أهم الأحداثاخر الأخباررأي رئيسيراي رئيسيوطني

حل البرلمان : حلم الانقلابيين أم رغبة الرئيس؟

الحل الأصعب سياسيّا هو أن نتمسك بوحدة الدولة وبالسلم الأهلي كخط أحمر، ونناور ما استطعنا لتجنب الحرب الأهلية، ونتمسك بالأقصى من مكاسب منجز 14 جانفي، ونتعكّز دون أن نتثاقل في الدرب الاصعب، وهو تحديدا التمسك بالحامل السياسي والمدني للمعركة.

بدأت الدعوة إلى حل البرلمان ونسف النصاب الدستوري القائم، أيّاما بعد انتخابات التأسيسي مع مبادرة الموازي باقتراح محسن مرزوق نشطها سمير بالطيب لاحقا وأغلب من تداول على منابر بالقاضي والبلومي وعكاشة زمن حكم الترويكا وكادت أن تنتهي بمصيبة التحارب الأهلي لولا حكمة النخب التي أدارت مبادرة الرباعي يومها.
الدعوة تتجدّد مع كل بداية سنة سياسية بصيغ متعدّدة ورسالة واحدة مدارها استعداد الخاسرين من الديمقراطية لإسقاط السقف على الجميع.
الجديد والقلق في هذه الدعوة أنّها تتقاطع اليوم مع برنامج الحكم المجالسي في ما سمّي ببرنامج الرئيس، والذي وصل قرطاج مدججا بشرعية حوالي ثلاثة ملايين ناخب، وفي ظلّ مركب حكومي هش، أقلّ تماسكا وانسجاما من كل الحكومات التي تداولت على القصبة بعد الثورة.
لا شك أن عبث بعض النواب، وفساد البعض، وفضائحية مشاهد التلاسن والسب بالمباح وغير المباح داخل قبة البرلمان، قد ساهمت في اقتناع الكثير من التونسيّين بعدم أهليّة النخب السياسية لحكم البلاد وتسطير مصيرها. هذا وأكثر منه معروف ومتداول لدى الرأي العام منذ صولات ابراهيم القصاص وسب الجلالة على لسان النائب اليساري منجي الرحوي. فالمواقف العام من الأداء البرلماني كان ومازال مشككا في جدية المؤسسة، وأهليّتها للقيام بدورها المركزي والحيوي في الحفاظ على توازن النظام السياسي الجديد الذي أقره دستور الثورة، فضلا عن وظيفتها التشريعية والرقابية.

الجديد في العهدة النيابية الحالية هو ترأس الاستاذ راشد الغنوشي للبرلمان في خطوة رمزية قوية قوامها تطبيع الإسلاميّين التونسيّين لعلاقتهم مع الدولة، وإحداث قطيعة عنيفة في مخيال ووعي النخب اللائكية التي لم تستوعب – ولا تريد أن تستوعب – إلى اليوم حقيقة النقلة التاريخية العميقة التي أحدثتها الثورة بعنوان النقلة بالإسلاميّين من هامش المجال السياسي إلى قلب مجتمع الحكم.

لست هنا بصدد تقييم مبادرة حركة النهضة بترشيح رئيسها للبرلمان ثم بتقديمه لرئاسته، ولكن اسجل فقط أنّ النهضة قد غامرت بتصدير آلة الدعاية السوداء ضدها من مونبليزير إلى باردو،
لتمرر من خلالها رسالة استراتيجية فارقة مفادها أن رغبة، أو إرادة، أو أجندة استئصال للإسلاميّين ستكون مستقبلا في مواجهة مفتوحة مع الدولة وعلى حسابها.

الدعوة الموسمية لزرع مفاعيل التهارج الأهلي والفوضى تأخّرت هذه السنة من الشتاء إلى الربيع بفعل تأخّر تشكيل الحكومة وأزمة الوباء. والجديد في دعوة هذا الموسم ليس التوقيت فقط بل أساسا في تقاطع هذه الدعوة مع برنامج قيس سعيد الداعي لشطب الديمقراطية التمثيلية لصالح الديمقراطيّة المجالسية المباشرة، وشدّة هجوم الصفحات المحسوبة على أنصاره على الأحزاب السياسية ورموزها والدعوة المتكرّرة لحلّها وإعادة تشكيل المشهد على نموذج النظام الرئاسوي الأبوي الوصيّ على الموجود السياسي.

نلاحظ عند هذا الحدّ التركيز الممنهج للدعاية السوداء على حركة النهضة وتحميلها المسؤولية الأخلاقية والسياسية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي الكارثي، وهذا التركيز والتكثيف لمعاني الدعاية الخبيثة القائمة على الافتراء والكذب والأشعة، لا يحيل على حجم مسؤولية حركة النهضة على مآلات الوضع، بقدر ما يحيل على وعي الأذرع الداخلية والغرف الخارجية بأن النهضة كانت ولا زالت من أهم دعائم التجربة الجديدة ومقوّمات استقرارها، بل وعنوان التحوّل التاريخي العميق من زمن الاستبداد إلى زمن الحرية.

ما يقلق في هذه الدعوة إلى جانب التقاطع مع برنامج الرئيس هو هشاشة التركيب الحكومي في القصبة، وعدم امتلاكه للشروط الاستقرار والاستمرار، وذلك بالنظر لحدّة التناقض الإيديولوجي بين الاسلاميّين والقوميّين، والذي برز في تصعيد الموقف من الملف الليبي والدعم اللامشروط الذي عبر عنه رموز حركة الشعب العربية لميليشيات المشير حفتر المدعوم من المحور الاماراتي المصري وفرنسا، خاصة بعد الهزائم الميدانية التي تكبّدتها في الأسابيع الماضية وتراجعها إلى الشرق تحت ضربات حكومة السراج المدعوم من تركيا وقطر.
ليس جديدا دعم التيار القومي للنظام السوري وكل الدول والأطراف العاملة على إجهاض الثورات العربية والانحراف بها إلى مربّعات الارهاب والتقاتل الأهلي، الجديد الصادم هو أن ذلك الموقف يصدر عن حزب حاكم من المفترض أن يلتزم بالسياسة الخارجية للدولة، والتي ما فتئت تذكر في مواقفها على مبدأ الحياد والالتزام بالشرعية الدولية. ولا يمكن تفسير هذا الشذوذ السياسي المقرف إلّا بدالة العبث بالمصالح العليا للدولة مما يجعل التقاطع بين فوضى المعنى في موقف حركة الشعب، وفوضوية الدعوة لإسقاط الحكومة وحلّ البرلمان وصمت مؤسسة الرئاسة غير المحمود، دلالات أعمق وأخطر من مجرّد الصدفة. وقد لا نتعسف إذا أوّلناها بتبادل الأدوار في أفق مؤامرة ممكنة الإطاحة بالموجود الدستوري والسياسي، خاصة إذا استحضرنا تغريدة طحنون ابن زايد على تويتر والتي توعّد فيها ثورتنا بمصير بقية بلدان الربيع العربي.
تفاهة الأصوات المنادية بالانقلاب على المسار تقلل من جديتها وتطمئن أنّها مجرّد دعاية سوداء لبث البلبل وتعميق الشرخ بين قرطاج وباردو والقصبة، وتفجير التناقضات داخل المركب الحكومي، ولكن عدم استواء الحالة السياسية على ثوابت راسخه، وتعدّد الأطراف الخاسرة من الديمقراطية، وتغوّل أذرع المافيا وحيتان السوق، وتقاطع استراتيجياتها في استفراغ الثورة من معانيها ومحمولاتها السياسية مع أجندة خارجية وإقليمية نشطة ومعلنه على عنوان إجهاض التجربة التونسية كفرقة ناجية من ظلمات لعبة الدم الرصاص في المحيط العربي. كل هذا وغيره يدفعنا إلى الحذر والاستعداد لكل احتمالات تطوّر الحالة التونسية التي تبحث عن ساعة تلتقط فيها أنفاسها وتتفرغ لإنجاز الممكن من أشواق التونسيين في حياة حرّة وكريمة وعادلة.
ما العمل؟ ثورة جديدة؟
الثورة على الثورة هي دائما ثورة مضادة وإن تلحفت بلحف تصحيح مسار الثورة الأولى، وحتى إن وقعت هذه الثورة فهي وإلى حدّ الساعة متروكة للقدر، بل بحساب الحاضر الوطني فستكون أكثر عفوية، وفائض العفوية سيرمي بها حتما في فوضى ثمنها سيكون من دماء التونسيين ولن يربح فيها رابح وسيخسر الجميع.
الاحتمال الثاني هو السقوط في مربع الفوضويين والاستجابة لغواية المباراة بالرصاص. يقيني في الحالة أن تونس الثورة لن تنتصر ليس لأن أعدائها أقوى، ولكن لأن تسعة أعشار مفاعيل التجارب الداخليّة بيد الخارج الإقليمي والدولي، أو هكذا أثبتت الحالات العربية في السنوات الأخيرة.
الحل الثالث – وهو الأصعب سياسة – هو أن نتمسك بوحدة الدولة وبالسلم الأهلي كخط أحمر، ونناور ما استطعنا لتجنب الحرب الأهلية، ونتمسك بالأقصى من مكاسب منجز 14 جانفي، ونتعكّز دون أن نتثاقل في الدرب الاصعب، وهو تحديدا التمسك بالحامل السياسي والمدني للمعركة، ومواصلة استراتيجية المناورة على ألغام القوى المتضرّرة في الداخل والخارج من الديمقراطية. وهذا لن ينجز الا باستراتيجية الدمج بين مصلحة الدولة ومصلحة القوى المؤمنة بالثورة والديمقراطية.
دعوة رئيس الجمهورية لتفعيل الفصل 80 من الدستور تصدر اليوم عن جيوب الردة والازلام وغر ف التآمر الاقليمي والقلق الجديد فيها وحولها هو تعبيرها عن رغبة معلنة من الرئيس في نسف أسس الديمقراطية التمثيلية.. هنا مكمن القلق وهنا صرّة المعنى.. وهنا علينا واجب التقريب بين الرئاسات وسد المنافذ على الأصوات المشبوهة التي تدفع بنعومة ممنهجة لاستعداء الرئيس والنفخ في مزامير الغيرة ومغالبة رئيس البرلمان ورئيس الحكومة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق