أهم الأحداثاخر الأخبارحصريوطني

خبراء قانون دستوري يعتبرون تأويل رئيس الجمهورية خارجا عن السياق ورغبة لتأبيد عدم إرساء المحكمة الدستورية

وجه رئيس الجمهورية قيس سعيد، يوم السبت 3 أفريل 2021، كتابا إلى رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي يبلغه من خلاله رده على القانون المتعلق بالمحكمة الدستورية والمؤرخ في 3 ديسمبر 2015.

وحسب بلاغ صادر عن رئاسة الجمهورية، علل رئيس الدولة لجوءه إلى حق الرد الذي يكفله له الدستور بجملة من الحجج القانونية أهمها تلك المتصلة بالآجال الدستورية التي نصت عليها الفقرة الخامسة من الفصل 148 من دستور سنة 2014، فضلا عن عناصر قانونية أخرى متصلة بما شهدته تونس منذ وضع الدستور إلى اليوم.

وشدد رئيس الجمهورية، أيضا، على ضرورة احترام كل أحكام الدستور بعيدا عن أي تأويل غير علمي بل وغير بريء، وفق نص البلاغ.

ويجمع المتابعون للشأن التونسي أن تواصل تعطيل إرساء المحكمة الدستورية سيساهم في تأزيم المشهد السياسي الذي سينعكس بدوره على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.

تأويل  منقوص وانتقائي

في هذا الإطار، أفاد المحامي والمحلل السياسي عبد اللطيف درباله بأن رئيس الجمهورية مارس آلية دستورية وهي حق الرد على القانون للقيام بقراءة ثانية طبقا للفصل 81 من الدستور، والتي تشترط أن تكون معلّلة من الرئيس، وتفترض إما إعادة تعديل البرلمان للقانون طبقا لملاحظات رئيس الجمهورية، والمصادقة عليه تبعا لذلك بالأغلبية المطلقة (109 أصوات)، أو إعادة التصويت عليه بنفس النص الأول شرط أن يكون ذلك بأغلبية معززة تبلغ ثلاثة أخماس الأصوات أي (131 صوتا).

وقال في تصريح لـ”الرأي العام” أن تعليل رئيس الجمهورية تضمن دفعا اعتبره قانونيا ودستوريا يتعلق بالتمسك بالفقرة الخامسة من الفصل 148 من الدستور التي تنص على إرساء المحكمة الدستورية في أجل أقصاه سنة بعد انتخابات 2014، حيث يرى رئيس الجمهورية أن المحكمة الدستورية أصبحت خارج الأجل القانوني، وذلك سبب لا يمكن تداركه حسب الرئيس.

وأضاف درباله: “وكأن برئيس الجمهورية ينظّر الآن بعدم وجود المحكمة الدستورية باعتبار انقضاء الآجال وبالتالي لا يمكن تدارك الأمر”.

كما أشار إلى أنه في صورة اعتماد البرلمان على أغلبية أكبر للتصويت على القانون (131 صوتا)، فإن رئيس الجمهورية استبق ذلك عن طريق التذكير في محتوى رسالته بتأويله الخاص المتعلق بكون ختم القوانين ليس مجرد إجراء بروتوكولي، وإنما هو يتيح له الحق في قبول القانون أو رفضه. وهي سلطة غير منصوص عليها في الدستور، وفق درباله.

عدم الرغبة في إرساء المحكمة الدستورية

واعتبر عبد اللطيف درباله أن تأويل رئيس الجمهورية منقوص وانتقائي، مذكرا بمثال المجلس الأعلى للقضاء الذي تجاوزت آجال إرسائه 6 أشهر (حسب ما ينص عليه الدستور)، لكن رئيس الجمهورية يتعامل مع المجلس كهيئة دستورية قائمة الذات وقام باستقبال رئيسها عدة مرات ونشر قراراتها بالرائد الرسمي.

وأكد أن رئيس الجمهورية كشف بوضوح عدم رغبته في إرساء المحكمة الدستورية بالذات نظرا لاستفادته من غيابها، حيث احتكر قيس سعيد تأويل القانون الدستوري وفرض سياسة الأمر الواقع بما منحه نفوذا سياسيا يفوق صلاحيته وسلطاته التي خولها له الدستور.

كما أشار درباله إلى الفصل 101 من الدستور ينص على أن تبت المحكمة الدستورية في الخلافات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وفي صورة إرساء المحكمة، سيؤدي إلى وجود محكم بينهما “ولن يكون الأمر بيد قيس سعيد كما هو الحال الآن”، وفق تعبيره.

ولم يخفِ، أيضا، تخوف رئيس الجمهورية من سيناريو عزله من طرف أغلبيّة الثلثين بالبرلمان بسبب خرقه الجسيم للدستور طبقا للفصل 88 من الدستور، نظرا لكون المحكمة الدستورية وحدها هي التي يمكنها إقرار إدانته وإعطاء قرار البرلمان النفاذ القانوني.

تأبيد عدم تركيز المحكمة

أكد أستاذ القانون الدستوري عبد الرزاق المختار أن رئيس الجمهورية مارس صلاحية خولها له الفصل 81 الدستور.

وأوضح في تصريح لـ”الرأي العام” أن رسالة الرد لرئيس الجمهورية احتوت على مستويين (خطاب سياسي وخطاب قانوني).

وقال أن الخطاب السياسي الموجود في الرد قائم على لائحة إتهامية لأداء البرلمان وسوء النوايا السياسية في أكثر من موضع، كما عبر عن لهجة تصادمية وهو ما سيخلق ردة فعل من النواب على ما نسب إليهم.

وأشار إلى أن رسالة الرد احتوت على أمثلة كثيرة تدل على خطاب سياسي هجومي قائم على اعتبار رئيس الجمهورية نفسه رمزا للنقاء الثوري والسياسي على عكس البقية، هذا إلى جانب ترذيل العمل الحزبي.

وبالنسبة للبعد القانوني، أفاد عبد الرزاق المختار بأن رسالة الرد كانت بطعم الطعن، مضيفا أن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لم يلجأ رئيس الجمهورية إلى الطعن بعدم الدستورية لدى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين.

كما أضاف أن رئيس الجمهورية رتب نتيجة معينة على مطاعنه وأوحى بها في أكثر من مرة في رسالة الرد على غرار عدم ختم النص الدستوري حتى ولو رد إليه بـ151 صوتا، وهو ما يعد أمرا خطيرا.

وأفاد عبد الرزاق المختار بأن رئيس الجمهورية اعتمد على المفعول الإسقاطي للآجال، وهي نظرية لا تتلاءم وغير معقولة خاصة وأن النص الدستوري يختلف فيه مفهوم الآجال عن نظرية الدعوى التي اعتمدها قيس سعيد، حيث قال: “لا يمكن اعتماد هذا الأمر في المادة الدستورية باعتبار أن الآجال الموجودة فيها لا يترتب عنها أثر”.

وتابع أن الآجال في المادة الدستورية لها صبغة خاصة نظرا لارتباطها بالزمن السياسي وليس فقط الزمن الدستوري.

وحول ما جاء في رسالة عن استحالة البرلمان انتخاب أعضاء المحكمة، شدد عبد الرزاق المختار على أن شروط الاستحالة غير متوفرة حيث أن البرلمان موجود والقانون كذلك إلى جانب توفر السعي.

واعتبر أن منطق رئيس الجمهورية سيؤدي إلى تأبيد عدم تركيز المحكمة الدستورية والدخول في متاهة دستورية. كما أن منطق رئيس الجمهورية سيجعل أية مؤسسة قامت خارج الآجال لا معنى لها وهو ما يمس حتى المجلس الأعلى للقضاء، مضيفا: “ذلك سيؤدي إلى تحديد البنيان المؤسساتي والدستوري للدولة”.

ويرى عبد الرزاق المختار أن الفترة القادمة ستبقي الكرة في ملعب البرلمان الذي يعتبر الآن في موقع المحاججة وعليه إما انتخاب أعضاء الدستورية عملا بالقانون القديم أو تمرير القانون بأغلبية الثلاثة أخماس. وفي صورة فشله في ذلك، سيجعله ضعيفا من الناحية السياسية وسيتعزز موقع رئيس الجمهورية ورغبته في السلطة التشريعية.

مأزق سياسي بامتياز

أفاد أستاذ القانون الدستوري ناجح سالم بأن رئيس الجمهورية مارس حق الرد الذي كفله له الدستور.

وقال في تصريح لـ”الرأي العام” أن قيس سعيد مارس سلطة الصد لمجلس نواب الشعب وهي سلطة وإمكانية موجودة في كل الأنظمة السياسي.

واعتبر أن المأزق السياسي الحالي في تونس ليس بالجديد، وهو ليس مأزقا دستوريا بل سياسي بامتياز وسرعان ما تم ضخ جرعة قانونية فيه، حيث مارس رئيس الدولة سلطة ما يسمى بردع مجلس نواب الشعب وربما يكون ذلك حلقة أخرى من المآزق السياسية التي تعيشها تونس.

الحلول…

وحول الحلول الكفيلة لتجاوز الأزمة، اعتبر درباله أن الحلول الدستورية لم تعد تجدي نفعا، والواقع يقول أن رئيس الجمهورية يستغل غياب المحكمة الدستورية ويأول الدستور على مزاجه ويفرض سياسة الأمر الواقع على الجميع.

وأوضح: “المشكل الآن في الأطراف السياسية التي تلتقي رئيس الجمهورية وتحاول التصرف في الدستور التي يتم تأويله بطريقة خارجة عن السياق”، وذلك ما يذكرنا بالوضع الذي عاشته البلاد سنة 2011 حيث يوجد من تمسك بتطبيق أحكام الدستور السابق الذي شكّل جزءا من النظام الذي قامت عليه الثورة.

كما أفاد درباله بوجود نصوص دستورية تنص على تدخل المحكمة الدستورية في عدد من المسائل (على غرار معاينة شغور منصب رئيس الجمهورية) لكنه وقع تجاوزها بسبب غياب المحكمة لتغليب المصلحة العليا للبلاد ويجب الآن التصرف بنفس المنطق، قائلا في هذا السياق: “وجب على الأطراف السياسية المقابلة لقيس سعيد التصرف بنفس المنطق الذي انتهجه”.

ويرى درباله أنه في صورة مواصلة تصرف رئيس الجمهورية خارج الدستور مستغلا غياب المحكمة الدستورية وتصرف الأطراف المقابلة طبقا للدستور، فإن الغلبة بذلك ستكون للفوضى التي ينظّر لها قيس سعيد الذي أخرج نظام الفصل بين السلطات من مفهومه القانوني.

كما أضاف: “إذا لم يقع مجابهة ذلك بآليات من خارج الصندوق فلن يكون هناك حل وسيندفع الرئيس نحو مزيد من التوسع”.

وشدد نجح سالم على أن الحلول لن تكون سوى دستورية، حيث يتمثل الحل القانوني في ختم رئيس الجمهورية لمشروع القانون المتعلق بالمحكمة الدستورية ثم المرور إلى انتخاب النواب لأعضاء المحكمة تباعا بـ145 صوتا، لكن في صورة الفشل في ذلك سيتم بعد ألختم مرة أخرى اعتمد التنقيح الجديد، علماً وأن قانون المحكمة الدستورية موجود حاليا وساري المفعول، وفي صورة رفض رئيس الجمهورية تنقيح القانون، فبالإمكان الاعتماد على القانون القديم ويمكن اعتبار القانون الجديد تنقيحا له ورؤية أخرى للسلطة التشريعية في سبيل التسريع في إرساء المحكمة الدستورية والابتعاد عن القراءات والتأويلات المختلفة من جميع الأطراف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق