راي رئيسي

حكومة تكنوقراط..
تجريم للأحزاب أم تمرير  لمشروع “من تحزب خان” وإلغاء للدولة؟

بعد اللقاءات الفلكلورية والشكلية والباهتة التي أجراها رئيس الحكومة المكلف مع عدد من الأحزاب والكتل البرلمانية، وبعد ما راج عن دعوته الأحزاب لتقديم قيادات صف رابع  أو خامس للترشح للحكومة، خرج المشيشي في نقطة إعلامية ليقول لنا أنه توصّل في المحصلة إلى اكتشاف وهو “أنّ الصيغة الأمثل لتكوين حكومة، هي حكومة كفاءات مستقلّة تماما، تتوفّر في أعضائها شروط النجاعة والنزاهة والجاهزيّة وتكون قادرة على العمل في تناغم، لتحقيق أهداف برنامجها”…

وخرجت بالتوازي مع تصريح هشام المشيشي الأخير جوقة حكومة تكنقراط على الواجهة، الذين لطالما لطموا الخدود وشقوا الجيوب حزنا وفرقا وخشية على حال البلاد والعباد التي دمرتها الأحزاب ولن يصلح حالها إلا التكنوقراط “المستقلون”.. وعادت الدعوة إلى حكومة كفاءات غير متحزبة لتقود البلاد في المرحلة القادمة.. مبررهم في ذلك فشل الأحزاب وتجنب المحاصصة السياسية وتحييد الادارة، والحاجة إلى كفاءات تقنية للقيام بالإصلاحات والانجازات التي تحتاجها البلاد..

كل هذا في ظاهره جميل، فالبلاد اليوم في حاجة حقيقة إلى كفاءات وإلى انجازات وإلى إصلاحات كبرى بلا شك، ولكن إذا سلمنا جدلا بوجود هذه النُّخبة وبمؤهلاتها العلمية، فما هي آليات اختيارها؟ وما الضّامن لحيادهم وعدم ارتباطهم وتبعيتهم للجهات التي ترشحهم وتقف خلفهم من أصحاب المشاريع الفكرية والحزبية وحتى الاقتصادية؟ وهل أثبتت التجربة السابقة التي مضينا خلالها في حكومة تكنوقراط استقلالية هؤلاء التكنوقراطيين فعلا؟ ألم يشكل أغلبهم أحزابا سياسية ليخوض بها معاركه السياسية الانتخابية؟

ألم نعاين وزراء ذوي خبرات فنيّة جيّدة جدّا في مجالهم، لكنهم يفتقرون للحدّ الأدنى من الخبرة السياسية، بمعنى ماذا يقولون ومتى وبأي صيغة، وأنّ ما قد تقوله اليوم ويكون مقبولا من الناس، قد لا يصبح كذلك في ظرف آخر، وهكذا؟

ثم ألا يعتبر مواصلة الحديث اليوم عن تكنوقراط غير مسيسين ومحايدين وكأنهم جيء بهم من كوكب آخر، بيع جديد للوهم واستخفاف بالعقول لتمرير مشروع تهميش دور الأحزاب كمشاريع مجتمعية ثم وأد المنظومة الحزبية ومن ثمة خطر الموت السريري للسياسة واستبدالها بمنظومة أخرى لا مكان فيها للأحزاب؟ وهو ما يفتح الباب أمام عودة القبائل والعشائر والطوائف..

في الحقيقة لم يعد خفيا مطلقا على المتابعين للشأن السياسي التونسي ولا للرأي العام أنّ مشاورات تشكيل الحكومة وصلت إلى مراحل متقدمة ومقرها قصر قرطاج مقابل مشاورات فلكلورية للمشيشي في قصر الضيافة، وأن هذه الحكومة هي “حكومة الرئيس” بامتياز.. حكومة الرئيس قيس سعيّد أكثر حتّى ممّا كانت عليه حكومة الفخفاخ..

فالمكلف هشام المشيشي لا يملك هامشا كبيرا للفعل أو المبادرة أو القرار الفردي لأنه ببساطة يتحرك داخل الأطر والحدود التي رسمها وفرضها عليه الرئيس وحاشيته.. وقصر قرطاج الذي يقود المسار تشكيل الحكومة فعليا لم يخف موقفه من الأحزاب ومن الحياة الحزبية ولا مشروعه باستبدال المنظومة الحزبية بمنظومة أخرى لا مكان فيها للأحزاب.. ومن ثمة فإن الحديث الحاجة إلى حكومة تكنوقراط بحجة تفتت المشهد الحزبي وعدم جديّة الأحزاب وتنازعهم، لا يمكن أن يفهم إلا في سياق أنه مجرد سدّ لذرائع المضي في تنزيل إيديولوجيا جديدة جوهرها “من تحزب خان”..

هذه الإيديولوجيا المدمرّة التي كل ما نعرفه ونذكره عنها أنها كانت السبب في تعرض المجتمع الليبي لأسوأ فوضى عرفتها المنطقة، عندما شرع القذافي في تطبيق أفكار كتابه الأخضر بالقوّة على المجتمع الليبي.

 

من تحزب خان واللّجان الشعبية

حين كان المنطلق تكريس مقولة من “تحزب خان”.. حيث نكّل النظام بالأحزاب ومنع تشكيلها تحت أي مسمى وزج بقادتها والمنتمين إليها في السجون. وطبق النظام مقولة “البيت لساكنه” بتعسّف ومن دون استفتاء إذ أصبح كل إنسان يسكن في بيت بالإيجار يملك هذا البيت. وتخيلوا وقع هذا الأمر على القطاع العقاري الذي أحرقت ملفاته فيما بعد عمدا من قبل أجهزة النظام من اللجان الثورية، ليصبح من الصعب على أي شخص يملك عقارا تقديم دليل على ذلك. ووفقا لهذا التطبيق الفوضوي المجحف عمت الفوضى والتذمر.. والأسوأ من كل هذا، ما حدث بعد ذلك، إذ أطلق القذافي العنان للجانه الشعبية بتحريض جموع العمّال والحرفيين والقوى العاملة الأخرى على (الزحف) على المنشآت والمصانع والأماكن التي يعملون فيها لتشكيل لجان شعبية تدير هذه المصانع موهمهم بأنهم سيتحوّلون من أجراء إلى شركاء..

وبدأ العمال في الزحف على المصانع والمؤسسات والمحال التجارية وشكلوا فيها لجانا شعبية لتسيير أمورها وطردوا أصحابها الحقيقيين، وساء الحال في ليبيا، بسوء الإنتاج وقلته، إذ نقصت طاقات المصانع والمنشآت المزحوف عليها، وأهملت وخربت. ولم تمض خمس سنوات حتى نزعت ملكية جميع المصانع والشركات من أصحابها. وهذه اللجان الشعبية التي أمر القذافي بتشكيلها كانت لها الصلاحيات الكاملة في كل شيء. فدبت الفوضى في كل مكان وعانى الشعب الليبي من بطش هذه اللجان وإرهابها.

ثم ظهر ما سماه “التصعيد الشعبي” وهي عملية فوضوية حيث يختار الناس في مناطقهم المختلفة شخصا ويعينونه أمينا على الاقتصاد مثلا أو الصحة أو التعليم. وأدى هذا إلى هيمنة القبائل الكبرى على أعمدة الدولة. كما أن الاختيار لم يكن مدروسا فعادة ما يختار الناس شخصا ليس مؤهلا بل أميا وحدث هذا مرارا.

أربعة عقود من الزمن عاثت فيها اللجان الثورية فسادا وفوضى وخرابا وإرهابا للناس.. وحصرت فيها على الليبيين أنفاسهم.. وأرغمتهم بالقوة على ترديد مقولات القذافي..

وأصبحت ليبيا بالكامل ملكا لرجل واحد يتحكم في ناسها ومالها ونفطها وسمائها وأرضها، إنها الدكتاتورية المطلقة..

 

لا ديمقراطية دون حزبية

هذه كانت النتيجة التي نعرفها ونذكرها جيدا لتجربة القضاء على الأحزاب والاجهاز على الحياة الحزبية، وهكذا سيكون المشهد بعد موت السياسة، دكتاتورية وفوضى وحكم الزعيم الواحد الذي لا ينازعه حكمه أحد سلاحه لجان شعبية هي أقرب إلى ميليشيات أو عصابات يضرب بها مخالفيه ومن يرى غير ما يراه..

إنّ الحقيقة الأساسية التي على كل تونسي يؤمن بالثورة ويخاف على المسار الديمقراطي التي مضت فيه تونس منذ ثورة الحرية والكرامة أن يعيها اليوم، هي أن الديمقراطية الحقيقية لا تقوم إلا على دعامات أساسية وهي الأحزاب، الأحزاب التي تتمكن من تأطير قوى المواطنين الأفراد في قوى سياسية منظمة، يلتقون في إطارها حسب الأهداف والرؤى الفكرية والسياسية التي يتفقون عليها، ويمارسون من خلالها حقهم الطبيعي في المشاركة في صناعة القرار العام..

وما قد يرتكبه المنتسبون إلى أحزاب سياسية من أخطاء في الممارسة، أو بعد عن الروح الوطنية، يجب ألا يؤخذ على الحزبية نفسها، كآلية لتنظيم عمل المواطنين السياسي من خلال أطر منظمة مؤهلة لممارسة السياسة والمشاركة في عملية صنع القرار وتنفيذه.

علينا اليوم أن نواجه مشروع تجريم الحزبية بمقولة تقول (لا ديمقراطية من دون حزبية). وبالفعل لن يكون لنا أمل في تأسيس دولة ديمقراطية، دون ترسيخ القناعة بالعمل الجماعي المنظم، من خلال الأحزاب السياسية، كأساس للممارسة الديمقراطية الناضجة، ثم السعي لتطوير أداء الأحزاب، حتى يرتقي إلى ما نأمله ونرجوه من أداء واع راق، يستطيع أن يتعالى فوق المطامع والمصالح الحزبية الضيقة، إلى آفاق المصلحة الوطنية العليا. وإذا ألغيت الأحزاب فلن يكون ذلك إلا في أفق إلغاء الدولة نفسها.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق