راي رئيسي

دولة المواطنة .. أم دولة الرئيس؟

يختزل غلق مجلس النواب وقصر الحكومة بدبابة المحتوى التاريخي والرسالة السياسية، لانقلاب 25 جويلية.

نقصد بالمحتوى التاريخي نمط العلاقة الذي درجت السلطة السياسية على إقامته مع الدولة، فهي باستثناء عشرية ما بعد الثورة تعاملت دائما مع الدولة لا كأجهزة وظيفية محايدة لتصريف قنوات الحكم بل كأداة مدمجة في نمط النظام السياسي، بما يعني توظيف أدواتها لوصول للحكم والاستمرار فيه، بتجيير أدوات الإكراه الشرعي والعنف المشروع التي تحتكرها.

تأميم أدوات الدولة ثابت الفصل بين دولة العقد والمواطنة ودولة الاستبداد، هذه جملة مدرسية معروفة تصلح للوضوح المعرفي، ولا تفيد كثيرا في فهم صيرورة العلاقة المعقدة بين الدولة والسلطة في الفضاء العربي عموما وفي المجال الوطني تحديدا.

أعاد 25 جويلية طرح السؤال من جديد على النخب التونسية من زاوية عنوان أشمل مداره ممكن تمزيق العقد الدستوري لاجتماعنا الوطني، ومن ثمة العودة السريعة إلى زمن الحاكم الفرد وتأميم الدولة وفي مقدمتها جهازها العسكري والأمني لفرض إرادته ونمط السلطة الذي اختاره للتونسيين.

العنف الرمزي الذي تتقاطر معانيه من مشهد غلق قصر الحكومة البرلمان بدبابة اختزل الحقيقة المرّة لمن كان منحازا للقول إن عودة الدكتاتورية استحالة تونسية بعد الثورة.

منع الناس السفر، وفرض الإقامة الجبرية على مسؤولين سابقين، واستعمال ترسانة الجهاز الامني للتضييق بل ومنع التونسيين من الالتحاق بالوقفة الاحتجاجية يوم 26 من الشهر الجاري لم تكن مجرّد مؤشرات على تجيير الجهاز الأمني والعسكري لفرض نمط حكم فرداني سائب ومستبد بالسلطة بل كان حقيقة ماثلة على أن 25 جويلية ليس سوى محاولة جديدة في الوقت التاريخي الضائع والتوقيت السياسي الخطأ لاختطاف الدولة، وتوظيف أجهزتها لحسم الصراع حول السلطة واحتكارها، وجاء مرسوم 22 سبتمبر سيء الذكر ليقنن بالنهاية النتيجة والمحصول إرادة تأميم الدولة.

المهم الحاصل المهم من السابق أننا كتونسيين، وفي هذه اللحظة المفصلية التي نحاول بصعوبة وبألم ولكن بوعي وتصميم انتزاع الدولة من القدر وإعادتها للتاريخ، في هذه اللحظة مطالبون بتجنب محظورين:

– محظور استمرار التداخل بين كراه السلطة كضرورة من ناحية، وضرورة الثورة على التسلط من ناحية ثانية، هذا التشابك بين الضرورتين هو الذي دمّر الدولة وفجّر أسس الاجتماع السياسي في العراق وفي ليبيا وفي سوريا ويكاد يمتدّ إلى حالات عربية أخرى.

ولعلنا قد لا يبتعد بنا التأويل عن الحقيقة إذا شدّدنا على أن التزامن بين الصفر سلطة والصفر دولة هو المقدّمة التاريخية للفتنة أو التحارب الأهلي.

فليس أصعب على الشعوب من إعادة استدعاء الدولة بعد طردها وتفسيخها أو تجويفها بقوّة إرادة التحرر من السلطة. إذا سقطت الدولة انهارت أسس التعايش الاجتماعي ومن تحتها أسس الاجتماع السياسي وبناءها يتطلّب سنوات وربما عقود ولا تعود أبدا بنفس توازنات الاجتماع السياسي وفي الغالب لا تعود على نفس التقسيم الجغرافي والحدود الترابية..

الاحتفاء الشعبي بالانقلاب أحال على حاجة التونسي لاستعادة الدولة لمخالبها لتفسيخ مشهد العبث السياسي السائب.

الحقيقة أن 25 جويلية أحال أساسا على بؤس وعي النخب الديمقراطية التي لم نشتغل على سؤال الدولة، ولم ننتبه للحاجة النفسية والتاريخية لدى التونسي للدولة.

الدولة في مخيال المناضل الذي قاوم الاستبداد وعرف معتقلات وسجون وسياط السلطة القمعية من الصعب عليه أن يفصل بين النظام والدولة، فالقانون الذي حوكم به قانون الدولة والرصاص الذي استشهد به رفاقه رصاص الدولة والسجون التي هدته وأكلت سنوات شبابه هي سجون الدولة.. أما مخيال العامة عندنا فالدولة هي التعليم والصحّة والمرفق العام والأمن والاستقرار.. وربما قليلا من القمع المفهوم والمبرر أحيانا..

مدارات التحليل في اعتقادي يجب أن تتكثف في الحدّين الفاصلين بين طبيعة حضور الدولة في وعي المواطن – المناضل خاصة – وحضورها في وعي “رعايا ” دولة الاستبداد، فبين الحدّين قد ننسّب كثيرا من القراءات الكارثية والتبسيطية لزلزال 25 جويلية.

الخلاصة من السابق: عمق حضور الدولة كحالة سيكولوجية وضرورة تاريخية لاستمرار الوجود الاجتماعي ربما انتبه له من هندس 25 جويلية، ولم يتردّد في تجيير أجهزة الدولة لفرض أجندته رغم أنه كان مواظبا على ترذيلها كبؤرة فساد وإفساد طيلة سنتين من عهدته الرئاسيّة.

مارس مخيالنا النضالي علينا سلطة خفية في انتاجنا لخطاب جوهره محاربة فساد الإدارة وأجهزة الدولة وتقاطعنا هنا بوعي أو دونه مع خطاب قرطاج الذي كان يمهّد بترذيل السلطة الدولة للانقلاب على الجميع.

لم ننتبه كنخب ما بعد الثورة إلى ضرورتها وحيويتها – ولو بقليل قمعها – لم ننتبه لحساسية التونسي من استهداف الدولة، ولم ننتبه خاصة أنّنا بعد تحبير الدستور لن نحارب الفساد وأمراض الدولة، إلّا بأدوات الدولة نفسها.

لقد مارس وعينا وتصورنا الترنسندتالي الميتافيزيقي للدولة ووظيفتها الأخلاقية سلطة مخاتلة في انتاج خطابنا حول أولويات المرحلة، وطوّح بنا بعيدا عن ملموسية الحاجة التونسية للدولة التي لم يتعوّد التونسي على رؤيتها منهكة ضعيفة بل ومهانة.

اختيار جزء كبير من التونسيين الانحياز للرئيس كممثل للظل الكثيف للدولة الحامية يعكس وعيا تاريخيا وليس سياسيا بممكن تفسيخ معنى الاجتماع السياسي والوجود الاجتماعي في حال غياب الدولة أو تدميرها بأكثر ما يحيل على حنينا للاستبداد أو قبولا بعودة نصاب القمع.

أظن أننا معنيون اليوم أكثر من أي وقت مضى أن نجدد أسس علاقتنا بموضوعية الدولة نفسها.. معنيون بالاشتغال على معنى الحفاظ على منجز الدولة وقوّة الدولة وهيبة الدولة ضمن رؤية وطنية شاملة تحيل على أن قوة الدولة في صلابة نسيجها التعاقدي وقاعدتها الدستورية والتزامها القانون والولاء العام الطوعي لها مع التذكير أن ضعف الدولة من مظاهر أنصبة القمع والاستبداد وقوتها من مظاهر الديمقراطيات الراسخة.

من مفارقات مشهد ما بعد 25 جويلية أن الحداثيين أصبحوا أكثر من يهدّد الدولة ويشكك في عقدها ومؤسساتها، مع أنهم الأكثر استفادة من الدولة ومواقعها وامتيازاتها.

وصار الإسلاميون أكثر من يدافع عن الدولة ومؤسساتها مع أنّهم الأقل تموقعا فيها وهم أكبر ضحاياها التاريخيين..

الحكاية طويلة..

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق