راي رئيسي

حملة لتخوين المعارضين وتجريمهم..
مناورة لتحويل وجهة المعركة من أزمة الديمقراطية إلى سؤال السيادة!

في 2006 شن الناطق الرسمي باسم الرئيس المخلوع بن علي ومستشاره الخاص عبد العزيز بن ضياء هجوما عنيفا ضد حقوقيين تونسيين ومعارضين سياسيين متهما إياهم بـ “الاستقواء” بالدول الأجنبية ومحاولة الاضرار بمصلحة البلاد.

وأشار إلى أن كثيرا من معارضي النظام القائم و”بائعي الضمير” – كما وصفهم – يتوجهون إلى سفارات دول غربية في تونس لنقل أكاذيب وافتراءات حول النظام.

وكان المخلوع يخوّن في أكثر من مناسبة منتقدي وضع حقوق الانسان والحريات في تونس وما سماهم “قلة من التونسيين، مفتقدة للضمير والروح الوطنية” الذين لا يتورعون (..) عن الالتجاء إلى الخارج للاستقواء بأطراف أجنبية وشحنها ضد بلادهم والتشكيك في انجازاتها ومكاسبها”.

واليوم رئيس الجمهورية قيس سعيد يستنكر في مكالمة هاتفية جمعته مع السيّد Josep Borell، الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية بالاتحاد الأوروبي، ما سماه بــ “المغالطات” التي يعمل عدد من التونسيين على اشاعتها حول وضع الحقوق والحريات بعد 25 جويلية 2021، ويتهم المعارضين الذين خرجوا في مسيرات تنديدا بالانقلاب على الدستور وعلى المسار الديمقراطي، بأنهم مأجورين وأنهم يدفعون الأموال لتنظيم مظاهرات زائفة في الشارع ومع ذلك فهو يتعامل معهم بلين..

واعتبر الرئيس في أكثر من مداخلة أن المعارضين المرتزقة كما ينعتهم دائما، يظللون السفارات بأخبارهم الزائفة والمضلّلة ويُحرضون الرأي العام الدولي ضد بلدهم.. بينما يضطلع تنسيقيات الرئيس بشن حملات التشويه والتحريض ضد معارضيه..

يعني لسنا بحاجة إلى الكثير من الاجتهاد والتدقيق لندرك أن خطاب التخوين هو ذاته مع اختلاف الأطر والحيثيات، نفس القوالب، نفس الأوصاف ونفس النعوت للمعارضين السياسيين.. تخوين واتهام بالعمالة والترزّق بتشويه النظام والحكام..

إذا اليوم كما بالأمس، نشهد محاولة مكشوفة ومحمومة من طرف رئاسة الجمهورية وتنسيقياتها ومن يدور في فلكها، لتحويل وجهة المعركة القائمة بعد 25 جويلية من المسألة الديمقراطية إلى مسألة السيادة، والاشتغال على سردية القديمة المتجددة التي تقوم على اعتبار المعارضين يتعمدون مغالطة السفارات وداوئر القرار والهيئات الدولية حول حقيقة الوضع في تونس..

ولكن للأسف الرئيس قيس سعيّد كما سابقيه، ربما سقط عنه سهوا أنّ السفير الأمريكي يعيش بتونس، وأنّ السفارات لا تستقي أخبارها من صفحات الفايس بوك أو التصريحات الإعلامية أو الخطابات الجماهرية، أو من الشائعات والوشايات..

وأنّ السفارة الأمريكية بتونس تملك طاقما من الموظّفين والباحثين والمحلّلين السياسيين، يدققون المعلومات ويقومون بتفكيكها وتحليلها، ويرصدون كلّ ما يصدر من مواقف من طرف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين من أحزاب ومنظمات وطنية ومجتمع مدني، ويقيسون انطباعات وتوجهات الرأي العام بالاعتماد على استطلاعات رأي دقيقة وحرفية خاصة بهم، ثم وبناء على كل ذلك يعدون تقاريرهم السياسية التي يرسلون بها إلى الإدارة الأمريكية..

وربما كذلك لم يخبروا السيد الرئيس أن السفارات الأوروبية هي الأخرى لها فريقها الذي يتابع ويرصد ويجمّع ويوثق ويعدّ التقارير، وأنها لا تشتغل بوشايات وتحريض ومغالطات المعارضين له..

لم يخبروه أيضا أن تونس ليست جزيرة معزولة عن العالم، وليست بمنأى عما يحدث من حولها من تحولات جيو-سياسية، وأن مصالحها ومصالح شعبها مرتبط بالضرورة بعلاقاتها الخارجية، وأنها ملتزمة كما غيرها من الدول بمعاهدات واتفاقيات، ليس لها خيار إلا احترامها والالتزام بما لها وما عليها، وأنها تعمل في أطار منظومة عالمية ليست هي من يضع شروطها ولا قواعدها.. ولم يخبروه أن السيادة في حد ذاتها يجب أن لا توضع في مقابل وعلى نقيض حماية الحريات وتمكين المواطنين من التعبير عن آرائهم وقناعاتهم، وأنّ قضية السيادة ستتحوّل إلى غطاء من أجل حماية انتهاكات حقوق الإنسان وهو ما عاشته تونس سابقا وما تعيشه شعوب أخرى في أوضاع متشابهة..

إذا رغم تخوين السيد الرئيس لمعارضيه واستنكاره لتحريض المعارضة لدوائر القرار الغربية لما سماه “تدخلا أجنبيا في الشأن الوطني” إلا أن ملف الأوضاع داخل البلاد خاصة بعد الإعلان عن التدابير الاستثنائية لا يزال يطرح اليوم في جدول أعمال البرلمانات الأجنبية بقوة.. وبعد اجتماع الكونغرس الذي حذر من وضع الديمقراطية في تونس وقال إنها “مهددة وفي خطر”، عقد البرلمان الأوروبي أول أمس الثلاثاء، جلسة عامة، اعتبر فيها أن النّظام الدّيمقراطي لتونس في خطر بسبب غياب الفصل بين السُّلطات.

كما أعرب البرلمان الأوروبي عن قلقه إزاء التحدي الخطير الذي يواجه الانتقال الديمقراطي في تونس، داعيا رئيس الجمهورية إلى العودة للديمقراطية البرلمانية وضمان سيادة القانون، وفق بيان نشر بالموقع الرسمي للبرلمان الأوروبي.

وبحسب موقع البرلمان الأوروبي تم عرض مجموعة من الحلول والنقاط على مداولات الجلسة المخصصة للملف التونسي والتي من المنتظر أن يقع التصويت عليها اليوم الخميس 21 أكتوبر 2021، وتتمثل أساسا في تعبير البرلمان الأوروبي عن قلقه إزاء التحدّي الخطير الذي يواجه الانتقال الديمقراطي التونسي، ودعوة رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى العودة للديمقراطية البرلمانية عبر اعادة عمل مجلس نواب الشعب، وضمان سيادة القانون، إضافة إلى الاعتراف بالانقسام العميق للنظام السياسي الحالي الذي حال دون تشكيل الأغلبية، ودعوته إلى إجراء إصلاح لهذا النظام مع الاحترام الكامل للنظام الدستوري، ولا سيما الفصل بين السلطات، وفي الضمان الكامل للحريات الأساسية وحقوق الإنسان..

كما تمّ التطرّق إلى ضرورة دعوة الاتحاد الأوروبي إلى مساعدة تونس في الحصول على اللقاحات والمعدات الطبية الكافية للتغلب على الأزمة الصحية التي يعاني منها البلد منذ فترة طويلة، مع التأكيد على حماية حرية الصحافة ووسائل الإعلام، وحرية التعبير، بما في ذلك للمدونين، باعتبارها عناصر حيوية ودعائم أساسية للديمقراطية.

ومن جانبها أيضا دعت لجنة الاعتمادات في الكونغرس الأميركي الإدارة الأميركية لمواصلة صرف المساعدات المخصصة لتونس ضمن برنامج الدعم والتمويل العسكري الخارجي لسنة 2022، لكنها تطالبها بتقرير قبل 45 يوما للتحقق إذا ما كان:

1- الجيش التونسي شارك أو ساند في تراجع الديمقراطية في تونس،

2- السلطات التونسية استخدمت أو اعتمدت على الجيش لتعزيز خطوات استبدادية،

3- السلطات التونسية بصدد اتخاذ خطوات ذات مصداقية لإعادة النظام الدستوري والديمقراطية، بما في ذلك ضمان حرية التعبير، والصحافة، والجمعيات، وحقوق نشطاء الأحزاب السياسية.

وكان السفير الأمريكي السابق بتونس “غوردن غراي” قد قال ردا على تصريح الرئيس سعيد الذي عبّر فيه عن استيائه من إدراج الأوضاع في تونس في جدول أعمال الكونغرس الأمريكي”، إن هذا دليل على أن الرئيس التونسي لا يُقدّر الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية رغم أنهما عنصران رئيسيان في كل من الدستور التونسي والدستور الأمريكي. ويقصد بذلك أن الكونغرس الأمريكي يتمتع بسلطة مستقلة عن السلطة التنفيذية في البيت الأبض ولا يعمل بتعليماته وما يمليه عليه في جدولة أعماله، وهو المفروض ما ينص عليه الدستور التونسي أيضا..

ويشار إلى أن النائب الديمقراطي الأمريكي “تيد دويتش” قال خلال جلسة افتراضية للجنة الفرعية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمجلس نواب الشعب لبحث التطورات في تونس إن “الديمقراطية التونسية في خطر” بعد شروع الرئيس قيس سعيد في فرض سلطات تنفيذية، مع استمرار تعليق عمل البرلمان، موضحا أن “هناك برلمانيون لا يزالون قيد الاحتجاز بتونس بتهم ذات طابع سياسي ودون مؤشرات على إعادة فتح البرلمان”، مبرزا أن “تونس حققت مكتسبات كبيرة منذ الثورة وعلى شعبها وقادتها مواصلة العمل على إقامة الحكومة التي يستحقون ويريدون”.

وبدوره، ذكّر النائب الجمهوري “غريك ستوبي” بأن الولايات المتحدة قدمت مساعدات تنموية وأمنية كبيرة لتونس دون أن ترى نتائج هذا الدعم، مضيفا ” إن الوقت قد حان لإعادة النظر في المساعدات الأميركية المقدمة إلى تونس.” وقال إن الرئيس قيس سعيد ليس صديقا، وأنه يدفع أجندة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل منذ حملته الانتخابية.

كما قال عضو الكونغرس الأمريكي توم مالينوسكي إن رئيس البرلمان وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، قابل العديد من كبار السياسيين والمسؤولين الأمريكيين خلال العديد من الادارات الامريكية وينظر إليه أعضاء الكونغرس الأمريكي من الجمهوريين والديمقراطيين على حد السواء بأنه القوة الايجابية في ذلك البلد، وأنه يرفض رفضا قاطعا من قال عكس ذلك.. وشدد مالينوسكي على ضرورة الاجتماع مع الأعضاء المنتخبين من تونس.. مذكّرا أن تونس كانت الدولة الوحيدة التي تخطت مشاكل الربيع العربي إلى حدّ الانقلاب على الديمقراطية، على حد تعبيره..

ونبّه إلى أنّ حجة الانحدار المطاطية عندما يتعلق الأمر بالتراجع الديمقراطي يجب أن تمنحهم جميعا سببا كبيرا للقلق. وبعض التحايلات الصغيرة حول الدساتير، وتجاوز سيادة القانون، وتقويض المؤسسات، يمكن أن تؤدي إلى مسار خطير، ونكتشف فجأة أنه فات الأوان لاستعادة هذه الديمقراطية الهشة.

وأضاف مالينوسكي: “الآن، نحن بحاجة إلى مضاعفة جهودنا الدبلوماسية إلى جانب حلفائنا الأوروبيين، ويجب ألا ننتظر حتى يتدهور الوضع أكثر في تونس حتى نتحرك.”

إذا خلاصة القول وزبدته، أنه كان على السيد الرئيس أو من غالطه، أن يفهموا جيدا أن تونس لها عمقها الاستراتيجي والجيو-سياسي، وأن محاولة عزلها عن محيطها الدولي والإقليمي، أو الزج بها في لعبة المحاور الضيقة والهشة، مجازفة خطيرة لا يتحمل استتباعاتها لا الوطن ولا الشعب.. ومن ثمة فالاشتغال على سردية تخوين المعارضين بحجة السيادة الوطنية، وبمنطق ليس لأحد الحق في التدخل في شؤوننا، ولنا أن نفعل ما نبغي بلا حسيب ولا رقيب وكأننا في جزيرة مجهولة ومعزولة، باتت سرديات بائدة ومتهالكة وغير منتجة.. فبسيادة شعب من الرعايا، وبديمقراطية شكلية لا تعترف بحقوق المواطنة، لا يمكننا أن نتحدث عن السيادة الوطنية وقاعدتها، كلّما كنت حرّا كنت سيّدا وكذا بلدك..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق