راي رئيسي

خدعة الأرقام وخيبات الواقع

يُقال أنّ الأرقام عنيدة. وعادة ما يقع المستعملون للأرقام في خطاباتهم في ضرب من المغالطة، حين يزعمون أنّهم ينطقون بالحقائق، ويعتمدون منهجا علميا موضوعيا، ويذهبون إلى صميم الموضوع دون كلام إنشائي. إذ الأرقام تتكلم وحدها حسب قولهم. ولا نكشف سرا، حين نذكّر بأنّ الأرقام مهما كانت صدقيّتها في ذاتها، تظلّ بحاجة إلى من يُنطقها، وقد تختلف دلالاتها بحسب السياق والتوظيف. وهي في كل الأحوال لا تكشف عن الحقيقة كاملة. ونروم في هذا المقال الوقوف عند مفارقات ما تؤشّر عليه بعض الأرقام وما تكشفه حقائق الواقع المعيش. وإذ يتركّز حديثنا في هذا السياق على بعض أرقام ميزانية الدولة التونسية لسنة 2021، تساوقا مع ما يدور هذه الأيام من حوار في البرلمان ووسائل الإعلام، فإنّ هذا التركيز لا ينفي بأنّ هذه المفارقة تصدق أيضا على مختلف المجالات، وسنضرب أمثلة لخدعة الأرقام وخيبات الواقع بعد الثورة وقبلها أيضا.

يمكن رصد تجلّيات خدعة الأرقام من خلال تأمّل تقاليد إقرار مشروع قانون المالية في مجلس الوزراء أوّلا ومناقشته بمجلس نواب الشعب والمصادقة عليه لاحقا. فقد أخبرني أعضاء سابقون بالحكومة أنّ المشروع يُعرض على أنظارهم لأوّل مرّة يوم جلسة المصادقة عليه، وأنهم لا يستلمون نسخة منه ولا يدرسونه قبل ذلك. ولا أظنّ أنّ هذه الطريقة تتيح لهم شروط اتخاذ موقف مسؤول من كمّ كبير من الأرقام والجداول في توازنات المالية العمومية موارد وإنفاقا. ويبقى الأغرب من ذلك ما أعاينه بنفسي بصفتي نائبا وعضوا للسنة الثانية بلجنة المالية والتخطيط والتنمية بالبرلمان. ففي أقلّ من شهرين بين منتصف أكتوبر و10 ديسمبر، توضع بين أيدي أعضاء اللجنة وسائر النواب كمية ضخمة جدا من الكتب بآلاف الصفحات المملوءة أرقاما وجداول ورسوما حول مشروع قانون المالية، وملاحق متّصلة به لتقارير مختلفة وتفاصيل كل مهمة (رئاسة الجمهورية أو وزارة الفلاحة أو المجلس الأعلى للقضاء على سبيل المثال). وأجزم أن لا أحد من النواب تسعه الآجال الدستورية للمصادقة على الميزانية وكثافة النشاط بلجان المجلس في افتتاح الدورة النيابية، للاطلاع المعمّق على تلك الوثائق للمصادقة عليها ضمنيا، من خلال التصويت المسؤول على قانون المالية لكل سنة.

ولذلك لا نستغرب أن تكون المداولات سطحية والتدخلات شعبوية في أغلبها، في الجلسات العامة خاصة. وبذلك تُضعف السياقات الزمانية والسياسية مصداقية مداولات البرلمان ومصادقته على قانون المالية الذي تعدّه في مرّات عديدة حكومة منصرفة لحكومة قادمة، أو تتعهد به حكومة جديدة في مراحله الأخيرة. وهذه أولى مغالطات الأرقام التي تستوجب التقييم والمعالجة مستقبلا.

وقد تكون بداية المعالجة فيما أقرّه الفصل 40 من القانون الأساسي للميزانية الجديد لسنة 2019 بأن “تعرض الحكومة على مجلس نواب الشعب قبل موفّى شهر جويلية من كل سنة الفرضيات والتوجّهات الكبرى لميزانية الدولة للسنة المالية المقبلة”. وهذا لم يحصل مع الأسف هذه السنة، بسبب أزمة استقالة حكومة الفخفاخ وعدم إيفائها بالتزاماتها قبل استلام الحكومة الجديدة في الفاتح من سبتمبر 2020.

فاقت نفقات الدولة الضعف خلال العشرية الأولى من الثورة. فمن حوالي 20.000 م د في 2010 إلى حوالي 53.000 م د في 2021، تكون المفارقة عجيبة وفاضحة بين ارتفاع نفقات الدولة، مقابل تراجع آمال المواطنين في تحسين أوضاعهم وتردّي خدمات المرفق العمومي ومزيد صعوبات العيش. فالميزانيات التوسّعية بعد الثورة، التي لم تراع صعوبات الانتقال، واستجابت للضغوطات الاجتماعية القطاعية خاصة، وراهنت على سياسات شعبوية وانتخابوية، وافتقدت لرؤية اقتصادية بعيدة المدى، لم تحسّن أحوال الناس في الصحة والنقل والتعليم والخدمات على سبيل المثال، ولم تخلق ثروات ليتقاسمها أفراد الشعب، وقادت إلى ارتفاع المديونية وارتهان القرار الوطني.

إذ تمثّل الميزانية المقدّرة لسنة 2021 حوالي نصف الناتج المحلي الإجمالي المقدّر بحوالي 112.000 م د. وتقدّر خدمة الدين العمومي لسنة 2021 بمبلغ 15.776 م د أكثر من نصفه خارجي. وهذا ما يستدعي تعبئة موارد اقتراض لتمويل ميزانية 2021 بمبلغ 19.608 م د، منها قرض داخلي بـ 2.900 م د والبقية اقتراض خارجي. وبالمحصّلة يُنتظر أن يبلغ حجم الدين العمومي 92.7% من الناتج المحلي الإجمالي. وهكذا تتضخّم نفقات الدولة وتتردّى معيشة غالبة المواطنين.

وفي رقم آخر دالّ على ما نروم كشفه، أنّه يُرصد من ميزانية 2021 مقدار 20.118 م د بعنوان نفقات أجور، وبذلك تتضاعف كتلة الأجور ثلاث مرات بعد الثورة. إذ كانت في حدود 6.785 في سنة 2010. بل إنها تتجاوز حجم ميزانية الدولة بأكملها سنة 2010. وهي نسبة تعادل 16,6% من الناتج الوطني، وتفوق بكثير المعدّلات المعتمدة في سائر دول العالم والتي لا تتجاوز 10 % من الناتج الوطني. وفي المقابل لم يزدد عدد الموظفين العموميين إلاّ في حدود الثلث فقط. من 518.610 في سنة 2010 إلى 683.625 في سنة 2020. وهذا يعني ضرورة تحسّن أجور عموم الموظفين العموميين. لكن الحقيقة الموجعة التي تجد صداها في تشكّيات عموم المواطنين واهتراء القدرة الشرائية للطبقة الوسطى خاصّة، تُبين في مثال آخر خدعة الأرقام وخيبات الواقع. فتحسّن الأجور أمام ارتفاع الأسعار وتكاليف الحياة لا يحسّن مستوى العيش.

نضطرّ إلى مقارنات الأرقام المحيّنة بأرقام سنة 2010، لأننا بحاجة إلى تقييم عميق للحصائل التي تبدو مخيّبة للآمال في عشرية الثورة بدلالاتها الزمنية والرمزية. ولا يعني ذلك أيّ تفضيل للحكم السابق أو تتبيض له كما يروم البعض ممّن خسروا مصالحهم بسقوطه. إذ تظل المفارقة صحيحة قبل الثورة أيضا. فنسبة التمدرس التي بلغت 99% وكان النظام البائد يفاخر بها، كانت تخفي تردّي التعليم بمختلف مستوياته وارتفاع نسبة الأمية في الواقع وضعف الخرّيجين الجدد. ونسبة المعارضة في برلمان بن علي التي بلغت %25، كانت تعكس مشهدا سياسيا مزيّفا يقوم على الاستبداد والحكم الفردي وهيمنة الحزب الواحد. والنظام البوليسي المستند إلى عدد كبير من أعوان الأمن، لم يكن يُشعر التونسيين بالأمان. فقد كانت تتهدّدهم التهم الملفقة والتجسس على حياتهم الخاصة، وتكمّم أفواههم وتقمع حرياتهم وتنتهك حقوقهم، ويئن كثير منهم تحت التعذيب ويقضي آخرون ولا يعرف حتى موضع دفنهم. ونسب التنمية التي لا تنزل عن %5 في أغلب سنوات حكم بن علي، لم ينعم بها عموم التونسيين، وكانت غنيمة للعائلة الحاكمة وحاشيتها والمتمعشين من حكم الاستبداد والفساد. حتى قامت ثورة الحرية والكرامة ضدّ الاستبداد والفساد.

لولا رحمة الله تعالى بنا، وصابات الحبوب والزيوت والتمور في السنة الماضية، وجهود العاملين الكادحين، ودور الفلاحة التي لا تجد حظها في مشروع قانون المالية لسنة 2021 وفي كل سنة، لولاها في تعديل الميزان التجاري وتوفير قوت الناس الذي صار صعبا بسطوة المُضاربين والوسطاء والمحتكرين، لكانت الكارثة. ومهما حصلت من معادلات محاسبتية لتعديل أرقام الميزانية حتى تمرّ هذه السنة، كما مرت في السنوات السابقة، لاعتبارات أو لأخرى، فإنّ المفارقة تظلّ قائمة بين خدعة الأرقام وخيبات الواقع. وحتّى يحبّ التونسيون دولتهم كما يحبّون بلادهم، لا بدّ أن تكون الدولة في خدمتهم، ويرون بأمّ أعينهم ويشعرون بأنفسهم بتحسّن أحوالهم ورغد عيشهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق