الافتتاحية

دفاعا عن الدولة .. دفاعا عن الديمقراطية..

واصلت بعض القوى التي كانت محسوبة على الخط الثوري، دعواتها للانقلاب على المسار الانتقالي وعلى الديمقراطية، داعية إلى إنزال الجيش إلى الشوارع وإعلان الأحكام العرفية وتفعيل المحاكم الاستثنائية، والقيام بحملة من الاعتقالات والإيقافات كوضع خصومهم في الإقامة الجبرية..

 

1

وتعمل هذه القوى وعلى رأسها التيّار وحركة الشعب بمختلف شقوقها، على الدفع برئيس الجمهورية إلى خوض مغامرة ومقامرة سياسية، يقوم بموجبها بالانقلاب على القانون والدستور، ويلبي بها شهوتهم الجامحة في إقصاء خصومهم بطرق غير ديمقراطية، بعد أن عجزوا على مواجهتهم بالصندوق وبالقانون وبالدستور..

وتشتغل في هذا السياق عدة لوبيات وتسخر في سبيلها مجموعة من الأدوات الإعلامية والسياسية وحتى الهيئات الدستورية، مثلما فعلت “الهايكا” مؤخرا التي دعت إلى فض نزاعها مع إذاعة القرآن في المحاكم العسكرية ومن خلال مجلس الأمن القومي..

هذا الطيف الذي يدعوا اليوم إلى الانقلاب وإلى إزاحة الخصوم بالدبابات والسجون والعسكرة والاحتكام إلى المحاكم الاستثنائية، هو نفسه الذي كان ولا زال يدّعي أنه الطرف الحداثي التقدّمي الديمقراطي، وهي حداثة الدبابة وحكم العسكر.. !!

وهؤلاء هم أنفسهم الذي طالما رفعوا شعار “لا حريّة لأعداء الحريّة” وهم الذين طالبوا خصومهم بعد الانتخابات الأخيرة بضمانات للعودة إلى الصف الثوري ..

مفارقة عجيبة، أن يصبح الطرف الذي كان يُتهم بمعادات الديمقراطية، هو الحريص الوحيد تقريبا على مواصلة ونجاح انتقالنا الديمقراطي، فيما يتحوّل التنويريون والتحديثيون إلى محرضين أساسيين على الحريّة وعلى الديمقراطيّة..

هل هو انقلاب في المواقف؟ هل هي تحولات فرضتها طبيعة الصراع السياسي وفشل هؤلاء في تحقيق وجودهم عبر الاليات الديمقراطية؟ أم أن الأزمة أعمق؟

الأزمة أعمق.. بالتأكيد، وهي في جوانب منها تتعلق بالثقافة السياسية التي تربى ونشأ عليها جزء من العقل السياسي التونسي بشقيه الرسمي “النظامي”، أو المعارض، وهما يشكلان معا منظومة سياسية قائمة على الاستبداد وتربت على الاقصاء، فالذين صارعوا بورقيبة، ومن بعده المنظومة النوفمبرية، تشربوا كثيرا من مواقفهما وتأثروا بشكل واسع بالثقافة التي فرضتها منظومة الحكم الواحد والحزب الواحد والرأي الواحد، والتي قامت أساسا على إقصاء الخصوم، وعدم القبول بالاختلاف والتنوع.

هذا فيما يتعلق بالذين تصدوا للمنظومة القديمة وكانوا صادقين، فما بالك بمن كانوا مجرد ديكور ديمقراطي.. والذين كشفتهم الأحداث الأخيرة.. وهذا في حد ذاته ليس بالأمر الهين.

لأن الفرز الواقع في الساحة اليوم، والاصطفافات التي تجري في بلادنا، مهمة حتى نتبين من يقف مع الحرية والديمقراطية، ومن يتخندق مع الاستبداد، وهذا هو الاصطفاف الحقيقي وهذه هي المعركة الحقيقية..  فالصراع اليوم، وعكس ما يحاول أن يروج البعض، ليس بين قوى أتت بها الثورة وهي تريد الحكم والكراسي وتتملكها رغبة جامحة في السلطة من جهة، وخصومهم الذين يريدون محاربة الفساد والفاسدين من جهة أخرى.

المعركة ليست هذه بل هي في جوهرها بين من يريدون استكمال بنائنا الديمقراطي، وتحقيق أهداف ثورتنا في الحرية والكرامة الوطنية، وهؤلاء طيف واسع من الأحرار في هذا البلد يشمل النهضة وعدد من مكونات 18 اكتوبر وغيرهما.. وبين من همّهم الوحيد الانتكاس إلى الاستبداد.

 

2

المعركة الثانية مرتبطة بالصراع من أجل استكمال بنائنا الديمقراطي، وهي معركة الحفاظ على الدولة، وهنا أيضا نجد أنفسنا أمام مفارقة أخرى، فالذين كانوا خلال حقبة طويلة من تاريخهم السياسي أعداء أو خصوم للدولة وكانوا في صراع معها لمدة تزيد عن الأربعين سنة – وأقصد أبناء حركة النهضة تحديدا- باتوا اليوم المدافعون الشرسون عنها وعلى هيبتها وكل ما يرتبط بها من قانون ودستور وهيئات ومؤسسات..

في المقابل، يتخندق الذين ظلوا طوال سنوات يتبجّحون بتأسيس الدولة الوطنية الحديثة، مع من يهدد يوميا الدولة في أهم مقوماتها وهو الدستور ويحرض بكل قوة على التمرد على أجهزتها أو يدفع بعضها إلى التصادم مع بعض، ومع من يبشر بإعادتنا إلى ما قبل بروز الدولة المدنية وإلى أوهام “الجماهيرية” واللجان في كل مكان، وشعارات من قبيل من “تحزّب خان” و”البيت لساكنه”، ووصل الأمر حد تحريض القوى الأجنبية وحثها على عدم تقديم مساعدات أو قروض لبلادنا..

وفي الوقت الذي يجهد رئيس الحكومة لإقناع المانحين الدوليين بدعم تونس ومساعدتها على الخروج من الأزمة الخانقة التي تمر بها.. تعمل أطراف أخرى من بينها الرئاسة للأسف، على محاولة إقناع المانحين الدوليين بعدم التعامل مع الحكومة وعدم تقديم أي مساعدات لها.

 

3

وما بين الحفاظ على الدولة والدفاع المستميت على وجودها وما تبقى لها من كيان وطني جامع، وحماية انتقالنا الديمقراطي من الانتكاس، يقف أبناء الثورة وفي مقدمتهم أبناء النهضة أمام مفارقة جديدة، ومعادلة صعبة، فهم من جهة سيكونون بشكل من الأشكال الورثاء الشرعيون لحلم ومشروع الدولة الوطنية الحديثة التي ناضل من أجلها آلاف من المقاومين في معركة التحرير المجيدة ضد الاستعمار.

وسيكونون من جهة أخرى في مقدمة المؤتمنين على مشروع الانتقال الديمقراطي الذي ضحى من أجله الآلاف في صراعهم ضد الاستبداد..  مهمة صعبة وعلى الأحرار في هذه البلاد أن يكونوا مستعدين للدفاع عن دولتهم وثورتهم وانتقالهم الديمقراطي.. وأن يستجمعوا كل عوامل القوة والتحشيد دفاعا عن الدولة وعن مؤسساتها الشرعية والمنتخبة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق