راي رئيسي

حركة النهضة..
الجيل الثالث بين هاجس تجديد التجربة وممكن فسخها؟ (ج1)

قبل الولوج في هذا الموضوع المستشكل أسجل أن كلمة الجيل من زاوية مفهومية أو ترمولوجية، كلمة تكاد تكون تجريدية، علاقتها بالحقيقة الاجتماعية مرتبكة رغم سعي علماء الاجتماع لضبطها، ووضع مقاييس تمايز لدلالتها المباشرة . فهي على تخوم سؤال الزمن كمعطى تجريدي تقطيعه إلى ماض وحاضر ومستقبل، وتقسيمه إلي قرون وعقود وسنوات وأشهر وأيام وساعات ودقائق وثوان وأجزاء الثواني، ليست سوى تجريدية عقلانية ووظيفية لضبط إيقاع الحياة وعقلنة الوجود كمجال أناسي مفتوح على رغبتنا الخالدة في التحكم في العالم كشرط لتملكه، وليس للعيش فيه.

بعيدا عن صداع كيريكيغارد وفلاسفة الوجود وورشات التفكير [في الزمن] نفضل المقاربة السوسيولوجية التي قفزت إلى التفكير حول[ الزمن]، نفضل الاتكاء على أعمال عالم الاجتماع والابستومولوجي المجري الماركسي كارل مانهايم واقتراض فكرة الوعي الجيلي التي اشتغل عليها في مقاربته لمعايير التمياز بين الاجيال.

فحديثنا عن الجيل الثالث للإسلاميين، ينطلق بداية من محاولة فحص لمفاصل التمايز في وعي ما نسميه الجيل الثالث بالسردية الايديولوجية للإسلاميين، وبالمقارنة مع الجيل الأول ولنسميه جيل التأسيس والجيل الثاني، ولنسميه جيل البناء.

سأحاول في هذا النص الذي لا يرتقي للدراسة الاكاديمية الصارمة أو الورقة الدراسية العميقة، أن أتفحص بحذر خصوصيات الجيل الثالث للإسلاميين من خلال نموذج حركة النهضة التونسية. وفي علاقة مباشرة بالحوارية الطريفة الجارية هذه الأيام في صفوف النهضويين حول عنوان التجديد القيادي ورصد موقف بعض رموز هذا الجيل ورصد المسكوت عنه والخلفيات المخفية المتصلة بالوعي المؤطر للموقف وليس بالموقف في ذاته.

 

من هو الجيل الثالث؟

الجيل الثالث عمريا هو الفئة العمرية من مناضلي حركة النهضة، التي يتراوح أعمارها بين 25 و40 سنة، والذي لم يعايش مراحل تشكل حركة النهضة قبل حملة استئصالها سنة 1991. فهو أولا الجيل الشبابي الذي تدين أو تشكل وعيه الديني بتأثير بداية الثورة الاتصالية وبروز الفضائيات التلفزيونية في أواخر التسعينات، والثورة الرقمية بداية الألفية. وهو ثانيا الجيل الذي تشكل وعيه السياسي بمعايشة تغول دولة البوليس والقمع العاري في عهد النظام النوفمبري. وهو ثالثا الجيل الذي توفرت له فرصة التمدرس والتحصيل العلمي المتقدم، وهو رابعا الجيل الذي شهد بداية الفصل الهيكلي بين الدولة والسوق، حيث تقلّص امتصاص الدولة لخريجي المدرسة العمومية، و انفتحت أبواب السوق لاستيعابهم، فهو من هذه الزاوية أول مواليد أبناء السوق الجدد الذين تجاوزوا هاجس الخروج من الفقر ودشنوا أفق الطموح المتاح للاستغناء والاستهلاك والرفاهة.. وهو خامسا الجيل الذي لا يحمل مخياله السياسي مطمح تغيير معطى الدولة الوطنية، و عدم الاعتراف بشرعيتها وَمدارات اهتمامه بحال الدولة ومآلها لا يتجاوز الاحتجاج على وجهها الزبوني والقمعي فهو من هذا الزاوية يميل للإصلاحية في مقابل الجذرية في التعاطي مع سؤال الدولة . وهو سادسا وأخيرا الجيل المتخفف من التبشيرية بتغيير العالم، والمتساكن مع فكرة تحسين شرط تسييره لا تغييره، فهو جيل معولم من هذه الزاوية ولكنه غير أممي. بمعنى أنه لا يعي العالم من خلال هاجس تغييره بدالة طموح مخترق للخصوصية الوطنية لصالح مشترك ايديولوجي أممي ويوطوبيا كونية ملهمة ومغرية بَمغامرة تغييره. وهو سابعا وأخيرا جيل الفردانية لا يبحث عن مشاريع الخلاص الجماعي، بقدر ما يركز على فكرة النجاح الفردي ولا يقترب من الجماعة إلا إذا كانت عامل تفعيل وفتح آفاق للطموح الفردي أولا.

سنحاول التفصيل في فقرات مكثفة للنقاط السبعة، وأشدد هنا أن نقاط التمايز اجترحناها بالعلاقة أو بالمقارنة مع جيلي التأسيس والبناء، وموضوعنا أساسا الجيل الثالث من النهضويين، فتحديد خصوصيات هذا الجيل من خارج النموذج النهضوي” في حاجة لمقاربة سوسيولوجية عامة بأدوات التحليل الاجتماعي ربما تفيدها ملاحظاتنا، ولكنها لا تكفي لرصدها بالصرامة المعرفية المطلوبة.

 

أولا: جيل الصحوة الثانية أو تدين الفضائيات

تمكّن نظام السابع من نوفمبر من ضرب الوجود التنظيمي والحركي للإسلامين، عبر استراتيجية قمع شاملة وممنهجة، بدعوى مقاومة الأصولية الدينية والتطرف والإرهاب السياسي. وكان عنوان تجفيف منابع التدين في قلب هذه الاستراتيجية، وتحولت حملة الاستئصال إلى حرب عينية على كل مظاهر التدين بالبلاد على ما هو معروف في ما يسميه الاسلاميون بسنوات الجمر.

استراتيجية الرقابة والقمع التي طالت الشعائر وفي مقدمتها الصلاة، تعرضت لأول اختراق مفصلي ببروز القنوات الفضائية، وقد حاول النظام البوليسي ضبط ومراقبة هذا المستجد بفرض نظام التراخيص، وحاول جاهدا منعها على الناس. ولكن سنن التطور والتاريخ تجاوزته وسرعان ما انتشر البارابول على أسطح المنازل في تحدي شعبي عفوي لوحشية العقل البوليسي الرقابي للنظام والدولة يومها.

مع بروز الفضائيات، برز جيل جديد من الدعاة، وأصبحوا في وقت قياسي من نجومها، كالشيخ القرني وحسان والقرضاوي وعمرو خالد وغيرهم. وهم دعاة ينهلون من مرجعيات شرعية ومذهبية متعددة منها الوهابي، والسلفي العلمي، والسلفي الجهادي، والصوفي، والإخواني، والشيعي الخ… وقد أفرزت الثورة التواصلية الجديدة ما يسميه الاسلاميون “بالصحوة الثانية” والمقصود بها موجة التدين الجديدة في أواخر التسعينات وبداية الألفية، والتي شملت أفقيا كل شرائح المجتمع، وعموديا مشاهيره ونجَومه، فهي صحوة عامة وعارمة اخترقت كل الفضاءات، وعدّلت من طموح بعض الأنظمة في محاربة التدين الشعبي خشية تحوله إلى تدين حركي معني بلعبة السلطة. ولم تشذ تونس عن هذه الحقيقة، وسرعان ما اخترق خطاب دعاة الفضائيات الدوائر العائلية لمجتمع الحكم في مقدمتها عائلة الرئيس نفسه.

تجدر الملاحظة هنا أن عودة الشباب للمساجد والانتشار السريع لظاهرة التدين الجديدة توزعت بين المرجعيات المشيخية، فالصحوة الثانية توزعت بين التطرف والاصولية الجهادية، والوسطية، والتدين القشري والسطحي أو ما عرف لاحقا بالإسلام الخفيف “لايت lislam light” فمن زاوية سوسيولوجيا المعرفة لا يمكن اصدار خلاصات عامة في تفكر الظاهرة وسحبها على الموضوع، فهي ظاهرة مركبة، وملغومة معرفيا بمفارقات مدهشة، لا يمكن تعقلها إلا بالبحث في تعدد أبعادها، الموزعة بين الفلسفي الانتروبولوجي والسوسيولوجي الوظيفي. ولكن هذا لا يمنعنا من التأكيد أن هذه العودة العامة للالتزام الديني في العالم العربي والاسلامي تحيل على حقيقة تقول أن إنسان العالم الاسلامي هو أولا وأساسا كائن متدين بامتياز، تعزز بأريحية قناعة ارسطو بأن الإنسان حيوان ميتافيزيقي. واكتفي بهذه الملاحظة على هامش فورة التدين أو الصحوة الثانية في أواخر التسعينات وبداية الألفية. وننتقل لفحص خصائص الجيل النهضوي منها.

الجيل الثالث من مناضلي حركة النهضة هو منتوج مباشر لهذه الصحوة، هو تحديدا الجزء من تلك الشبيبة التي تأثرت بمشائخ ودعاة الإخوان، و أبرزهم الشيخ يوسف القرضاوي الذي كان موعده الأسبوعي في قناة الجزيرة محل متابعة مليونية في مشارق الأرض ومغاربها.

عند هذا الحد يمكن المجازفة في تعريفنا لهذا الجيل، من زاوية المشترك الأساسي في نمط المناضل الاسلامي النهضوي، بتقرير أن الجيل الثالث لم يعي تدينه وعلاقته بالإسلام كنسق تربو َواخلاقي من خلال حاضنة الجماعة والتنظيم، بل من خلال منصات التواصل الفرجوية المباشرة ، وهذا الفصل بين التربوي و لتنظيمي الحركي، ربما يفيد في فهم حماسة هذا الجيل لعنوان الفصل بين السياسي والدعوي في المؤتمر العاشر لحركة النهضة، والذي أحدث رجة مفصلية عميقة في وعي الاسلاميين في تونس وخارجها مازال من المبكر رصد ارتداداتها في الوعي والممارسة، ولكن الأكيد أن مؤشراتها الاستراتيجية ربما تكون محددة في تجاوز السردية التقليدية للإسلامية الحركية كما تمثلها جيل البنا واخَوانه…

(يتبع)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق