راي رئيسي

خطاب الاستعلاء والاستعداء يهدد السلم الأهلي

هي مرّة واحدة بدا فيها قيس سعيد كما لو أنه رئيس كل التونسيّين وذلك في كلمته الداعية إلى التبرع لخزينة الدولة إذ خاطب “كل التونسيين والتونسيّات في الداخل والخارج”.

ورغم أنه لا يبدو حاملا لعقيدة سياسية إذ هو ليس يساريا ولا عروبيا ولا ليبيراليا ولا إسلاميا، فإنه يتوفر على طاقة استعدائية وعلى وهم استعلائي لا يتوفر عليه حتى ذوو معتقدات ايديولوجية، فالمتأمل في قاموس خطابه يجد أنه مستجمع من حطب العراك والإيذاء والاستبعاد والاستعداء.

لا يتعلق الأمر بمجرد تقييم أخلاقي لقاموس خطاب الرئيس، وإنما يتعلق الأمر بالتنبيه إلى مخاطر هذا الخطاب على وحدة التونسيين وعلى السلم الأهلي وعلى المشترك الوطني الذي ظل يمثل كيمياء التماسك المجتمعي والانتماء المواطني، ولعل أخطر ما صدر عن قيس سعيد هو ما يفهمه المتابعون كونه تحريض البعض على بعض حين يقول مرّة وبصياغات مختلفة، وهو يتكلم عن معارضيه: “سيتصدّى لهم المواطنون”، بما يفيد دعوة مواطنين إلى مهاجمة مواطنين آخرين يعارضون قيس سعيد ويعتبرون ما أقدم عليه يوم 25 جويلية انقلابا.

خطاب الاستعلاء لا يسمح لصاحبه بمحاورة مخالفيه إذ يراهم بلا “وزن” ولا أهلية ولا وجود أصلا وكأنه هو من يمثل كل التونسيّين وكل الحقيقة وما سواه زيف ونفاق وادعاء وفساد، وهذه الأوهام عادة لا تصدر عن شخصية متوازنة تتواضع للحقيقة وتصغي للنصائح وتعتذر عن الخطأ وتقبل بالنقد وتتعاون مع الآخرين من أجل استنقاذ البلاد من الإفلاس والفوضى.

هل ثمة أمل في خروجنا من الأزمة؟

هذا السؤال تتناسل عنه أسئلة أخرى: هل تتوفر استعدادات للحوار؟ هل يعتبر قيس سعيد نفسه رئيسا لكل التونسيين؟ هل يعترف قيس سعيد بأخطائه كما اعترف غيره ممن يسمّون منظومة 24؟ هل تكف بعض الأطراف عن الدفع نحو الاحتراب الأهلي ونحو استئصال طرف سياسي بخلفية ايديلوجية وعداء تاريخي؟ هل يفكر الجميع في مستقبل أبنائنا وبناتنا القادمين والقادمات والعالقين في رحم الغيب؟ هل نكف جميعا عن البحث عن حلول من خارج قوانا الذاتية وثرواتنا الوطنية؟.

إن المسؤولية الأكبر دائما تطرح على صاحب أكبر نفوذ، وهنا فإن رئيس الجمهورية الذي انتزع لنفسه كل الصلاحيات هو من يتحمل المسؤولية كاملة عما سننتهي اليه وعما نحن فيه، وهي مسؤولية ليست أخلاقية وسياسية فقط وإنما وقانونية أساسا بالنظر الى ما قد يترتب عن خطابه الاستعلائي والاستعدائي من آثار سلبية خطرة لا قدر الله.

إلى متى سيستمر المشهد في الخضوع إلى قاعدة “الغلبة” وصناعة “الأمر الواقع” على الميدان لإبراز القوة وسحب مقولة الأغلبية من الطرف الآخر.

ولئن كان قيس سعيد يستند أساسا على أجهزة الدولة الامنية والعسكرية فإن معارضي الانقلاب يستندون الى إرادة الناس يأتون عزلا من أقصى الشمال وأقصى الجنوب وأحواز العاصمة ليقولوا: “الشعب يريد ما لا تريد”، يتحملون عناء السفر ويتعرضون لشتى أنواع المنع والتضييق ثم يواجههم “رئيسهم” بنعوت تجعلهم يفقدون معه أي أمل في الحوار أو في اعتبارهم شركاء في الانتماء وفي المسؤولية، وهي ما سيرسخ القناعة بحتمية زوال الانقلاب وحتمية نهاية “ظاهرة قيس سعيد”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق