راي رئيسي

حكومة الرئيس: أحيت التكتل.. انعشت الشاهد.. ولم تغضب النهضة

– نور الدين الختروشي –

لا أعتقد أنّنا سنتابع في الأسبوع القادم نفس المسلسل الثقيل الذي تابعناه مع الحبيب الجملي من قصر الضيافة.

فالقادم الجديد للمهمّة المستعصية لم يعترض عليه جدّيا أي طرف لحدّ الآن هذا في حين جوبه تعيين الجملي بموجة ترذيل ورفض ضمني من المعنيّين بالمسار التفاوضي.

عرّت مفاوضات حكومة الجملي حجم الأزمة العميقة بأبعادها الأخلاقيّة والسياسيّة لنخب وأحزاب عابثة وغير مسؤولة لتعمّق قناعة الرأي العام أن الديمقراطيّة الناشئة عندنا لم تنتج بعد حوالي العقد حيّزا سياسيّا مستقلّا وسويّا ومنتجا.

فضعف اللاعبين وترهلهم في المشهد الحزبي يصب آنيّا في مصلحة مشروع الرئيس الذي لا يدع مناسبة تمرّ دون الإشارة إلى ضرورة إنجاز البديل عن مجتمع الأحزاب والمنظومة الدستوريّة المؤسّسة لشرعيّتها.

لن نتابع نفس السيناريو مع الفخفاخ لأن خيار الرئيس كان سياسيّا بامتياز وبقطع النظر عن الموقف السياسي من مرشح قرطاج، من المهم أن نؤكد أن سعيّد باقتراحه هذا استجاب طوعا أو كرها – أي بمنطق الدولة – لإكراهات معادلة السلطة وتوازنات خارطة السلطة الصلبة أو الخفيّة المتحكّمة بمجتمع الحكم تونسيّا.

فالفخفاخ مرشّح لوبي المرسى ومنزل السفير ودوائر المال والأعمال وسعيّد لا يملك القدرة – بقطع النظر عن الرغبة – ليواجه منفردا مركز قوى نافذة وعميقة وتملك القدرة الوظيفية على إعادة بعثرة أوراق اللعبة متى شاءت.

كان واضحا أنّ الدفع باسم منجي مرزوق مناورة تفاوضية رشيقة من الغرف الخلفية في حديقة قرطاج فالشيخ الذي فوّت ثانية فرصة اقتراح مرزوق لم ينتبه أن ورقة عبد الكافي محروقة من حيث المبدأ في قرطاج فترشيح سعيّد لشخصية محسوبة على المنظومة القديمة مقامرة بشرعيته لن يقدم عليها إلا إذا فقد العقل.

كان واضحا لدى فريق قرطاج أن النهضة جاءت لقرطاج ومخيالها السياسي مشلول بفكرة التوافق مع القديم وأن رفضها لمرزوق المحسوب عليها هو المطلوب من وراء “العرض” الذي يجب أن ترفضه.

تكليف الفخفاخ في ظاهر دلالته مكسب سياسي مباشر لحزبي الشاهد والتيّار أساسا على حساب بقيّة مكونات المشهد البرلماني. وهو في عميق الدلالة عملية تفسيخ ممنهج للأفكار والحوامل الهيكلية المنبثقة عن الديمقراطية التمثيلية.

إلياس الفخفاخ رئيس المجلس الوطني لحزب التكتل الذي لم ينجح في تصعيد ولو نائب واحد للبرلمان والمتحصل مرشحه للرئاسيّات الذي لم يكن سوى الفخفاخ نفسه على “صفر فاصل” من أصوات الناخبين، يجد نفسه بقدرة الأقدار ورغبة الرئيس الحاكم الرسمي في عهدة انتخابية أخرجته في الأصل من مدار العملية السياسية الرسمية. هذه الحقيقة أزعجت الرأي العام وبعض الأصوات المبحوحة في أحزاب البرلمان، فقد انتبه الجميع إلى مشروعية التساؤل حول نيّة ومقصد الرئيس من اختيار شخصية حزبية من خارج الأحزاب الممثلة للبرلمان ومن غير المستقلين، وبرزت في هذا السياق فكرة طريفة وليست ساذجة تقول أن الفخفاخ الذي لا سند ولا حزام حزبي وراءه سيكون وزيرا أولا عند قرطاج شاء ذلك أم لا.

فهو مرشح الرئيس ومقترح من “ابنه المدلل” الشاهد وغير معترض عليه من قدامى المؤتمر من أجل الجمهورية وفي مقدّمتهم مستشار الرئيس الذي من المرجّح أنّه نسق مع أصدقاءه في حزب المرزوقي كعبو وبوعجيلة والكحلاوي وربما الدايمي للتأثير في قرار سعيد.

فالشاهد ومعه الدولة الصلبة من جهة ومدرسة المؤتمر من أجل الجمهوريّة من جهة أخرى بصدد إعادة هندسة مجتمع الحكم باستبعاد النهضة عقدة عقدة عن ذلك المجتمع ومدار تجاذب وتقارب وتباعد مختلف الأطراف.

النهضة التي ضيعت “ورقة مرزوق” مرّتين يبدو أنها فقدت الكثير من القدرة على المناورة وإدارة “حرب التفاوض” وهي – ولأوّل مرة في تاريخها – تلعب على المكشوف وتفاوض وهي عارية ويملك عنها خصومها وحلفاءها كل المعطيات تقريبا وبالتفاصيل المملّة بدء من شقوقها إلى حواشي رئيسها لهذا كان من السهل أن تعبث بها مسارات التفاوض وتنتهي بها إلى فضيحة سقوط حكومة الجملي وفضيحة عدم ترشيح مرزوق وتفضيل عبد الكافي الذي لا “يشبهها” بقدر ما “يشبهها” منجي مرزوق.

مشكلة النهضة الداخليّة وضعف مردودها السياسي منذ الرئاسيّات سببه الأساسي عدم انسجام رموزها ومؤسساتها والارتباك الذي يواكب تولّي رئيسها لرئاسة البرلمان وتعدّد شقوقها وتوزّع القرار بين جماعات ضغط ظاهرة وخفيّة. والموقف الحكيم اليوم إذا أرادت النهضة أن تفاوض الفخفاخ من موقع الحزب الأكبر أن تشكل فريقا مفاوضا من أبرز رموزها الوازنة المختلفة  حول ورشة إصلاح النهضة وترتيبات بيتها الداخلي والتي إذا ضغطت على خلافاتها وأجّلتها للمؤتمر واجتمعت اليوم في “لجنة تفاوض” مع الفخفاخ فالراجح أنها قادرة على إعادة هندسة المشهد الحكومي من جديد من دون أن تكون في الواجهة.

ما يبدو ممكنا نظريّا يكاد يستحيل عمليّا فوحده رئيس حركة النهضة إذا أراد بإمكانه تجميع زيتون والمكّي والجلاصي ولعريض والبحيري وغيرهم في فريق تفاوضي نوعي يعزّز الموقع التفاوضي الهشّ للحركة ويعطي صورة جديدة للنهضة التي تعرف متى تنسى أو تتناسى تجاذباتها الداخلية التي ألحقت بها أضرارا ظاهرة للمتابعين بالداخل والخارج وأشّرت على نهاية غير سعيدة بدأت مقدّماتها تبرز للملاحظ البسيط فضلا عن المتابع الدقيق.

حكومة الرئيس يجب أن يقودها رئيس وزراء وليس وزيرا أولا هذه دالة الموقف وأساسه ومداره، الآن وهنا، من حكومة الفخفاخ والنهضة وكل الأطراف المؤمنة بالشرعية الدستورية معنيّون بالانتباه لهذا الحدّ في رسم وهندسة المشهد.

فشرط الانسجام بين الرئاسات الثلاثة مرتبط بتثبيت الهيكل الدستوري للجمهورية الثانية أوّلا ويتحسن بالتوافقات السياسية لا العكس على ما يحمله ويؤسّس له خطاب “الدستور على الجدران” أو الأصوات المتكاثرة المنادية بمراجعة المعموديّة الدستورية التي بني عليها ما سمي بالنظام البرلماني المعدّل.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق