الافتتاحية

حكومة مقسّمة بين القصبة وقرطاج..
هل تدفع عكاشة “وزراءها” للتمرّد على المشيشي وتشكيل كيان مواز للحكومة في القصر الجمهوري؟

في ذيل الخبر الذي نشر بموقع رئاسة الجمهورية عن اللقاء الذي جمع الرئيس قيس سعيّد بوزيرة أملاك الدولة والشؤون العقاريّة ليلى جفّال، تمّت الإشارة إلى “إحداث لجنة لدى رئاسة الجمهورية لمتابعة ملفّات الأموال المنهوبة ومتابعة كل التجاوزات المتعلّقة بأملاك المجموعة الوطنية داخل تونس وخارجها.”
وجاءت الإشارة لإحداث هذه اللجنة بعد مقدّمة طويلة تتحدث عن الحرص على تطبيق القانون تطبيقا كاملا على الجميع وعلى قدم المساواة ودون استثناء ووضع مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات.
ورغم أن أغلب وسائل الإعلام تجاهلت هذا “القرار” الوارد على هامش خبر لقاء الرئيس بالوزيرة، إلا أن عددا من المراقبين، طرحوا جملة من الأسئلة والمخاوف من هذه الخطوة ودلالاتها..
فما هي صلاحيات هذه اللجنة وما هي حدود تدخلها؟ وهل ان تطبيق القانون مخول للقضاء ام لجهات اخرى؟ اليس في هذا الامر سطو على صلاحيات الحكومة والقضاء وتدخلا فيهما؟ هل أن إحداث هذه اللجنة سببه عدم الثقة في نزاهة وكفاءة القائمين على وزارة املاك الدولة والعاملين بها؟ أم هي محاولة جديدة من مستشاري الرئيس لفرض هيمنتهم على الحكومة من الباب الخلفي بعد أن فشل “القصر” في سجن المشيشي بين جدرانه؟ وهل يستعمل القصر الوزراء الموالين له في الحكومة لفرض هيمنته عليها؟ أم أن قرطاج تريد إفشال حكومة المشيشي عبر إرباكها ودفع وزراء نادية عكاشة للتمرّد عليه؟
هذا الأمر إن صح سيكون في غاية الخطورة، لا فقط لأنّه يمثل مسعى جديدا للرئيس ومن حوله، للالتفاف على الدستور وفرض نظام رئاسوي مطلق يصبح فيه القصر هو الذي يسيّر الحكومة ويتحوّل فيه رئيس الحكومة إلى مجرّد مستكتب لدى قرطاج مكلف بالقصبة.. ولكن لأنه سيزيد من حالة الإرباك والاستقطاب السياسي الذي تعيشه بلادنا، ويخلق انقساما جديدا في البلاد، داخل الحكومة نفسها هذه المرّة.. وسيضرب في العمق مبدا فصل السلطات الذي يعتبر من اهم مكاسب تجربتنا ودستور 2014، وسيفتح الباب من جديد لتسخير القضاء في تصفية الحسابات ونعود لاستخدام الملفات في الخلافات والصراعات السياسية.
الخشية اليوم أن نتحوّل من مشهد حكومي تتصارع مكوّناته المختلفة فيما بينها، إلى مشهد حكومي منقسم بين حكومتين حكومة وزراء المشيشي وحكومة وزراء سعيد/عكاشة..
هذه المخاوف لها ما يبرّرها وهي ليست مجرد أوهام أو تكهنات، فالرئيس بدا خلال الكلمة التي ألقاها بمناسبة أداء الحكومة لليمين الدستورية، في حالة حنق شديد ولم يستطع كبح مشاعره واخفاء انفعالاته، إضافة الى ان كلمته كانت كلها وعد ووعيد وتوعّد بما هو أسوأ.
وكان واضحا من خلال الرسائل التي تضمّنتها الكلمة أن الرئيس لم يكن راض على تمرير الحكومة وأنه لن يسمح لها بأن تظل خارج سيطرته.
يضاف الى ذلك إشارات أخرى، قد لا تكون مقصودة، ولكنها في هذا السياق العام المتّسم بانعدام الثقة بين القصبة وقرطاج، يمكن أن تُقرأ على أنها تعبيرة من تعبيرات الصراع الخفيّ بين القَصْرَيْن.. ومن ذلك مثلا، استقبال وزير الداخلية لوزير الثقافة، الأمر الذي طرح عدّة نقاط استفهام، عن مغزى ودلالات هذا “الاستقبال” الذي بدا فيه وزير الداخلية وكأنّه رئيس حكومة يستقبل وزيرا في حكومته..
فمبررات اللقاء لم تكن مقنعة كالتنسيق بين الوزارتين و”تأمين المؤسّسات الثّقافيّة وتسهيل الأنشطة ذات العلاقة باختصاص الوزارتين”، خاصة وأن موسم المهرجانات والاحتفالات ولّى وانتهى.. إضافة إلى أن الوزيران محسوبان على الرئيس، فالأول كان أحد أعمدة حملته الانتخابية والثاني فرضه الرئيس على المشيشي فرضا وقال قولته الشهيرة عن أعمى البصر وأعمى البصيرة..
فهل أن المطلوب من هذا اللقاء إرسال رسالة إلى المشيشي مفادها أنك لست مركز الثقل في هذه الحكومة؟ أم إشعاره بأن بقاءه في منصبه لن يطول، ومثلما خلف هو الفخفاخ وكان وزير داخليته، فإن وزير الداخلية الحالي الذي يتصرّف كرئيس حكومة سيكون خلفا له؟
اليوم وعندما نرى بعض الوزراء المحسوبين على الرئيس يتصرّفون بمنطق التحدّي لرئيس الحكومة، ندرك ان الامر جلل، وان الامر لم يعد يتعلق بالتجربة والانتقال الديمقراطي بل بالدولة نفسها ووجودها.. لان قيام عضو بالحكومة كوزيرة الفلاحة بتعيين مدير ديوان دون استشارة رئيس الحكومة وفي مخالفة تامة للترتيبات التي وضعها، وهو ما فهم على أنه جس نبض ومحاولة “تجريبية” لتحدّي رئيس الحكومة وجعله “طرطورا” لا يسيطر على شيء في القصبة، بينما تسيّر قرطاج دواليب الدولة بـ “الريموت كونترول”.. هذا يعني نهاية ما تبقى من كيان للدولة ومؤسساتها، ونكون حينها قد جاوزنا مرحلة العبث الى مرحلة الجنون.
وضع يذكرنا بشعار مهمّ رفعه رئيس الحكومة بعد ما راج من أخبار عن خلافه مع الرئيس وقوله حينها “لا ولاء إلا لتونس”.. واليوم نحن أمام الاستحقاقات التي يفرضها هذا الشعار.. فإما الولاء لتونس وللدولة – ككيان بات وللأسف الشديد مهددا – وللدستور وللنظام السياسي الذي أقرّه، أو الولاء للأشخاص والقصر ومستشاريه حتى وإن كان ذلك مخالفا للدستور وللنظام السياسي، الذي أقسم رئيس الجمهورية على احترامه..
خلاصة المشهد تتمثل في رئيس يبدو أنه يُكّن عداء شديدا للحكومة وخاصة رئيسها وسيعمل من خلال فريقه الذي فرضته نادية عكاشة على استعادة التحكّم والسيطرة في الحكومة أو إرباكها ومحاولة إفشالها.. ما يعني وفق البعض أننا مقبلون على “معركة” كسر العظم بين القصبة وقرطاج، وأن الرئاسة وخاصة بعض المستشارين فيها، مستعدّون للدفع بالبلاد للمجهول من أجل استعادة “دفة القيادة”. وفي هذا السياق قد يعمد سعيّد ومن حوله إلى اللّعب على قضية حساسة وغاية في الخطورة وهي محاربة الفساد للالتفاف على الحكومة ومحاولة خلق حكومة موازية في القصر عبر اللجان مثلما وقع مع وزارة أملاك الدولة..
ولكن كثيرين يعتبرون أن هذه اللعبة مكشوفة، فسعيّد الذي عيّن رئيس حكومة اتُّهم بالفساد، وظلّ على علاقة وطيدة به، واستقبله مرّات عديدة حتى بعد توجيه الاتهام إليه وتقديم استقالته من رئاسة الحكومة، واستقبله أيضا بعد تنحّيه، قبل أن يستقبل المشيشي، وهو الذي سكت عن كل الملفات التي تفجّرت منذ توليه رئاسة الجمهورية، لا يمكن أن يكون جادّا في محاربة الفساد ولن يكون أحرص من غيره على أموال التونسيين إلا إذا كان يريد أن يرث جلباب الطهورية الذي نزعه وزير مكافحة الفساد السابق وتركه خلفه عند باب القصبة..
تبدو بلادنا مقبلة على فصل شتوي شديد البرودة مناخيا وملتهب سياسيّا، وليس هناك من حلّ سوى الرجوع إلى القانون والدستور والتزام كل جهة بحدود صلاحياتها.. حتى تعمل مختلف مؤسسات الدولة في انسجام وسلام فيما بينها.. وحتى نستطيع مواجهة التحديات التي تنتظرنا.
وبالنسبة للرئيس فإن حرصه على أموال التونسيّين وعلى محاربة الفساد يجب أن يترجم عبر تقوية الأجهزة الرقابية القضائية والمالية والامنية والديوانية ودعمها معنويّا وسياسيّا، لا التدخل في شؤونها وسحب جلّ الصلاحيّات منها وتشتيت مرجع النظر الخاص بها.
وبالنسبة لرئيس الحكومة عليه ضبط فريقه الحكومي ليفهموا ويدركوا جميعهم أنهم مسؤولون أمام رئيس الحكومة المكلّف من البرلمان وليسوا مسؤولين أمام من كلفوهم من مستشاري القصر.. وإلا فإن عليه الذهاب إلى تغيير حكومي في أسرع وقت ممكن.. لأن تونس لن تتحمل أربع سنوات من التشتت الحكومي بعد 9 سنوات من التشتت السياسي .

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق