راي رئيسي

حلول تونس الاقتصادية تنتظر حوارا من كوكب آخر

نعيش هذه الأيام على وقع ما حصل في شركة الخطوط التونسية من أحداث متسارعة شدت انتباه الرأي العام التونسي وكالعادة عندما تتحول قضية إلى محل جدل تحت أضواء الإعلام تتداخل الأطروحات وتتنوع بتنوع المتدخلين وغاياتهم وخلفياتهم وبتنوع الطرح الذي توضع الأمور في إطاره في تداخل بين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. لينحصر الجدل في الأخير إلى صراع سياسوي يضع المشكل الحقيقي جانبا ويتفرع به إلى غصن لا يثمر طيبا.  سنة أو يزيد من المعاناة العالمية مع فيروس خفي انتشر سريعا واستهدف الجهاز التنفسي للبشر ومحركات الاقتصاد العالمي. اقتصاد ما قبل الجائحة لا يمكن أن يكون اقتصاد ما بعدها وأطروحات العولمة والتفاعل العالمي الإيجابي القائمة أساسا على تقريب المسافات الجغرافية والثقافية والجبائية أصابها الفيروس إصابات مباشرة سيترك فيها مخلفات جوهرية.

إصرار فضاءات اقتصادية وسياسية قوية على وحدتها جعلها تضع خطة إعادة دفع تقوم أساسا على فكرة الفضاء الواحد حيث نجد أن دول الاتحاد الأوروبي تفكر مجتمعة في ضخ أموال في اقتصاداتها بتوجه واضح نحو دعم استهلاك المنتوج الأوروبي لتتحمل الدول تبعات الجائحة بعقلية الاستثمار وحماية القدرة الشرائية للمواطنين فمن جهة يتم الترفيع في عائدات المستهلكين مع ضمان توجههم للسوق الأوروبية وهي أموال تنفق لزيادة الاستهلاك وتنشيط العجلة الاقتصادية ومن جهة أخرى يتم دعم المستثمرين والشركات بأنواعها أي الكبرى والمتوسطة وحتى الصغرى حتى تحافظ على النسيج الاقتصادي بل وتهتم هذه الخطط بالتشجيع على الاستثمار وخلق شركات واستثمارات جديدة في هذا الظرف بالذات. خطط إعادة دفع الاقتصاد التي تقترحها دول الاتحاد الأوروبي مثلا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا بعد سنة من الجائحة ليست كما يظن بعضنا قائمة على وفرة مال بل هي دليل على وضوح رؤية سياسية وتوجه تضامني بين الفضاءات الاقتصادية الكبرى في مواجهة وضع صعب جدا متوقع بعد انقضاء الجائحة بإذن الله.

بالعودة إلى ما نراه في تونس نجد أننا نزداد عزلة على عزلتنا فمن المؤكد أنه لا مخرج لاقتصادنا من أزماته إلا برؤية في إطار تضامني مع فضائنا الإقليمي أي علاقتنا شرقا بليبيا وغربا بالجزائر وشمالا بالاتحاد الأوروبي وجنوبا بدول قارتنا الإفريقية وكذلك شراكتنا مع من أيّدنا فعليا بعد الثورة من دول انخرطت في دعم مسار الديمقراطية التونسية الناشئة ثم مع هؤلاء تفاعلنا مع رؤية الولايات المتحدة الأمريكية للدور التونسي في المنطقة. في الظروف الحالية التي تتميز بضبابية شراكاتنا الإقليمية والدولية، فإن أهم الأخطار المحدقة بتونس هو وضعها لخطة إعادة دفع للاقتصاد بحوار على كوكبنا الخاص برؤية شعبوية تحرمنا من ضمانات حقيقية لتجاوز أزمتنا سريعا بل ومن الاستفادة منها إذا أحسنا إدارة الحوار الآن من خلال دبلوماسية نشيطة على أساس رؤية واضحة.

إن مثال شركة الخطوط التونسية التي نريد أن نجد لها حلولا بجلسات في مكاتبنا المغلقة بمواقفنا الاقتصادية والاجتماعية المتطرفة وبرؤيتنا الغائبة مثال واضح لما يمكن أن نقدم عليه من توجهات عقيمة لا تثمر حلولا فكيف نصلح شركة على عراقتها ورصيدها الثري المهمل، مصيرها مرتبط أساسا بعلاقتها بالعالم وبتحديد وجهتها قبل إقلاعها. تحتاج تونس إلى حلول حقيقية واقعية لا يمكن أن تراها إلا إذا غادرنا كوكبنا المعزول إلى فضاء العالم المليء بالفرص معتمدين على كفاءاتنا العلمية التي تزخر بها تونس. وهو ما يجعلنا نحتاج اليوم عاجلا غير آجل إلى لجنة علمية اقتصادية بقدر ما احتجنا خلال السنة الفارطة إلى اللجنة العلمية الصحية. لجنة تسبق الحوار الاقتصادي الذي طال انتظاره ويبدو أنه لن يتم على كوكبنا قريبا..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق