راي رئيسي

حكومة الرئيس..
الأضعف كفاءة والأقل حيادا في حكومات ما بعد الثورة..
أي مستقبل لها؟

أصدر رئيس الجمهورية قيس سعيد، يوم الإثنين 11 أكتوبر 2021، أمرا رئاسيا يقضي بتسمية رئيسة للحكومة وأعضائها.

وقد أشرف رئيس الدولة، خلال نفس اليوم، بقصر قرطاج، على موكب أداء اليمين للحكومة التي ترأسها نجلاء بودن.. وضمت الحكومة الجديدة 24 عضوا من بينهم 10 نساء.

رئيسة الوزراء نجلاء بودن، قالت في كلمتها التي ألقتها خلال موكب أداء اليمين أنها ستعمل على إرجاع الثقة والأمل وضمان الأمن الاقتصادي والصحّي للمواطن واستعادة الثقة في الدولة وثقة الخارج في بلادنا.

الرئيس افتتح كلمته بجملة اعتراضية مضمونها فيما معناه، “لأنكم اعتبرتم المشكلة الحقيقية في الحكومة وأقمتم الدنيا ولم تقعدوها، ولأن الدستور ينص على حكومة، فها أنا ذا أشكّل هذه الحكومة”، وأضاف “وكأن المشكل في الحكومة… هناك دول بدون حكومات”..

“فخامته لم يكسر بخاطر دعوات الداخل والخارج لتشكيل حكومة، ولم يكسر بخاطر الدستور الذي علق ثلثي فصوله ولم يبق إلا على ديباجته وجعل لأوامره علوية عليه..

ثم دعا أعضاء حكومته التي شكّلها باسم أوامره العليّة وبإجراءات لا دستورية، ليقسموا أمامه على احترام الدستور الذي أقسم هو قبلهم على احترامه، ليكون حجة على حنثهم بقسمهم جميعا!!

 

المهم أن الرئيس قام بعرض فولكلوري حاول من خلاله أن يضفي شرعية دستورية لحكومة مخالفة للدستور… ويضفي شرعية شعبية بشعبوية تنكر وجود معارضة حقيقية ووازنة لتوجهاته… ويبحث عن إضفاء شرعية دولية من خلال مُسكّن الحكومة، ليخفّت من حدّة الاستياء والامتعاض الشديدين اللذين عبر عنهما الرأي العام الدولي في أكثر من مناسبة بسبب غياب حكومة لأكثر من سبعين يوما.. ثم حاول أيضا أن يستعيد ثقة المجتمع الدولي من خلال خطاب يحمّل الآخر مسؤولية العزلة الدولية التي وضعنا فيها هو، باختراع سيناريو تآمري يبرّر فشل الرئيس بعجز الدولة في مواجهة شخص خارق، استطاع بمفرده أن يفسد علاقات تونس بالخارج، والذي كان حسب تعبير فخامته السبب المباشر في إفشال القمة الفرنكوفونية..

وطبعا لم يَخف على الرئيس أن المجتمع الدولي لا يعترف بحكومة بشكل كامل إلا إذا كانت لها شرعية دستورية وشرعيتها الدستورية تستمدها من البرلمان الذي يعطيها ثقته، فقام بعرض مسرحي عرض من خلاله مجموعة من الصور التي تختزل بعض مشاهد المشادات والخصومات داخل قبة البرلمان متعمدا للأسف غض البصر عن صورة زعيمة ترذيل المجلس بمشاهدها المقرفة  ليبن لهم أن هذا البرلمان لم يعد مرجعا يعتمد عليه أو يعتد برأيه وأنه أصبح عنصر فوضى وتعطيل..

وكما استغلت المنظومة التي تستعجل غلق قوس الثورة ومخرجاتها وعلى رأسها سلطة تشريعية مستقلة وتمارس رقابتها على السلطة التنفيذية وتحُدّ من نفوذها وسطوتها، استغلت هذه الصور داخليا ليحجب ما أنجزه هذا المجلس النيابي رغم التعطيل والعرقلة والترذيل الممنهج..

مجلس نواب الشعب الذي حقق منذ بداية الدورة البرلمانية الحالية الممتدة بين نوفمبر 2019 ومارس 2021، وفق آخر الإحصائيات من عقد 97 جلسة عامة استغرقت 711 ساعة تم خلالها منح 4192 تدخلا والمصادقة على 63 مشروع قانون ذو أهمية فائقة وأبرزه مشروع القانون المتعلق بالاقتصاد الاجتماعي التضامني وبلغ معدل حضور النواب 86.5 بالمائة، في حين شهدت الدورة البرلمانية الماضية برمتها عقد 43 جلسة عامة فقط على امتداد 203 ساعات والمصادقة على 27 مشروع قانون.

ومن بين أهم مشاريع القوانين التي صادق عليها البرلمان الحالي نذكر:

–  مقترح قانون عدد 2020/27 يتعلق بأحكام استثنائية للانتداب في القطاع العمومي.

– مشروع قانون عدد 2021 /003 يتعلق بالترخيص للدولة في الانضمام إلى المبادرة العالمية لتسهيل إتاحة اللقاحات ضد فيروس كوفيد – 19 “كوفاكس (COVAX)” وفي الالتزام بالشروط العامة المحددة من قبل التحالف العالمي من أجل اللقاحات والتمنيع “قافي (GAVI )”.

– مشروع قانون عدد 2020/79 يتعلق بالمصادقة على مرسوم رئيس الحكومة عدد 31 لسنة 2020 المؤرخ في 10 جوان 2020 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات بين الهياكل والمتعاملين معها وفيما بين الهياكل.
-مقترح قانون أساسي يتعلق بتنقيح القانون الأساسي عدد 50 لسنة 2015 المؤرخ في 3 ديسمبر 2015 المتعلق بالمحكمة الدستورية عدد 44/2020
–  مشروع قانون عدد 2019/79 يتعلّق بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

وقد بلغ عدد الجلسات العامة 97 جلسة مقابل 43 في البرلمان السابق، وعدد ساعات المداولات 711 مقابل 203، وعدد القوانين المصادق عليها 63 مقابل 27، وعدد الجلسات الرقابية 29 مقابل 06، وعدد الزيارات الميدانية 30 مقابل 02، وعدد اجتماعات اللجان 545 مقابل 356، وعدد الأسئلة الشفاهية الموجهة للحكومة 230 مقابل 09، عدد جلسات الاستماع داخل اللجان 378 مقابل 171..

يعني ذلك أن هذا المجلس رغم التعطيلات المتعمّدة ورغم سياسة الترذيل الممنهجة فقد اشتغل بنسق يساوي ثلاثة أضعاف المجلس النيابي السابق.. ولكن المعنيين بإسقاط التجربة الديمقراطية والمؤسسات الشرعية المنبثقة عن الصندوق قاموا بمجهود ضخم بمساندة أبواقهم الإعلامية لتغييب هذه الحقيقة حتى لا يرى التونسيون من المشهد غير صورة الفوضى والعراك..

ولأن هذه المهمة تمت داخليا بنسبة نجاح عالية، فالصور التي عرضها فخامته في الحقيقة لم تكن موجهة للرأي العام الداخلي، بل كانت موجهة للرأي العام الدولي، حتى لا يطالبه باستكمال إجراءات تشكيل الحكومة الدستورية، كانت موجهة لمن أعلمه بأن حكومة لا شرعية دستورية لها، لا يمكن التعامل معها ماليّا ولا يمكنها للأسف التعاقد مع الخارج.. ولكن ذكاء فخامته خانه مرّة أخرى ونسي أن هذه المشاهد قد تجد صدى ورواجا في مجتمعنا، ولكنها لا تؤثر في الرأي العام الدولي الذي ألف مشاهد أشد حدّة وضراوة في البرلمانات الأعرق ديمقراطية في العالم والمشاهد عن ذلك لا تعدّ ولا تحصى..

إذا مرجع النطر بالنسبة للرئيس اليوم ليس الرأي العام الداخلي، إلا بقدر تأثيره على الرأي العام الخارجي، فبعد مسيرة “ضد الانقلاب” يوم 26 سبتمبر الماضي التي جلبت اهتمام الخارج بنخبته وإعلامه وساسته، اضطر لتعيين مكلفة بتشكيل حكومة، وبعد مسيرة 10 أكتوبر اضطر للإعلان عن الحكومة، إثباتا لحسن النوايا للخارج وامتصاصا لصدى هذه التحركات على القرار الدولي..

ولكن رئيس الدولة للأسف وكما عهدناه يصمّ أذنيه ويشيح ببصره ويدير ظهره حتى لا يستمع لمن يقول له أنه رغم كل هذه المسكنات ورغم إعلان حسن النوايا، لا شيء سيحجب أن هذه الحكومة ولدت ضعيفة بدون تضامن داخلي أو شرعية دستورية أو دعم دولي قوي وغير مشروط..

كان السيد الرئيس بحاجة إلى الكثير من الفطنة والحكمة، ليدرك أنّه أمام وضع اقتصادي مأزوم وأمام وضعية مالية عمومية خانقة، وأمام وضع اجتماعي وسياسي مختنق، لا يمكن تنفيذ البدائل التنموية والبرامج الاقتصادية والمخططات الاستراتيجية على أرض الواقع بأي حال، طالما لم يكن هناك طوق سياسي واسع يسند حكومته ويؤمّنها من الهزات، ويبسط لها الطريق لتعمل وتنجز من دون عقبات، وكلّما اتسع هذا الطوق ليشمل أكبر عدد من الداعمين، سيكون لها أكبر حظوظ الاستمرارية، فالكفاءات مهما كانوا على مستوى عال من الخبرات لا يمكنهم أن ينجزوا شيئا من دون غطاء سياسي يسندها، وإجماع وطني حولها.

هذه الأزمة غير المسبوقة التي يعيشها الجميع ولا تستثني أحدا، كيف ستمرر إصلاحاتها؟ وبأي آلية ستتصدى لضخامة هذه التحديات التي تواجهها البلاد في هذه المرحلة؟ ألم ينتبه فخامته أنّ من أبرز أسباب سقوط الحكومات السابقة ابتداء من حكومة الترويكا الأولى إلى يومنا هذا وعدم صمودها وتهاويها السريع لم يكن في بالضرورة بسبب عجز أو غياب الكفاءات، بقدر ما كان بسبب غياب حزام سياسي قوي وموسع قادر على حمايتها وإدامة حكمها.. ألم ينتبه أنّ من سرّع في سقوط الحكومات السابقة هو عزلها وعقد تكتلات سياسية لتطويقها؟ ألم يفكّر بأي سند سيجابه تعطيل إنتاج الفسفاط والبترول والاحتقان الاجتماعي وكيف سيمرّر قراراته الصعبة والقاسية المفروضة عليه؟ هل يعتقد سيادة الرئيس أنه بمناخ سياسي غير مستقر ومتوتر سيتمكن أي شخص من حلّ مشاكل تونس ورفع التحديات؟ ثم ألم يعقل أنه بهذا التمشي إنما هو يراكم الأزمات، وكأنما يعمل ضد مصلحة تونس في هذه المرحلة العسيرة؟

نحن اليوم نعيش على وقع نتائج انتخابات 2019 وما خلفته من تشتت في المشهد النيابي لا يؤسس لعمل حكومي مستقر، وفي انتظار تغيير القانون الانتخابي الذي كان سببا رئيسيا في هذا العبث وعدم الاستقرار، لا خيار أمام جميع الفاعليين السياسيين والاجتماعيين للخروج من هذا النفق المظلم، إلا المضي في وحدة وطنية، وعندما نقول وحدة وطنية فنحن نعني خلية أزمة تشارك فيها الأحزاب والكتل الممثلة في البرلمان والمنظمات الوطنية التي عليها أن تنهض بدورها الاجتماعي والوطني للتعاون في تفعيل الإصلاحات المطلوبة وتكريس قيم الإنتاج والعمل واحترام التراتبية والمؤسسة، وكذلك مؤسسة رئاسة الجمهورية التي من المفروض أنها تمثل الضامنة للاستقرار وصمام أمان الوحدة الوطنية..

فهل عجز رئيس الدولة عن إدارة حوار بيننا كتونسيين باحترام ودون إقصاء لوضع تصور مقبول، يمكننا من تنفيذ مشروع وطني مشترك، يخرجنا من عنق الزجاجة ويؤمننا من السقوط في الهاوية؟

هذا هو التحدي الحقيقي ..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق