راي رئيسي

دعوات إلى الهدنة السياسية والحوار..
نقاط بيضاء على سبورة سوداء..

هل قدّر لنا أن نظل حبيسي مشهد سياسي بائس وأوضاع صحية واقتصادية واجتماعية وأمنية متردية؟ إلى متى نظل نلوك نفس الدعوات والصور والتحاليل متسلّحين بشبه أمل كاذب بتنا أكثر الناس استبعادا له فضلا على أن ينطلي على عموم أبناء شعبنا؟

أماتت الضمائر وانعدم الإحساس بأننا على حافة هاوية، وأن البلد يختنق يوما بعد يوما وأن أوضاعه تسوء يوما بعد يوم وأنا المخاطر التي تحوم بنا ما تفتأ أن تتضاعف يوما بعد يوم؟

أليس لدى حكامنا ذرة من رحمة لهذا البلد وأهله الذين يعانون شظف العيش، ومخاطر الهلاك، وعدم الأمان على حياتهم ومستقبل أبنائهم؟.

هل قدر لنا أن نلوك أكبادنا مع مطلع كل يوم مما تبلغنا من أخبار إصابة أحبّة لنا بالكورونا، ووفاة آخرين منهم، نتطلع إلى بصيص أمل، سرعان ما نفقده بمجرّد ولوجنا العالم الافتراضي الذي بات موكب عزاء ومحفة مرضى وملهى ليلي لمجانين السياسة المثمولين الذين لا يفلحون في شيء فلاحهم تعكير صفونا بالسب والشتم والاتهام والتخوين وصناعة الأكاذيب وتشويه الغير؟

 

(1)

خلال الأيام القليلة الماضية شهدت تونس تصاعدا خطيرا لعدد الإصابات بفيروس كورونا تجاوزت معدّل المائة إصابة يوميّا، بالتزامن مع ارتفاع ملحوظ في عدد الإصابات رغم الإجراءات المتخذة من قبل الحكومة وإغلاق المدارس والمعاهد واعتماد سياسية التفريق في زمن الدخول بين الموظفين بساعة ومنع انتصاب الأسواق الأسبوعية ومنع الجولان انطلاقا من الساعة العاشرة ليلا، ومنع جولان السيارات انطلاقا من الساعة السابعة مساء.

والحقيقة أن الإجراءات المتخذة لمجابهة حدة انتشار السلالة البريطانية دون المطلوب بكثير ذلك أن اللجنة العلمية تطالب منذ فترة بحجر شامل وإغلاق الحدود لمنع مزيد انهيار المنظومة الصحية بسبب وجود سلالات خطيرة بكل من ليبيا وفرنسا، ولكن القرار السياسي يظل دوما ضعيفا مترددا )يكركر في شلاكتو( إذ أن الحكومة تخشى من جهة موجة احتجاجات من القطاعات التي ستتضرّر بموجب الحجر الشامل وهي كثيرة، وهي من جهة أخرى غير قادرة على توفير حدّ أدنى من المرافقة الاجتماعية لهذه القطاعات باعتبار الصعوبات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد.

أما بالنسبة لعدم إغلاقها للحدود، فإنه يعود طبعا للخشية من ردّة فعل الدول الشقيقة والصديقة، وهو وضع ضعف واستكانة يدفع التونسيون ضريبته من صحتهم وحياتهم وحياة أهاليهم وأحبائهم. بل والأعجب من ذلك السعي المحموم لإعادة فتح المدارس والإعداديات والمعاهد بما يعنيه ذلك من مزيد انتشار المرض في الوسط المدرسي ومزيد الضحايا في عائلات التلاميذ وفي المدرسين والإطار الإداري والتربوي، بل والأعجب منه أيضا أن يعتبر المدير العام للامتحانات بوزارة التربية عمر الولباني بأن المؤسسات التربوية من الفضاءات الآمنة بينما لا تشهد إلا نادرا عمليات تعقيم، كما أن أجهزة قيس الحرارة التي تستعمل لمراقبة رواد المدارس والمعاهد إما مفقودة أو معطبة أو غير مستعملة في أغلب المؤسسات.

وضع صحي خطير ونسق بطيء في إجراء التلاقيح برّره وزير الصحة فوزي المهدي بأن تونس تمرّ بوضع صحي خاص على غرار بقية دول العالم التي تمر بوضع وبائي حرج وأن بلادنا ليست منعزلة عن العالم مشيرا إلى أن تونس تعتمد في حربها على الوباء على ميزانيتها والتبرعات لصندوق 18-18 الذي توصل إلى تجميع 205 مليون دينار لم يبق منها سوى 30 مليون يورو سيتم استغلالها لمواجهة هذه الموجة الثالثة للوباء وأنه على الرغم من صعوبات التزوّد بالتلاقيح فإن بلادنا تسعى للتسريع في الحصول على 4.5 مليون جرعة لقاح من منظومة كوفاكس رغم عديد الصعوبات، بالإضافة إلى تعاقدها مع شركة فايزر لتوفير 4 مليون جرعة لقاح، وشركة سبوتنيك لتوفير 500 ألف جرعة لقاح.

كان ذلك خلال جلسة عامة انعقدت يوم الثلاثاء 27 أفريل 2021 بمجلس نواب الشعب التي شدّد خلالها وزير الصحة على أهمية القرض المقدم من البنك الدولي للإنشاء والتعمير لتوفير تمويل إضافي لمشروع مجابهة كورونا بقيمة 82 مليون أورو الموجهة لاقتناء التلاقيح وتطوير منظومة شبكة التبريد والمساعدة التقنية الخاصة بالحملة الوطنية للتطعيم ضد الكورونا . كما كشف فوزي مهدي عن أن أربعة مراكز تلقيح جديدة ستدخل حيز الاستغلال الأسبوع المقبل بالإضافة إلى 44 مركز تلقيح موزعة على مختلف الولايات تعمل كامل الأسبوع لتقديم التلاقيح التي شملت إلى حد الآن 330 ألف مواطنا.

 

(2)

في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة، ووضع صحّي دقيق، لم يكن ينقص التونسيين حزنا وضجرا وتبرّما سوى حدوث عمليّة طعن جبانة في فرنسا بطلها كالعادة تونسي اغتال بوحشية موظفة بدائرة الشرطة في رامبويي، التابعة لمقاطعة ايزيفلين، وهي ذات المقاطعة التي شهدت منذ زمن ليس ببعيد اغتيال ساموايل باتي، استاذ التاريخ والجغرافيا، والإرهابي قاتل الضحية ستيفاني هو تونسي مقيم بفرنسا.

وإن كان اعتقادنا راسخا بأن الإرهاب لا جنسية ولا وطن له في زمن تسوده الاضطرابات والتوترات، فإنّ تواتر الاعتداءات الإرهابية على أياد تونسية في عديد الدول لا يمكنها إلّا أن تثير قلقنا معشر التونسيات والتونسيون سواء في تونس أو المقيمين في فرنسا أو في أوروبا، وكذلك الشأن بالنسبة للأغلبية الساحقة من المواطنات والمواطنين ونشطاء المجتمع المدني في تونس، بأنّنا جدّ معنيين بمعركة استئصال هذا السرطان الذي يجد جذوره العميقة في تخلّي الدولة عن مسؤولياتها الأساسيّة في التعليم والصحّة والشغل والثقافة والعدالة تاركة شرائح وجهات بأكملها لمصيرها، وفريسه سهلة للتطرّف والإرهاب والجريمة المنظمة وشبكات التهريب والحرقة.

ولعل الثمن الباهض الذي دفعه عشرات الضحايا والشهداء داخل تونس وخارجها لا يجب أن يعفي المجتمع التونسي من طرح تساؤلات حقيقية حول الطريقة التي تدير بها قيادات البلاد السياسية، ابتداء من رئاسة الجمهورية ومرورا برئاسة الحكومة ووصولا إلى مجلس نواب الشعب معركة الحرب على الإرهاب.

كما أنّه لا يعفي النخبة من ضرورة الارتقاء بالتعاطي مع هذه الظاهرة من التعاطف والمواقف التي تتراوح بين الإدانة المبدئية إلى التحريض وتوجيه أصابع الاتهام لجزء من التونسيين ووصولا إلى التوظيف السياسي البائس الذي لا يزيد الأوضاع إلا إرباكا ومزيدا من التعفن.

 

(3)

الوضع السوداوي صحيّا وأمنيّا، وفي علاقة بصورة تونس بالخارج، وفي علاقة بحالة الانغلاق السياسي، وفي علاقة بالوضع الاقتصادي والاجتماعي وحالة الحيرة التي يعيشها التونسيون في علاقة بدراسة أبنائهم من عدمها، وفي علاقة بمقدرتهم الشرائية المهترئة، وفي علاقة بنظرتهم المتشائمة للمستقبل القريب، تجعل البلاد في حاجة إلى مبادرات سياسية وأفكار لتحريك المياه الراكدة، وفي حاجة إلى استفاقة ضمائر قادة البلاد، في حاجة إلى هدنة سياسية كتلك التي دعا إليها رئيس الحكومة الأسبق ورئيس حركة تحيا تونس يوسف الشاهد، خلال كلمة على صفحته على الفايسبوك إلى هدنة سياسية لبضعة أشهر لإنقاذ قطاعي الصحة والاقتصاد، مشددا على ضرورة وضع الخلافات جانبا وتركيز كل الجهود لتوفير اللقاح بالكميات الكافية، والانطلاق في حملات تلقيح شاملة، مع العمل على إنقاذ الاقتصاد التونسي من الانهيار واتخاذ إجراءات عاجلة للمتضررين من الكورونا، مشيرا إلى أن الأطراف السياسية التي أفرزتها انتخابات 2019 ما تزال تخوض موجة من المزايدات جعلتهم غير قادرين على الجلوس على طاولة الحوار لأنهم غير مقتنعين بأن الحلول زمن الأزمات لا تبنى بمنطق المغالبة والتصعيد بلا نهاية، وإنما على مبدأ الحوار والنقاش من خلال تقديم بعض التنازلات حسب قوله ومعتبرا أن “العقل السياسي التونسي، أصبح في حالة عطالة تامة وأن تأويل الدستور أصبح في حدّ ذاته محلّ خلاف، كما أن تركيز محكمة دستورية التي تلعب دورها كحكم بين مؤسسات الدولة أصبح غير ممكنا حسب الأوضاع الحالية”، مضيفا أن الأزمة السياسية هي المسؤولة عن آلاف أرواح التونسيين الذين توفوا جراء فيروس كورونا.

بدوره أكّد مجلس شورى النهضة في بيان دورته الأخيرة على موقف الحركة الثابت والداعي إلى احترام مختلف مؤسسات الدولة وعلويتها وفي مقدمتها مؤسسة رئاسة الجمهورية، محذرا من التراجع عن مكتسبات الثورة ومعتبرا أن أيّ عودة للحكم الفردي مرفوض من الشعب التونسي ولا يمكنه قبوله. مجدّدا التذكير بموقف النهضة الذي يعتبر أن الآلية الوحيدة لحلّ الأزمة السياسية هي الحوار والجلوس إلى طاولة المفاوضات، مثمنة مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل ودعوته الى إطلاق حوار وطني جامع.

إن الصراع حول الصلاحيات وتأويل الدستور ومنطق المغالبة في أوضاع سوداوية كتلك التي نعيش ليست قدرا محتوما، ولا سيفا مسلطا على رقاب التونسيين، بل وعلى العكس من ذلك فإنه لا يجب أن يكون سوى مرحلة لا تزيدنا سوى قناعة بأنه آن الأوان اليوم وأكثر من أي وقت مضى لتجاوز الخلافات، والضغائن والتواضع لشعبنا الذي أودع ثقته في قيادات من واجبها أن تجلس إلى طاولة المفاوضات للخروج بخارطة طريق تنقذ البلاد مما هي فيه من أزمة متعددة الأوجه، وكل مبادرة أو دعوة في هذا الاتجاه مهما كان مصدرها ليست سوى بقعة ضوء تحسب لأصحابها وتصنع تمايزا بين من يريدون مصلحة البلاد وبين من ينفخون في الكير للدفع بالخلافات إلى أقصاها دون مراعاة للمصلحة العليا للبلاد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق