الافتتاحية

حكومة التكنو.. والانقلاب الديمقراطي؟

– Certaines gens disent que le salut de la Tunisie passe par des technocrates ? Qu’en pensez-vous ?

– Un grand mensonge et une grande manipulation. Il n y’a pas de gouvernement de technocrates. Un membre d’un gouvernement ne peut être que politique. N’importe quelle décision même dans un secteur  technique ne peut être que politique. Ce n’est pas une question d’expertise.

هذا مقتطف من حوار أجراه رئيس الجمهورية قيس سعيد مع موقع Espace Manager بتاريخ 29 جويلية 2014، قال فيه إن “حكومة التكنوقراط كذبة كبرى ومناورة كبيرة”. وأضاف سعيد الذي تمت محاورته حينها باعتباره أستاذ قانون دستوري، أنّه “لا وجود لحكومة تكنوقراط. وعضو أي حكومة لا يكون إلا سياسيّا. وأي قرار حتى وإن كان في  مجال تقني لا يمكن أن يكون إلّا سياسيّا”.

هذا الحوار يطرح العديد من الأسئلة عن في علاقة بتغيّر النظرة إلى حكومة التكنوقراط.. فإذا كانت حكومة التكنوقراط كذبة كبرى ومناورة كبيرة، كما قال قيس سعيد نفسه، فلم الإصرار اليوم على حكومة من هذا النوع؟ ولماذا تغيّر الموقف منها، وبعد أن كانت كذبة ومناورة أصبحت مطلبا ملحّا للقصر أو لمستشاريه؟

هل الهدف الانقلاب على نتائج الانتخابات؟

هل الهدف الانقلاب على النظام السياسي؟

أم أنّ في الأمر ما فيه من خفايا لم تكشف إلى حدّ الآن؟

في جميع الحالات الثابت السياسي الوحيد في بلادنا منذ الثورة إلى الآن هو إصرار بعض الأطراف، من بقايا المنظومة القديمة في أسوأ مظاهرها، أو الذين تواطؤوا معها من الأحزاب التي خسرت الانتخابات، على استهداف الثورة من خلال استهداف القوى التي جاءت بها إلى سدّة الحكم، حتى وإن كان مجيئ هؤلاء تمّ عبر صناديق الاقتراع.

وكان من ثوابت الصراع في بلادنا منذ 2011 إلى اليوم، محاولة هذه القوى الانقلاب على المسار الديمقراطي، وإزاحة الأطراف التي انتخبها الشعب، بالآليات الديمقراطية. وكان هذا ولا يزال مدار الصراع في بلادنا طيلة التسع سنوات الماضية.

وحكومة التكنوقراط، التي يقترحها المشيشي، لا تخرج عن هذا السياق العام، حتى وان بدت التفاصيل المحيطة بها مختلفة.. وهي إحدى هذه المناورات الكبرى كما قال الرئيس سعيّد لما كان أستاذا، وهي مناورة لأن الهدف الأساسي منها هو الانقلاب على الإرادة الشعبيّة التي عبّرت عنها صناديق الاقتراع، بالدعوة الى ما يسمى حكومة كفاءات، رغم أنّه – وكما قال الرئيس نفسه في حواره سنة 2014 – لا يوجد تكنوقراط غير مسيّس فحتى أبسط القرارات في أبسط المجالات هي قرارات سياسية.

نعم التكنوقراط كذبة كبرى، ونحن رأينا المئات من هؤلاء سواء في حكومة مهدي جمعة أو قبلها أو بعدها، ممّن يسمّون “كفاءات”، ثم نجدهم في أحزاب معروفة ومعلومة..

حكومة المهدي جمعة التي قيل أنّها حكومة تكنوقراط، لم تكن كذلك بالمرة، علاوة على أنّها لم تكن الحلّ، فهي لم تقدم للبلاد شيئا، وأداؤها كان أسوأ بكثير من أداء الحكومات التي سبقتها، وهو ما يؤكد أن كل حديث عن حكومة كفاءات وطنية هي في الأخير مناورة للتحايل على إرادة التونسيين.

وكل ما يجري اليوم من إفشال حكومة الجملي وصولا إلى الحكومة التي يدعو لها المشيشي هو محاولة متكرّرة وبائسة للأسف الشديد للارتداد على الثورة والانقلاب على نتائج الانتخابات..

الجديد هذه المرّة أن محاولات الانقلاب على المسار تجد لها اليوم سندا في بعض مراكز النفوذ في الدولة وفي أعلى مؤسساتها. صحيح أن بعض الذين يزيّنون لهذا المسار يحاولون إلباسه لبوسا ديمقراطيّا أو دستوريّا، كقولهم “انقلاب ديمقراطي” ولكنه في جوهره انقلاب، لا فقط على نتائج الانتخابات بل على النظام السياسي الذي اختاره التونسيّون وهو النظام البرلماني المعدّل.

اليوم نحن نتجه إلى نظام رئاسي بل رئاسوي مطلق، يتسلّح بالقانون والدستور ولكنه بالمعنى السياسي هو محاولة للتحوّل من نظام برلماني معدّل إلى نظام رئاسي تتحكّم بموجبه قرطاج في القصبة.. وكل الحجج التي تُقدّم في هذا السياق كفشل الأحزاب وانقسامها وحِدّة الخلافات بينها والحديث عن الشرعية والمشروعية، ما هي إلّا مسوّغات لتمرير هذا الانقلاب.

هل هذا يعني أنّه لا يحقّ لبعض الأطراف في البلاد أن تكون لها رؤية خاصة بها فيما يتعلّق بالنظام السياسي أو أن يكون لها موقف من حكومة سياسيّة أو غيرها من القضايا؟ الجواب بالتأكيد لا، فمن حقّ هذه القوى أن تكون لها رؤيتها الخاصة، ومشاريعها الخاصة بها، ..المشكلة ليست هنا.. الإشكال في كيفية إنفاذ هذه المشاريع .. وهل تمّ تقديمها للرأي العام.. ومن هي الجهة التي تقف وراءها حتى سيتطيع الشعب محاسبتها في المستقبل.

فرئيس الجمهورية وبما أنّه متمسّك بحكومة الرئيس، كان عليه أن يخرج للناس ويصارحهم بحقيقة مشروعه، ويعلن موت الأحزاب ويقول أنّه لن يشرّكها في هذه الحكومة التي هي حكومته وهو من يتحمّل مسؤوليّة فشلها أو نجاحها، وأنّه ضدّ النظام البرلماني وأنّه قرر – رغما عن الجميع – التحوّل إلى نظام رئاسي، وأن هذا هو مشروعه وهو من يتحمّل تبعات خياراته..

أمّا أن يقع التحايل على القانون والدستور وتحويل وجهة النظام السياسي خلسة، فإن هذا لن يمرّ، علاوة على أنّه لن يصنع استقرارا ولا تنمية، بل سيدخل البلاد في المزيد من عدم الاستقرار السياسي والأزمات الاجتماعيّة.. وكما يقال فإن الحيلة في ترك الحيل.

صحيح أنّ الرئيس أو رئيس الحكومة المكلّف، قد يجدان السند لمشاريعها في بعض الأحزاب التي لا تمثل شيئا لا في البرلمان أو في البلاد، أو لدى بعض الأطراف الفاشية التي كان ولا يزال كل حلمها إنهاء تجربة الانتقال الديمقراطي في بلادنا، ولكنّهما سيجدان كلّ القوى السياسيّة الممثلة والحقيقية والثورية في الصف المقابل، ولن تقبل الأحزاب وكل القوى الوطنية مثل هذه الخزعبلات الديمقراطية.

وكما رأينا فجميع الأحزاب، تقريبا، ورغم اختلافتها اتفقت على رفض حكومة التكنوقراط وعلى ضرورة أن تكون الحكومة القادمة حكومة سياسيّة.

فهل وصلت الرسالة .. أم أن مصيرها كرسائل أخرى كثيرة لم تصل قطّ وحتى وإن وصلت وقع فهمها بالخطأ أو عكس ما أريد منها؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق