الافتتاحية

دفاعا عن الغنوشي..
دفاعا عن البرلمان .. دفاعا عن الثورة

هناك اليوم محاولة ماكرة وخبيثة، تريد تصوير البرلمان على أنه السبب الوحيد للمشاكل التي تعيشها البلاد، ثم وفي مرحلة ثانية يقع اختزال المشاكل بالبرلمان كلها في رئيسه الأستاذ راشد الغوشي، وتحميله كل العبث والعربدة الممنهجة التي تقوم بها بعض الأطراف داخل المجلس، منذ اليوم الأول تنصيبه..

وبناء على هذه المقدمة يقع التلبيس على الناس وتصوير الأمر وكان الحلّ لكل هذه المشاكل يتمثل في خروج أو إزاحة الغنوشي من رئاسة البرلمان، وكأن تونس كانت جنّة قبل ترؤسه للمجلس، أو أنها ستصبح جنة بمجرد انسحابه منه.. أو كأن المشهد السياسي والحزبي والنيابي بعد الثورة كان هادئا ومستقرّا وفي تناغم وانسجام تأمين إلى حدود ترأس راشد الغنوشي البرلمان التونسي.

وطبعا تشتغل على هذه الأجندة المكشوفة أحزاب وماكينات إعلامية كبيرة، وتنفق من أجلها أموال طائلة، بحيث تقع شيطنة الرجل وتحميله كل مشاكل البلاد بحجة فشله أو عدم قدرته على الاضطلاع بمهامه كرئيس لمجلس النواب، وأنه رجل غير توافقي ويدير المجلس وكأنه خليّة تابعة لحزبه..

هذه السردية التي تتكرّر يوميا في المنابر الإعلامية والخطب السياسية، ولا يكاد يمر “بلاتو” أو برنامج إلا ويذكر الغنوشي فيه عشرات المرّات، حتى وإن كان البرنامج مهتما بالرقص الشرقي أو يقدّم وصفات سحرّية للرشاقة ولتخفيض الوزن.. فلا مناص من حشر اسم الرجل حقا أو باطلا وبشكل متعسّف وفجّ..

فهل مشكل بعض القوى مع الغنوشي في سوء إدارته للمجلس حقا؟

..قد يكون الغنوشي ارتكب بعض الأخطاء خلال بداية فترة ترؤسه لمجلس النواب، وقد اعترف شخصيّا بالبعض منها، وقال في ختام تلك الجلسة الشهيرة لسحب الثقة، التي فشلت، أنه سيستمع لانتقادات النوّاب وأنه رئيسٌ للمجلس بفضل أصواتهم، وشدّد على أنّه لم يأت إلى باردو على ظهر دبابة بل جاء بانتخاب تلاه انتخاب آخر، يعني بآلية ديمقراطية معمول بها في أرقى الدول في العالم ولا لبس فيها..

ولكن الحقيقة أن مشكلة بعض القوى لم تكن أبدا مع أدائه، فالأصوات الرافضة للغنوشي انطلقت منذ اليوم الأول لرئاسته للمجلس.. وبعض القوى بدأت منذ جلسة أداء اليمين في سياستها القائمة على الفوضى والعربدة، ورفضت الاعتراف برئاسة الرئيس، كما رفضت أداء اليمين مثلما فعلت غيرها من القوى البرلمانية..

منذ ذلك التاريخ أي منذ أكثر من عام تقريبا، وهذه القوى تمارس البلطجة والعربدة داخل المجلس النيابي وتفسد الجلسات وتعطل عمل المجلس وتمنع المصادقة على القوانين الهامة والعاجلة، وتصادر حق بقية النوّاب في ممارسة مهامهم التي انتخبوا من أجلها، وتفرض أجندتها الخاصة، وتمارس منسوبا عال من الاستفزاز والعنف اللفظي والمادي، وتخرق كل قوانين المجلس، دون أن تحرّك الأطراف التي انتبهت اليوم إلى وجود “عنف” بالبرلمان ساكنا.

والمؤسف في الأمر أن هذه الأجندة المكشوفة تُطبّق على مرأى ومسمع جميع الكتل حتى التي تعتبر نفسها ابنة شرعية للثورة، ومعنية بحماية الانتقال الديمقراطي وبتنزيل دستور الثورة.. هذه القوى لم تنبس ببنت شفة ولم تحرّك ساكنا لكل هذه الفوضى والبلطجة والترذيل، ولم تُدنها حتى ولم تحاول إيقافها بل كانت تستعذب ما يحدث وتتلذذ به طالما المستهدف هو المنافس والعدو الأزلي راشد الغنوشي وحزبه..

..القوى التي تطالب اليوم بالتنديد بالعنف، وتتحدث عن “فرض الاحترام داخل المجلس”، هي نفسها التي صمتت صمت القبور وتواطأت مع القوى التي ملأت المجلس بالفوضى والعربدة والعنف وقلّة الاحترام وخطابات الحقد والكراهية ودعوات الاستئصال..

لذلك فإن ما يعيشه المجلس اليوم، هو نتيجة طبيعية لمسار تواصل سنة كاملة، ولم تحرّك أي جهة ساكنا، بما في ذلك رئاسة الجمهوية التي توجّه لها رئيس مجلس النواب طالبا التدخل للحماية.. ومن يريد إدانة العنف اليوم، عليه أن يعترف بأن ما نعيشه اليوم هو نتيجة وليس سببا، ويعتذر لأنه سكت طوال سنة على استباحة المجلس وتعطيل أعماله والتطاول على رئاسته وعلى ممثلي الشعب.

إن الحقيقة الثابتة اليوم هو أن الموقف من الغنوشي، لا علاقة له بضعف أدائه المزعوم في رئاسة البرلمان ولا بما يدّعون من سوء إدارته، بل يعود إلى موقف قديم وجذري من الرجل، موقف يقوم على العداء والحقد والاستئصال، في امتداد لموقف هذه القوى من حركة النهضة وزعيمها منذ ما قبل قيام الثورة.. وهو ما تجسّد منذ عودة الغنوشي من المنفى، ولا أعتقد أن الرجل حينها كان رئيسا لأي مؤسسة، ولا أعتقد أيضا أن موقف بعض القوى التي ذهبت إلى المطار لتطالب بعودته إلى بريطانيا له علاقة بأداء النهضة في الحكم ولا بأداء رئيسها في البرلمان.. هو موقف عبّر عنه أحد الاعلاميين الذي قال إنه لم يكن يتخيّل حتى في الأحلام أن الغنوشي سيصبح يوما رئيسا لمجلس النواب..

الحقيقة، هي هذه، أي أن البعض لم يستطع أن يستوعب أو يهضم فكرة ترؤس شخصية مثل راشد الغنوشي منصبا سياديّا في الدولة، بما تحمله هذه الشخصية من رمزيات (باعتبارها واحدة من القيادات والرموز العالمية للإسلام السياسي) ومن تاريخ نضالي عريق، وعمق فكري وعلاقات دولية واسعة..

يترأس هذا المجلس المشبع هو أيضا بالرمزيّات، فهو كان ولا يزال عنوان الديمقراطية والتعدّدية والتنوع، وهو إلى ذلك عنوان الجمهورية الثانية، إضافة إلى كونه أحد العناوين البارزة والمطالب الكبرى للحركة الوطنية، وكلنا يتذكر أحداث 9 أفريل 1938 والمطالبة ببرلمان تونسي.. فكيف يكون رئيسه زعيم حركة النهضة ذات الخلفية الاسلامية.. حتى وإن أتى بها الصندوق إلى مجلس النواب؟

العقل السياسي الذي تربّى على الاستبداد، وأشبع بالحقد والإقصاء، لن يتقبل هذا الوضع الذي فرضته الثورة وصناديق الاقتراع، لذلك فإن جزء مهمّا من المعركة في البرلمان، هي معركة الديمقراطية مع القوى التي تحن وتدفع إلى العودة إلى الدكتاتورية..

ولا وجود لمناطق وسط في هذه المعركة، ولا مناطق رمادية، فإمّا أن تكون مع مخرجات الصندوق ومع الحريّة والديمقراطية أو أن تكون مع الفاشية والدكتاتورية، حتى وإن تلبستَ بلبوس الثورة.

الغنوشي يستهدف لأنّه رمز للثورة، ورمز للطبقة السياسية التي جاءت بها الثورة، لذلك لم تتوقف آلة الشيطنة والاستهداف التي تعمل ضدّه يوما واحدا ….

الغنوشي يستهدف أيضا، وخاصة، لأنّه صاحب رؤية ومشروع يتجاوز مجرّد الحكم، إلى تطبيع وضع حركة النهضة (والحركات شبيهة في العالم) مع بلدانها وإخراجها من حالة الإسلام السياسي الاحتجاجي الغضبي الذي يصادم الدولة باستمرار إلى حركة تشارك في بناء الدولة وتعمل في انسجام معها ولا تعاديها بل تعمل على تنميتها وحمايتها..

وهذا أفقد خصوم حركته ورقة مهمّة جدّا لطالما اعتمدوا عليها في استهدافهم للنهضة وهي إدخالها في صدامات لا تنتهي مع المؤسسات الرسمية للدولة واستعمال أجهزتها للتنكيل بأبناء الحركة.. اليوم الغنوشي قال أن حركته تجاوزت هذا الوضع، ولم تعد في صراع مع الدولة بل هي جزء من الحكم وبالتالي من الدولة.. بل هو ذهب أبعد من ذلك أي إلى التاكيد من خلال التجربة التونسية على نهاية الإسلام السياسي وبداية عصر الإسلام الحضاري والتاكيد من خلال ذلك على إمكانية التعايش بين الإسلام وقيم العصر وعلى رأسها الديمقراطية.

ولذلك يفضّل خصوم النهضة ويدعمون إعلاميا وبأشكال شتّى المجموعات داخل النهضة التي لا زالت تحن إلى “زمن النضال” والمواجهة مع الدولة، ولا زالت تعيش في تسعينات القرن الماضي، رغم كل الويلات التي خلفتها تلك الأيّام على الحركة وأبناؤها.. وللأسف فإن البعض من هؤلاء لا يزالون يعارضون ما سمّي بالخط السياسي للحركة القائم على التوافق، ولا يزالون يعتبرونه خيانة .. نعم يعتبرونه خيانة ولا أدري هل هم واعون بمدى الخطأ الذي يقعون فيه بمثل هذا التحليل أم أن ذلك مبلغهم من العلم؟

الأيام كفيلة بالإجابة..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق