الافتتاحية

حكومة الفخفاخ.. حكومة الرئيس..
النهضة في وضع مريح .. التيار  يقامر  بقاعدته الانتخابية .. وحركة الشعب تداري خيبة أملها

– محمد الحمروني –

بدا للوهلة الأولى وكأن تكليف السيد إلياس الفخفاخ بتشكيل الحكومة، بلا منطق وبلا أي عقلانية، فالرجل لم يُرشّح إلا من قبل حزب وحيد، هو تحيا تونس، وأعلن التيار دعمه لهذا الترشح، وهو إلى ذلك شخص فشل في الحصول على واحد في المائة في الانتخابات الرئيسة  الأخيرة وحزبه حزب التكتل من أجل العمل والحريات لم يحصد ولو مقعدا واحدا في الانتخابات البرلمانية.

موقف ربما صدم بعض الأحزاب والكتل بما في ذلك تلك التي كانت تطالب بحكومة الرئيس، لذلك فضلت كل هذه الأحزاب التعامل بحذر مع تعيين السيد الفخفاخ عبر التعبير عن عدم اعتراضها مبدئيا في انتظار أن تطّلع على مشروعه للحكم ومنهجيته التي سيعتمدها في تشكيل الحكومة..

وترى بعض القراءات أن الرئيس ذهب في خياره (وفق قراءته للفقرة الثالثة من الفصل 89 من الدستور) الى منح المنهزمين في الانتخابات الأخيرة حق تشكيل الحكومة وأقصى الأحزاب الفائزة وهو ما يطرح أسئلة كثيرة عن الرسائل السياسية التي سيتلقاها المواطن والناخب تحديدا من خلال هذا التكليف.

خيار لا يعكس فقط مفارقة سياسية بأن يصبح الحزب الخاسر حزبا حاكما، بل يعكس مفارقة دستورية تحوّل بموجبها النظام السياسي، البرلماني بامتياز ، إلى نظام رئاسي مطلق يمنح الرئيس صلاحيات مطلقة في تكليف رئيس الحكومة بما في ذلك تأويل وقراءة معنى “الأقدر”. فالأقدر وفق تكليف الفخفاخ لا علاقة له بالمفهوم العددي أي القدرة على جمع العدد الكافي من أصوات النواب لتسمية الحكومة..  بل هو مجرد تقدير من الرئيس وهو ليس مجبرا على تعليل اختياره ولا حتى تحمل المسؤولية عنه.

وبين من يعتبر أن تجاهل الأحزاب والكتل الرئيسية في البرلمان خلال تكليف الشخصية الأقدر مخالفة لإرادة الناخبين وضرب لأحد أهم أركان الديمقراطية، وضرب للدستور بالدستور، إلى درجة العبث بالتجربة، وبين من يعتبر  أن الأحزاب والكتل المعنية هي التي أهدرت الفرصة التي كانت بين يديها.. سيتواصل الجدل في انتظار توضيحات قد تأتي وقد لا تأتي من السيد الرئيس وسط حالة سياسية تنبئ بتطورات تكاد تكون دراماتيكية بالنسبة للعديد من القوى..

بالنسبة لحركة النهضة،

يبدو أن القدر، وغباء خصومها، أنقذاها مرة أخرى من مازق الحكم، وهي تجد نفسها اليوم ورغم كل ما يقال عن الفشل والخسارة الكبرى بعد سقوط حكومة الجملي، تجد نفسها في وضع سياسي ومعادلة سياسية ربما هي الأفضل بحيث تكون هي الحزب المحدد دون أن تتحمل المسؤولية السياسية لوحدها على نجاح أو فشل هذه الحكومة مثلما كان الحال لو مرت حكومة الجملي والتي كان يمكن أن تسقط بعد بضعة أشهر.

خصوم النهضة وباصرارهم بدايةً على رئيس حكومة مستقل ثم سعيهم الحثيث لإسقاط حكومة الجملي، اخرجوا أو سمحوا للنهضة بأن تخرج من المأزق الذي وضعتها فيه الانتخابات، بأن جعلتها في المرتبة الأولى دون أن تمنحها التفويض الكافي للحكم.. ولو مرت حكومة الجملي لتسببت في مأزق كبير لحركة النهضة لا فقط لأنها ستكون عاجزة عن مواجهة التحديات المالية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد، ولكن لأن خصومها كانوا سيسقطونها في الشارع في أول فرصة تتاح لهم.

النهضة اليوم عليها أن تقرأ اللحظة جيدا وأن تستفيد من دروس سنوات 2011 و2014  ومن تجربة التفاوض مع بعض الشركاء لتشكيل حكومة الجملي. ففي 2011 وتحت ضغط المد الثوري تشكلت حكومة لم تراع التوازنات السياسية في البلاد، ولذلك سقطت بأسرع ما يكون.

وفي 2014 حاول الباجي قائد السبسي في البداية تشكيل حكومة (حكومة الباجي الأولى) تقصي النهضة أي لا تراعي أيضا التوازنات فسقطت قبل أن تتشكل، وهو ما وقع مع حكومة الجملي أيضا التي وتحت ضغط الرغبة الجامحة في الحكم من قبل بعض القوى داخل النهضة أصرت على أن لا تراعي التوازنات فسقطت..

لذلك ستدفع النهضة بقوة باتجاه حكومة وحدة وطنية لا تقصي أي طرف إلا من أقصى نفسه، وأن يراعى تشكيل الحكومة التمثيلية في البرلمان، وأن تحترم التوازنات القائمة في البلاد.. وستكون الحركة محكومة في ذلك بمجموعة من الضوابط هي:

– عدم الاقصاء وتشريك الجميع .

– عدم الاطمئنان مستقبلا وبشكل استراتيجي لمن خذلوها خلال تشكيل حكومة الجملي.

– العودة إلى سياستها القائمة على تطبيع الثورة مع الدولة.

– عدم القفز على التقسيمات الكبرى للمجتمع التونسي إلى ثلاث عائلات رئيسية وهي العائلة الإسلامية والعائلة اليسارية والعائلة الدستورية.

وستصر النهضة  – كما نرى – على خياراتها وستتعامل بإيجابية كبيرة مع السيد الفخفاخ، ولكنها لن تنزعج من الذهاب إلى أي خيارات أخرى بما في ذلك الذهاب إلى حلول قصوى كإعادة الانتخابات، بل إن بعض أبنائها يرون أن هذا الحل الأنسب للوضعية “المأزقيّة” التي أفرزتها نتائج الانتخابات الأخيرة.

بالنسبة للتيار،

يبدو أنه لم ينتبه إلى خطورة تكليف الفخفاخ إلا بعد إعلان الرئيس عن ذلك..  وتأتي مطالبة التيار باستقالة رئيس الحكومة المكلف من قيادة حزب التكتل تعبيرا عن هذه الاستفاقة المتأخرة.. صحيح أن التيار رشّح الفخفاخ أو بالأصح قال إنه لا يعترض عليه، ولكنه ربما لم ينتبه إلى أن وجود الفخفاخ ضمن الصف الأول من الطاقم القيادي لحزب التكتل سيعيد الحياة إلى هذا الحزب الذي يشترك في قاعدته الانتخابية مع التيار ويُمكن لنجاحه في إدارة الحكومة، أن يعيد الحياة لهذا الحزب وربما يُمكّنه من استعادة قاعدته الانتخابية التي سحبها منه التيار.

المأزق الثاني بالنسبة للتيار سيكون مشاركة تحيا تونس، وهو الذي بنى كل استراتيجيته الانتخابية على التشنيع بمنظومة الفشل الذي كان عنوانها الرئيسي يوسف الشاهد. في الأثناء تتسرب الأخبار وتتواتر على التنسيق البيّن والواضح للتيار مع الشاهد وخاصة فيما يتعلق بترشيح الفخفاخ، وهو ما سيجعل من حكومة هذا الاخير، بشكل أو بآخر، استمرارا لحكومة الشاهد، وهذا سيفرض على التيار أن يكون شريكا في الحكم مع الشخص الذي حمّله كل أسباب الفشل، لذلك رأينا وبشكل متأخر دعوات من بعض قيادات التيار كغازي الشواشي ترفض أن يكون الشاهد جزءا من الحكومة القادمة..

وبالتأكيد يعلم التيار جيدا أن الشاهد بنى حزبه على بقايا الكتلة البرلمانية للنداء، مستعملا أدوات الحكم بما فيها من ترغيب وترهيب، ولا يوجد ما يشير إلى عدم امكانية تكرار التجربة من قبل الفخفاخ مع كل النواب الذين ينتمون إلى ما يسمى العائلة الاجتماعية الديمقراطية.

علاوة على أن نجاح الفخفاخ على رأس الحكومة قد يفتح له باب المنافسة مستقبلا على رئاسة الجمهورية وهو المنصب الذي لا يخفي محمد عبو توقه للوصول إليه.

حركة الشعب،

أمّا حركة الشعب التي كانت أول من دعا إلى حكومة الرئيس، فيبدو أن صدمتها بتعيين الفخفاخ أكبر حتى وإن لم تبد ذلك.. فالحركة التي حاولت أن توحي بأنها الأقرب إلى الرئيس وروّجت على نطاق واسع صور لقائها الأول به (أول لقاء له بالأحزاب) يبدو أنها لم تستوعب رفض مرشحيها لرئاسة الحكومة حتى وإن غلّفت ذلك ببعض القبول على مستوى الخطاب وهو قبول ممزوج بكثير من معاني الرفض، كقولهم إنهم كانوا يتمنون أن يختار الرئيس شخصا من خارج منظومة الانتخابات الأخيرة.. أو قولهم إنهم يرفضون أن يحدّد الرئيس مكونات الحكومة القادمة..

اخيرا، سيكون للاحزاب والكتل التي فرحت بسقوط حكومة الجملي متسع من الوقت لتقييم خسائرها من اسقاط تلك الحكومة، بدءا بقلب تونس الذي فرح بالتجمع الكاذب الذي تشكل حوله خلال جلسة التصويت على الثقة لتلك الحكومة، مرورا بالتيار الذي أخذ أكثر مما كان يستحق ولكنه (البَطَرُ )، ووصولا إلى حركة الشعب التي كانت تمني النفس بمكانة مميزة لدى السيد الرئيس..

العبث ليس قدرا، واذا كان في المشهد الذي نراه اليوم شيء منه  – قَلّ أو كثر – فهو بما صنعت أيدي الأحزاب، ولكن مسارات التاريخ لن تتوقف عند صبيانية بعض القوى، وكل المؤشرات تؤكد أننا أمام تحولات كبرى باتجاه الزمن الديمقراطي، وهذه التحولات لن توقفها عبثية بعض الأطراف والأشخاص، بل إن العبث (واللاّعقل) كما في حالنا اليوم، قد يصبح جزءا من محركات التغيير التي تتجاوز الفعل البشري أحزابا وأفرادا وربما دُولا وتكتلات، وقد تتجاوز فهمنا لمجريات تلك التغيرات وميكانيزمات عملها.. إنها الجبرية في علم الاجتماع البشري…

يبقى ان الفخفاخ وبغض النظر عما حققه من نتائج في الانتخابات الاخيرة يظل افضل بكثير ممن نالوا حظا اوفر منه في تلك الانتخابات.. وتبقى جهة صفاقس حرية بأن يخرج من بين ابنائها من يتراس الحكومة.. خاصة وانها لعبت دورا مهما في الثورة ومثلت منعرجا حاسما فيها، علاوة على انها تمثل قوة اقتصادية قد تساعد بلادنا على اقلاع حقيقي لاقتصادنا المتعثر باتجاه تحقيق نسب اعلى من التنمية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق