدولة وأجهزتها على أن تجعل المجرمين مجرد أشباح وعمليات الترهيب والتخريب مجرد “خرافات” الف ليلة وليلة لا نعرف لا متى تبدأ ولا متى تنتهي؟ إلى متى تصمت إما صمت المغلوب على أمره أو صمت المتواطئ أمام انتهاك حرمة بلدنا وسيادته من طرف قوى إقليمية تشق وحدتنا وتبث الفتن وتمول بسخاء كل عمليات التخريب للمسار السياسي الديمقراطي وللتجربة التونسية الرائدة؟

متى تفهم الدولة أنّه لم يعد أمامها مفر اليوم من كشف اللوبيات الفاسدة وعصاباتها وأذرعها في الداخل والخارج ومعرفة الجهات التي تقف وراء هذه الجرائم وما يقع في البلاد، وإلا فإن الخراب سيطال الجميع؟
متى تفهم أنها لن تسطيع أن تتكتم طويلا عن الذي أشعل النار في ظهر صديقه، وعن الذي أشعل النار في غابة أو في حقل القمح أو في المدرسة ليشعل بلدا بأكمله؟
متى تفهم أنه قد آن الأوان لتضع حدا للاستهتار بالأرواح التي ازهقت وتوقف المجرمين وتطبّق أقصى العقوبة عليهم وتنهي هذا العبث السياسي المتحالف مع الفساد والبلطجة.
متى تتعامل بجدية مع كل معلومات مهما كان مصدرها خاصة التي تمس بأمن البلاد، وتفتح تحقيقات جدية بخصوصها، وترفع حالة اللبس التي تلف المواطن التونسي بسبب ما يتبادر إلى مسامعه يوميا من معطيات خطيرة تمسّ من استقرار بلده وأمنه وسيادة دولته؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق