أهم الأحداثاخر الأخباررأي رئيسيراي رئيسيوطني

دعوات للعنف والاحتراب الأهلي وحرب الكل ضد الكل.. من يموّلها ومن يؤججها وفي صالح من؟

نعم، نستطيع انتقاد الديمقراطية بأنها تهمل الأقلية، ومن الممكن أن نقول ما نشاء عن عيوبها، لكن لا يمكن بأي حال لنا أن نخترع مفاهيم جديدة، ونُفصّل مفهوم الديمقراطية وفق ما نرغب، لنبرّر الدعوة للعنف والإقصاء والفتنة والفوضى والانقلاب.

هذا يدعو إلى الفوضى، وذاك يدعو للتمرّد على كل مؤسسات الدولة التي جاءت ديمقراطيا، والآخر يدعو إلى سفك الدماء، وغيره يدعو إلى القتل ونصب المشانق.. عاد خطاب الكراهية والتحريض على العنف والتهييج ليزداد اتساعا، ويرتفع منسوبه في الفترة الأخيرة.. وصار الانتشار الواسع لوسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وآلية التدوين القصير فضاء مفتوحا، وملاذا ووعاء لممارسة شتى أشكال التمييز والعنف اللفظي وإنتاج خطاب الكراهية، الذي يستثمره الفاعل السياسي طبعا، وأصبح التشبيك يلعب دورا أساسيا في انتشار خطاب الكراهية بمختلف أنماطه، المادية منها والرمزية أو الخطابية اللفظية..

ولا جدال اليوم أن خطاب الكراهية استفحل في العديد من وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي وتَشعّب أكثر، وأصبح يهدّد السلم والأمان وسط المجتمع التونسي، بل بات أداة للتحريض والتهييج والاقصاء والتفرقة والفتنة، خاصة من خلال المحتوى الذي ينتجه البعض على شبكات التواصل الاجتماعي، بالتعليق والتدوين والصورة والفيديو لسهولة قراءتها ومشاهدتها، إضافة إلى التعليقات الجارحة وانعدام الوعي بسبب الغياب الحاصل في منظومة القيم.

وقد بات العنف اللفظي، الذي تعلوه لغة الشتائم، والقدح، والقذف، والطعن، والكره، والتعصب، والتمييز، والاستعلاء على الآخر وتحقيره وإقصائه، ظاهرة مقلقة ومخيفة بالنظر لما بعدها من آثار على وحدة المجتمع وسلمه..

عودة هذا الخطاب السياسي الذي يتّقد حنقا وغيضا والمحكوم بروح عنترية مغرورة ومعبرة على جوع للبطولة لا يشبعها سوى التمعش بالتهييج، يثبت أن أصحابه الذين يتبنونه لا رؤية لهم ولا برنامجا سوى التصفيق فرحا لكلّ دم قد يسيل، ولكلّ روح قد تزهق، ولكل مصاب قد يحل على الوطن، يستثمرون في المصائب، ويبحثون سبل التخلص من خصم سياسي يرفضونه حدّ النفي ويمقتونه حدّ الاجتثاث، مهما كانت هذه السبل مدمرة ولو أتت على الأخضر واليابس أو أحرقت الأرض بمن عليها.

هذا غيض من فيض التصريحات والخطابات التي تواترت وتتواتر هذه الأيام من طرف بعض النشطاء السياسيين والمدونين، من رموز الحداثة والانفتاح “دعاة الديمقراطية”.. نخبة استنزفت جميع طاقاتها في نشاط إعلامي مكثف وراءه بعض الإيديولوجيات الضيقة والاعتبارات الشخصية والكثير من منطق الاستبداد والإقصاء للآخر والحنين إلى الاستبداد.

ليتكشف أمامنا ازدواجية معيارية، وقصور فكري، وهزال استراتيجي، جعلهم يستبدلون الصراع السياسي بـ”التطهير السياسي”، و يلغون دور الصندوق، ومبدأ المنافسة الانتخابية أو الميدانية، في نظرة لا تعوّل على المواطن، و لا تراهن على إرادته الحرّة إنّما في نظرة وصائية على المجتمع، نظرة جعلتهم يتبنون منطق “جحيم الدكتاتورية ولا جنّة فيها حزب نمقته”، وبرلمان دمى متحركة وروبوهات مبرمجة خير من برلمان يتقد روحا لا يحكمه أحد من الخارج ولا يتحكم في قراراته أي طرف، برلمان يرأسه راشد الغنوشي رمز من رموز المعارضة والنضال ضد الاستبداد..

هؤلاء للأسف لم يعد بمقدورهم اليوم بعد كل التحريض الذي يمارسونه وبعد كل التهييج والتعبئة التي يتبنونها أن يخفوا حقيقة وجوهر خطابهم المنمّق ظاهريا بالحديث عن الديمقراطية وحقوق الانسان وحرية المرأة والمستبطن لرغبة جامحة في الاستبداد والاستئصال لكل مخالف..

فهم اليوم يقولون لنا وبكل وضوح نتائج الصندوق لن نقبل بها طالما أفرزت نهضويين، ومجلس نيابي مستعدون لنسفه مادام يترأسه راشد الغنوشي، وحقوق انسان لا نعترف بها مادام أعداؤنا الازليون سينتفعون منها، وحقوق المرأة التونسية لن ننتصر لها مادام في هذه النساء محرزية العبيدي ونساء أخريات نمقت شكلهن..

منطق يركب الديمقراطية ويعيدنا في الحقيقة إلى صراعات العالم القديم التي تُحسم فيها المعارك بإفناء الخصوم وجوديا..
وربّما حالة الانفتاح واتساع مساحة حرية الرأي التي نعيشها هذه الأيّام كشفت لنا أن لدى هؤلاء أنيابا طويلة تزيد حدتها مع مَن يختلف معهم فيقصوه إلى حدّ الإنكار، وإلى حدّ إعلان الحرب والتدافع بالمناكب لافتكاك مكاسب أو أمجاد حازوا عليها ولو بآليات ديمقراطية، ويتوهمون أن عدم اعترافهم بالآخر يعني أنه غير موجود، وغير متحقق على أي صعيد، يتصورون أن الحريّة والديمقراطية ملك خاص، ويتصرفون فيه مثلما يتصرفون في مقرات أحزابهم أو أملاكهم الخاصة، ولا يجوز للأخرين أن يشاركوهم فيها..

نعم، نستطيع انتقاد الديمقراطية بأنها تهمل الأقلية، ومن الممكن أن نقول ما نشاء عن عيوبها، لكن لا يمكن بأي حال لنا أن نخترع مفاهيم جديدة، ونُفصّل مفهوم الديمقراطية وفق ما نرغب، لنبرّر الدعوة للعنف والإقصاء والفتنة والفوضى والانقلاب، بدعوى أن هذه الديمقراطية التي أتت براشد الغنوشي على رأس البرلمان التونسي وبحركة النهضة إلى سدة الحكم ولو رمزيا وفي إطار ائتلاف موسع، هي ديمقراطية معطوبة وجب الانقلاب عليها ولو بسفك الدماء كما قال أحدهم… فالديمقراطية الكونية كانت وستظل حكم الأغلبية التي تفوز بصناديق الانتخابات، ورفض نتائج صناديق الاقتراع هو انقلاب على العقد الاجتماعي الذي قبلتم به بشكل ضمني بمجرد مشاركتكم بالانتخابات. فإما أن تكونوا ديمقراطيين وتقبلوا بما تقتضيه أحكام الديمقراطية أو أن تكونوا غير ديمقراطيين، لا يمكن للديمقراطية أن تلتقي مع الدعوة لإقصاء أو الاستبعاد أو الدحر أو الحرق أو النفي أو القتل وسفك دماء من اختارهم الصندوق ديمقراطيا..

والديمقراطية اليوم هي من اختارت أن يكون حزب حركة النهضة في المرتبة الأولى، والديمقراطية ذاتها هي من اختارت أن يكون راشد الغنوشي رئيسا لمجلس النواب، كما اختارت منصف المرزوقي ثم محمد الناصر من قبل، وقد قبل بهم الجميع.. فإما أن نقبل باللعبة الديمقراطية وأحكامها أو نعلن صراحة بأننا غير ديمقراطيين وبأننا انقلابيون ونرفض أن نكون جزءا من نظام ديمقراطي لا يلبي طموحاتنا وأهوائنا.. ونكون في هذه اللحظة مستعدون لنحترق قبل أن يحترق خصومنا، لأن اشعال نيران الحروب الأهلية لا تستثني أحدا وتطال الجميع وما أكثر الأمثلة على ذلك..
من المؤسف أنّ هؤلاء يتجاهلون الحقيقة الكونية التي تقول أنّ خطاب التهييج والتحشيد على الضد في بلد واحد لا يصنع مشروعا بل يصنع حربا، والحرب تحرق كل من حولها، يتجاهلون أنّ آخر ما تحتاجه تونس في هذه المرحلة هو خطابات التهييج والتعبئة والتقسيم، وأن ما تحتاجه فعلا هو خطاب يحمل رؤى وأفكارا وحلولا تستحضر المرحلة الصعبة التي تعيشها تونس اليوم.
من المؤسف أنّ عودة هذا الخطاب المشحون والموتور بقوة، والذي يغرقنا من جديد في مستنقع التضاد والتجميع على الضد والنفي والتعصّب، يأتي في وقت تونس في أمس الحاجة فيه إلى جميع أبنائها وإلى وحدة وطنية تجمع كل مكوناتها سواء كانت مؤسسات الدولة أو منظمات وطنية أو مجتمع مدني ليتعاونوا على إخراج بلدهم من الهوة السحيقة التي تشدها إلى القاع في وقت عصيب يعيشه العالم بأسره..

ويظل الرهان والأمل قائما في وسائل الإعلام الوطنية والمسؤولة في توجيه أو إخماد خطاب الكراهية من خلال ترسيخ وتعزيز قيم التسامح والتعايش ونشر ثقافة المحبة والسلام ونبذ الخطاب الباعث للبغضاء والإقصاء والكراهية والمحرض على الفتن والفوضى، وحظر نشر الاخبار والحوادث أو المواد الاعلامية التي من شأنها أن تعمل على التحريض، والعمل على دحر الفكر الإقصائي من أجل تعميق ثقافة المواطنة والإنسانية، وإرساء دعائم الأمن والسلم الاجتماعيين، لترتفع حساسية الأفراد والمجتمع تجاه كل خطاب يُنشّز عن الإيقاع المطلوب ويزرع الشحناء والبغضاء بين أفراده.

طبعا هذا إلى جانب الحل القانوني والقضائي من خلال صياغة قوانين وقواعد تجرّم خطاب الكراهية بكل أشكاله، وتطبق بصرامة على الجميع، مؤسسات إعلامية أو فضائيات أو أفراد، كحل عملي وناجز حتى يكون المعتدي عبرة للآخرين..

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق