راي رئيسي

حركة النهضة: الجيل الثالث بين هاجس تجديد التجربة وممكن فسخها (ج4)

انتهينا في الجزء الثالث ونحن نتابع مسار تشكل وعي ما سميناه بالجيل الثالث من النهضويين (نسبة لحركة النهضة) إلى أنّه “جيل السوق” بامتياز أي أنّه نشأ في قلب مسار خروج الدولة من السوق كأثر مباشر لسياسات الإصلاح الهيكلي التي باشرتها دولة بورقيبة بنشاط بعد انتفاضة الخبز في 3 جانفي 1984، بتوجيه ورعاية من صندوق النقد الدولي، فهذا الجيل ولد على سرديات نهاية “الدولة الحامية”، وبدايات التفكير في أفق نهاية فكرة الدولة/الأمة ذاتها بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، والانتصار العالمي المرح يومها لموت فكرة الوظيفة التدخلية للدولة، والانحياز لدور رقابي وتعديلي بسيط وسطحي عبّر عن نفسه بولادة “الديمقراطية الاجتماعية” التي تبيّن بعد عقدين من هيمنتها أنّها الوجه الأصفر لليبرالية متوحشة ومفترسة، قوامها المبادرة الفردية، والشفافية والتنافس المفتوح على أفق البقاء للأقوى. ورفض أي تدخّل للإرادة العامة (ممثلة في الدولة) في تعديل أو بتعبير أدق في “أنسنة” حيّز التنافس والصراع من أجل التحكّم في عمليّة الانتاج تخطيطا وإنجازا وتوزيعا.

المهم هنا وفي العلاقة بموضوعنا أن هذا الجيل ولد متخففا من “سؤال الدولة”، و هو “أم الأسئلة” الذي شكّل مدار اهتمام الجيل الأول والثاني، فكل استراتيجيات التغيير عند التيّارات اليسارية والقومية و الإسلامية كانت نهايتها وافقها السياسي “الإطاحة بالدولة/الصنم” على اعتبارها “معطى امبريالي” وأداة لقيطة لتأبيد حالة التخلف والتبعية والعمالة على ما أكدت أدبيّات حركات التغيير في الفضاء العربي منذ أربعينات القرن العشرين إلى نهايته.

برز هذا الجيل في لحظة تاريخية كونية مبشرة بنهاية الدولة/الأمة على محارق زمن ما البعديات (مابعد الحداثة، ما فوق الليبرالية، ما بعد الدولة/الامة، ما بعد الإنسان التواصلي الخ..)، وانبجس مخياله النضالي ووعيه السياسي على زمن المراجعات الكبرى لمشاريع التغيير في المنطقة ورهاناتها الاستراتيجية وفي مقدّمتها الطموح الشرس لتقويض معطى الدولة الوطنية.

ويمكن حصر الاختلاف في استكناه سؤال الدولة بين هذا الجيل والذي سبقه في نقطتين أساسيتين:

– النقطة الأولى تتصل بالوعي وتعقل معطى “دولة الاستقلال” ، حيث حضرت في وعي الإسلاميّين، كلقيط تاريخي وحيلة سياسية انتجتها غرف التآمر الاستعماري، لتجزئة المنطقة وتقسيمها، ومنعها من استجماع مقوّمات قوتها الرمزية والمادية، لتأبيد انحطاط وتخلّف وتبعية العالم العربي الإسلامي.

وقد عززت هذه الفكرة فشل نخب الاستقلال في المجال العربي في إنجاز الأدنى من عناوين التحرّر، وارتهانها لإرادة القوى المهيمنة في الشرق والغرب وكانت هزائم الجيوش العربية في فلسطين أبرز مفاعيل الحسم الثوري والفوري في الرهان على “الدولة القطرية” في إنجاز الأدنى من مطامح الشعوب في التحرّر والنهوض والتقدم.

وإذا أضفنا لكراس الفشل، مروية القمع الشامل ، و تحول دولة الاستقلال إلى وحش مفترس لكل نفس تحرّري أو نقدي، وآلة رقابة وعنف رسمي متوحّش، وفشل بعض حركات التغيير التي تمكّنت من الانقلاب على دولة الاستقلال (البعثيون والناصريون والاسلاميون في السودان)، في إنجاز الأدنى أو الأقصى من سرديّاتها التبشيرية بالتحرّر، وفوضى المواجهة الدموية في “جزائر عشرية” الدمّ، وتغيير خارطة الهيمنة والتحكم الدولي في مشرق ما بعد حرب الخليج الثانية، كل هذا وغيره قلّص من مطمح مشاريع التغيير الشاملة، في تغيير معطى دولة الاستقلال، التي أضحت أمام هول مسار الانكسار العربي الشامل مكسبا تاريخيا، وجب المحافظة عليه لأن بديله الفوضى أو إعادة انتاج أنصبة القمع البوليسيّة العارية. فعقدت المصالحات في مغرب الحسن الثاني، وجزائر بوتفليقة، ومصر حسني مبارك، وبرزت أدبيّات جديدة مدارها فكرة المصالحة والانفتاح والبحث عن توسيع مربعات المشترك الوطني.

الجيل الثالث برز في مناخ التسويات التاريخية والسياسية التي شهدتها المنطقة، وتحوّل حركة التغيير من الاشتغال على سؤال المشروعية، والنجاعة والمردودية، بعد أن أنهكتها استراتيجيّات العمل على تقويض شرعية الدولة الوطنية.

– النقطة الثانية في هذا السياق تتصل بعلاقة القُطري بالأممي، فقد اشتغلت حركات التغيير على “ثابت” تجاوز معطى الدولة الوطنية لصالح أنصبة أممية قومية كانت أو بروليتاريّة أو إسلاميّة، وقد ظهر هذا الجيل في لحظة نهايات تلك السردية، بل وموتها تقريبا بعد سقوط مشاريع الوحدة والتوحيد كما قدّمتها الأنظمة القوميّة، وبشّرت بها الثورة الإيرانية، ونظّرت لها قبلها وبعدها السرديات الأممية اليسارية. وهو ما جعل المخيال النضالي للجيل الثالث متخففا من ثقل يوطوبيا “دولة الوحدة” وهذا سيكون له ارتدادات مفصلية في منطوق وأداء هذا الجيل الذي سنعود له في آخر أجزاء المقاربة.

حركة النهضة التونسية كانت في مقدّمة المنتبهين لهذا التحوّل في أواسط التسعينات حيث نصّصت في وثيقتها الصادرة عن مؤتمرها الخامس بالمهجر على شعار المصالحة الوطنية الشاملة، بديلا عن شعار التمكين، و قد تقاطع توجهها الاستراتيجي نحو المصالحة مع الدولة مع مسار تشكل وعي جيلها الثالث بمعطى الدولة، ليسهل اندماج هذا الجسم الوليد في هياكلها، والذي سنتابع أداءه وطبيعة الإضافة الذي من المفترض أن ينجزها لحساب توجه الإسلاميّين نحو المصالحة مع الدولة الوطنية.

ننتهي عند هذا الحدّ في تحديد نقاط “التمايز الرمادية” في مسار تشكل وعي هذا الجيل بإسلاميته، لننتقل إلى العنوان الوظيفي المتصل بأدائه وعلاقته بمخاض تحول النهضة من الجماعة إلى الحزب بعد مؤتمرها العاشر وقصة الفصل بين السياسي والدعوي… (يتبع)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق