راي رئيسي

خطابات الاحتراب وأفق الحوار .. في وضع مأزوم

تفيد مختلف المعطيات والتقارير والتعاليق على قرار رئيس الحكومة هشام مشيشي إعفاء وزير الداخلية توفيق شرف الدين من مهامه يوم الثلاثاء 05 جانفي 2021، أنّ هذا القرار سيشكّل منعرجا في العلاقة غير الودّية بين مراكز الحكم في قرطاج والقصبة وباردو، وسيلقي بضلاله السلبية على المشهد السياسي برمّته. إذ يأتي هذا القرار في وضع بالغ التأزيم على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وفي أجواء مناكفات سياسية وحزبية تحتدّ في عشرية ثورة الحرية والكرامة، وتكشف عن مفارقة أخرى في المشهد التونسي بين خطابات احتراب واضحة الرسائل والعناوين من جهة، ودعوات لحوار وطني متأكّد من جهة أخرى.

ففضلا عن الجدال الدستوري الذي تثيره “معركة الصلاحيات” واشتراط التشاور بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة فيما يتصل بحقيبة الداخلية تعيينا أو إقالة، لم يختلف المتابعون على ربط الإقالة بأصل التعيين وتجاذبات تشكيل حكومة المشيشي وما تلاها. فالوزير المُقال شرف الدين يأتي على رأس وزراء قرطاج في القصبة. وقد تمّت الإشارة في تعيينه إلى مشاركته البارزة في حملة الرئيس سعيد. وقد صرّح بنفسه تحت قبة البرلمان، أنّه فخور بشرف اقتراحه للوزارة من رئيس الجمهورية وأنّ هذا وشاح شرف على صدره سيورّثه لأبنائه. وجاءت تصريحات عديدة وتواترت أخبار عن تصرّفات لوزير الداخلية تفيد بأنه لا يعمل بانسجام مع رئيس الحكومة، بل ينحو إلى نوع من التمرّد عليه. وجاءت قائمة التعيينات في مناصب أمنية هامة، التي اتخذها الوزير وشرع في تنفيذها، دون موافقة رئيس الحكومة، لتكون القطرة التي أفاضت الكأس. وتكفي شاهدا على ذلك برقية رئيس الحكومة فور تولّيه بنفسه الإشراف على وزارة الداخلية بالنيابة، بإلغاء برقيات التحويرات الصادرة عن الوزير توفيق شرف الدين في اليوم السابق للإقالة.

أحدثت إقالة وزير الداخلية شغورا ثالثا في حكومة المشيشي بعد أربعة أشهر فقط من تزكيتها، وهذا ما قد يعجّل بتحوير وزاري بات شبه مؤكد. وتتواتر الدلالات سريعة على سريالية “حكومة المستقلّين”، التي كانت بصمة قرطاج واضحة في تركيبتها، حتى وُصفت بحكومة الرئيس الثانية، لكن الرئيس سحب ثقته من المشيشي قبل أن يذهب لنيل الثقة من البرلمان ويجد السند من الأحزاب التي كان تعيينه مناكفة لها من قرطاج. ولذلك يبدو غير مستغرب أن تشمل علاقة التوتر بين رأسي السلطة التنفيذية رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي والأحزاب والكتل الداعمة للحكومة. ويُلقي قرار إعفاء وزير الداخلية بتداعياته في باردو، حيث يتواصل اعتصام أحزاب ونواب يُحسبون على قرطاج، وجاء تصعيدهم بمحاولة تعطيل أعمال المجلس وغلق الباب الرئيسي لقاعة الجلسات العامة فور خبر الإقالة. وتحضر في سيناريوهات ردود الأفعال والتحويرات والخيارات القادمة جميع الاطراف والفاعلين من مواقعهم المختلفة في المساندة أو المعارضة للحكومة.

وفي سياق متّصل بلا شك، يتساءل المتابعون عن مصير مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل للحوار الوطني المعروضة على رئيس الجمهورية لرعايتها وتفعيلها. فعلاوة على ما صرّح به الرئيس سعيد في مناسبات عديدة وخاصة ليلة السنة الجديدة، من توجّهات تستبطن إصراره على إقصاء أطراف تحظى بتمثيل برلماني هام من الحوار المزمع، وعلى رغبته في إشراك قويّ لأطراف “شبابية” مُبهمة التمثيل، لا يُستبعد أن يزيد التوتّر الأخير بين قرطاج والقصبة وتداعياته على بقية المشهد، في إضعاف فرص الحوار الوطني المتأكد للتوافق على خريطة طريق ذات أولويات اقتصادية واجتماعية، ولا تستبعد الملف السياسي، للخروج من الوضع المأزوم على مختلف المستويات.

وغير بعيد عن مناكفات مراكز الحكم قي قرطاج وباردو والقصبة، تعجّ المنابر الإعلامية المختلفة، وخاصة منها الفضاءات الافتراضية بخطابات احتراب تناقض كل مقدّمات الحوار ومقتضياته. فلا تكاد تتوقّف حملات ترذيل نواب الشعب ووصف المجلس بـ “السرك” والدعوات إلى حلّ البرلمان، الذي تساهم بعض الأطراف من داخله في الإساءة لصورته ودوره. وتكشف هذه الدعوات في أغلبها عن جهل واضح بمقتضيات الدستور وتنكّر فاضح لمقتضيات الديمقراطية، واستهتار بموازين القوى الحقيقية التي يعبّر عنها الناخبون الذين يمنحون وحدهم الشرعية لنواب الشعب، ويمكنهم سحبها بانتخابات جديدة. وما لا يجب التغافل عنه في هذا السياق، أنّ خطابات أخرى وجمهور هام أيضا، يشيطن أطرافا أخرى ويطالب بوضع حدّ لأنشطتها كشرط للخروج من الأزمة.

فبعضهم يحمّل الاتحاد العام التونسي للشغل التعطيل في العمل والإنتاج، ووضع العصا في الدولاب لأغراض سياسية، بما يفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. ويصفونه ب”اتحاد الخراب”. ولذلك يحرّضون الحكومة على الاتحاد لتقليم أظافره أو منع تحرّكات هياكله. وبعضهم يصبّ جام غضبه على وسائل الإعلام، فينسب إليها أجندات الإرباك الداخلية والخارجية، وشحن النفوس ونشر الأخبار المثيرة وتعكير المزاج الشعبي واستهداف أطراف سياسية بعينها، ولا ينفكون عن دعواتهم لإغلاق من يشيطنون ممّن يصفونه بـ “إعلام العار”. وآخرون يدعون إلى سحب التأشيرة من حزب النهضة وإعادة “الخوانجية” إلى أماكنهم الطبيعية في السجون والمنافي. وفي المقابل يحرّض آخرون على الحزب الدستوري الحر ويصفونه ب”الفاشية” ويطالبون بسحب التأشيرة منه ومنع عودة “الأزلام” من أنصار منظومة الاستبداد والفساد. ومن طرائف المشهد أيضا أنّ البعض يرون الحلّ في إسقاط “منظومة 14 جانفي 2011” برمتها في “ثورة على الثورة” تحت تسميات عديدة.

ولا تخفى على كل عاقل التداعيات الخطيرة لهذه الأصناف من الخطابات الاحترابية التي تذكّي فتنة الحرب الأهلية التي اكتوت بها دول أخرى ولم تنتج إلاّ خرابا. فهي خطابات شعوبية تتغطّى بالوطنية والثورية والمبدئية، لكنها تنضح استبدادا وتسلطا وحقدا. فتزعم لنفسها شرعية شعبية لا دليل عليها، وتحاول سحب شرعيات ديمقراطية مؤكدة من الأطراف التي تشيطنها وتطالب بحلها أو وضع حدّ لأنشطتها. ومن المؤسف حقا ومن المفزع، أن تتغذّى خطابات الاحتراب الشعبوية من صراعات في البرلمان أو بين رموز القضاء أو من خطابات رسمية أو نقابية أو تصريحات إعلامية، تجاوزت كل الخطوط الحمراء وواجب التحفظ وأساءت لصورة “المسؤولين” ولم تعط المثال الحسن. ومن الخطورة بمكان الإمعان في ترذيل الدولة بعودة “وثائق سرية” رسمية إلى التداول في الفضاء الافتراضي.

ولا نكتشف القمر حين نؤكّد مجدّدا على أنّه لا بديل عن الاحتراب إلاّ الحوار. وأن لا طرف بوسعه شطب شرعية طرف مقابل لا يريده. وفي وضع مأزوم كالذي نعيشه في هذه المرحلة، يبدو واهما من يتأهّب لوراثة حكم أو كسب مغنم. فلا أفق لخطابات الاحتراب وترذيل الدولة، غير الفوضى وإدارة التوحّش وخسارة الجميع. ولا حلّ إلاّ في احترام نتائج الانتخابات ومقتضيات الديمقراطية وإنجاح حوار وطني لا إقصاء فيه لطرف، وبأولويات اقتصادية واجتماعية وأفق سياسي توافقي. وحين نواكب مخرجات قمة العُلا بالسعودية لدول مجلس التعاون الخليجي منذ يومين، وعنوانها الأبرز في المصالحة مع قطر، بعد كل ما جرى خلال الثلاث سنوات الأخيرة، لا نرى ما هو مطلوب في تونس عزيزا على المعنيين رغم قتامة المشهد. وإنّ غدا لناظره قريب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق