الافتتاحية

خارطة طريق..
تشكيل الحكومة .. إعادة المسار الديمقراطي .. المحكمة الدستورية..
وانتخابات سابقة لأوانها

أيا كانت مواقفنا مما جرى منذ 25 جويلية إلى الآن، وسواء اعتبرناه محاولة لإنقاذ البلاد من العبث والفوضى التي تردت إليها، أو محاولة للانفراد بالسلطة، فالثابت الوحيد اليوم، أن هذه الإجراءات لم تُصلح الوضع، بل لعلّها زادته تعقيدا، وباتت تهدّد كيان ووجود الدولة نفسه.

ولا أحد اليوم يمتلك رؤية واضحة لمآلات الأوضاع في بلادنا، ولا أحد بمقدوره أن يجيب التونسيين هل هم فعلا على الطريق الصحيح للإصلاح؟ أم أننا قد نضع البلاد لا قدر الله على حافّة المجهول؟

صحيح أن الأوضاع قبل 25 جويلية لم تكن لترضي أحدا، وصحيح أن غالبية التونسيين كانوا يطالبون بالإصلاح، ولكن هذا لا يبرّر في اعتقادي أن يكون الإصلاح عبارة عن قفزة في المجهول، دون رؤية ودون وضوح رغم دقّة المرحلة وخطورتها..

البعض قد يستسهل الأمر، وقد تأخذه نوازع ايديولوجية أو سياسية، فيدفع باتجاه تصفية الحسابات والانتقام، متغافلا عن الصعوبات الاقتصادية الجمة والاختلالات الكبيرة في التوازنات المالية، في حين أن ما يتطلّبه إصلاح الأوضاع إلى جانب الرؤية والوضوح، خارطة طريق واضحة تركز على التحدّيات الرئيسية التي تواجهها بلادنا، بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة.

نحن في اليوم الثالث عشر دون حكومة وبلا وزراء وبلا برلمان، في وقت نواجه فيه جائحة كورونا التي لا زالت تحصد المئات من التونسيين يوميا، وفي نفس الوقت نواجه تحدّيات اقتصادية ومالية كبيرة، بداية من تسديد القروض وبعضها يحين موعده هذا الشهر، إضافة إلى ضمان الأجور للأشهر الثلاثة المقبلة على الأقل، والمفاوضات مع صندوق النقدي الدولي المعطلة والتي يجب أن تعود في أسرع وقت ممكن..

وقد لاحظنا كيف سجلت بورصة تونس تراجعا في التعاملات، ونزل مؤشر السوق المالية “توننداكس”، بعد قرارات رئيس الجمهورية تجميد أعمال البرلمان وإقالة حكومة هشام المشيشي، وفقدت بورصة تونس في تداولاتها أكثر من 1.09 بالمائة من قيمتها، قبل الغلق النهائي للتعاملات كأول رد فعل للسوق المالية.

كما سجلت السوق المالية هبوط أسهم 31 مؤسسة مدرجة، مقابل ارتفاع قيمة أسهم 6 مؤسسات فقط، إلى جانب استقرار أسهم 11 شركة مدرجة، كذلك، لم يتجاوز عدد الأسهم المتداولة 496 144 سهما بحجم تداولات لم يتجاوز 1,8 مليون دينار.

ورأينا أيضا ما جاء في تقرير “فيتش” الأخير الذي لم يكن مطمئنا، وأكد أن تونس سيكون لديها صعوبات أكبر سواء في التعامل مع صندوق النقد الدولي أو في النفاذ إلى السوق المالية الدولية، وقد حذّر هذا التقرير من هذا الانزلاق الخطير الذي لا يبشر بمستقبل إيجابي على المستوى المالي، وبزيادة تخفيض ترقيمنا السيادي مجددا بما يمثله ذلك من مخاطر على قيمة الدينار ..

إذا التحديات الرئيسية التي نواجهها اقتصادية ولكنها سياسية أيضا.. لأن معالجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة يتطلب حدا أدنى من الاستقرار السياسي والحفاظ على المؤسسات الشرعية للبلاد… وهذا ما يتطلب وضع خارطة طريقة واضحة، بنودها الرئيسية كما يلي:

  1. تشكيل حكومة في أسرع وقت ممكن بكفاءة اقتصادية مقبولة داخليا ولها علاقات خارجية جيدة، وتكون شخصية توافقية.. حتى لا تدفع بالبلاد إلى الاستقطاب مجددا..
  2. عودة المؤسسات وعلى رأسها البرلمان إلى سالف عمله، حتى يتمكن من التصويت على قوانين الحكومة وتمريرها، وبذلك تكتسب هذه الحكومة غطاء شرعيا، يعطيها قوة وقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة، ويضفي عليها الشرعية المطلوبة داخليا وأمام المؤسسات الدولية التي لن تقبل التعامل مع مكونات خارجة عن الشرعية..
  3. هدنة اجتماعية لمدّة 3 سنوات على الأقل، حتى تستقر الأوضاع في البلاد، وحوار اقتصادي اجتماعي معمق حتى تستعيد المؤسسات نشاطها وتستعيد دورة الانتاج عافيتها، وتفسح المجال للبدء في إصلاح وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية المفلسة أو المتعثرة..
  4. إتمام تركيز المحكمة الدستورية، باعتبارها صمام أمان للحياة السياسية والدستورية والمؤسساتية في البلاد..
  5. الالتزام بالديمقراطية وبمكتسبات الثورة والعمل بما يقع التصريح به من التزام بالحقوق والحريات الفردية والجماعية، بما في ذلك حرية التعبير والحق في التنظم، ووقف عمليات الايقاف ضد النشطاء والمدونين والنواب والمحاكمات العسكرية ضد مدنيين، والعودة إلى الالتزام بالقانون والدستور، وإعادة الطمأنينة للتونسيين حتى تستعيد البلاد القدرة على العمل..
  6. فتح حوار وطني لا يستثني أحدا يكون هدفه رسم خريطة طريق جماعية لتونس ما بعد الأزمة، حوار يتأسس على المنجز الذي تحقق بعد 14 جانفي… ويتم خلاله مناقشة كل القضايا التي قد تكون عطلت أو عكرت الحياة السياسية في الفترة القادمة
  7. أخيرا وبعد إنجاز التوافقات اللازمة حول القانون الانتخابي وغيرها من القضايا، الذهاب إلى انتخابات سابقة لأوانها تعيد للبلاد استقرارها وللمؤسسات شرعيتها وتفتح على أفق وأمل جديدين للتونسيين.

عدى ذلك سنبقى ندور في الفراغ، وفي حلقة مفرغة، وستستمر حالة الترقب والغموض والضبابية وعدم وضوح الرؤية، وفي الوقت نفسه ستزداد أوضاع البلاد صعوبة ومؤسساتها ارتباكا، بما يشل الادارة التونسية عن الفعل وتقديم الاضافة المرجوة منها في هذا الظرف الاقتصادي الصعب..

لذلك لا مناص من العودة إلى الحوار، ومن يعتقد ان الحل في الاقصاء والعنف والترهيب والنسج على بعض الأمثلة في المنطقة، فقد تجاهل السياق التونسي وخصوصياته التي لا تسمح بتكرار ما وقع من شناعات في بعض الجوار العربي..

الشعب التونسي لا يمكن أن يدفع إلى التقاتل أو الحرب الأهلية، ولا يمكن لمؤسسات الدولة الوطنية ورجالاتها الشرفاء أن تنخرط في هكذا مغامرات تدفع إليها بعض القوى في بلادنا بهدف تصفية حساباتها مع خصومها..

نحن إذا معنيون جميعا بقراءة معمقة ومتأنية لما جرى، وإن وقع تحميل مسؤوليات لأي طرف فبالقدر الذي ساهم فيه في صناعة الأزمة، أما أن تتحول بعض الجهات التي أغرقت البلاد في الاضرابات وعطلت الانتاج وكانت السبب الرئيسي فيما نحن فيه اليوم إلى أنبياء طاهرين، يسمحون لأنفسهم بنصب محاكم لغيرهم وإلقاء كل التهم عليهم فهذا لن ينفع تونس ولن يساعد في الحل..

الحل اليوم في ان  يعترف كل طرف بأخطائه ويتحمّل مسؤوليته فيها، ويتنازل بالقدر الذي تتطلبه المصالح العليا للبلاد، حتى وان كانت التنازلات مؤلمة، ثم نلتقي على كلمة سواء لخدمة بلادنا.. ولا أعتقد أن لدينا حلا آخر غير هذا..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق