راي رئيسيغير مصنف

رئاسة الحكومة..
بين نظرية الحكم ومزاج الشخص

– بحري العرفاوي –

أن يكون اسم رئيس حكومة ما بعد 2011م أشبه ما يكون بـ “اللغز” يُثير رغبة التونسيين في معرفته قبل أن تعلن عنه الجهة المعنية بتكليفه وأن تظل تزكيته أيضا محلّ شك قبل عرضه على البرلمان فهذا أمر مشرّف للتونسيين ومعبّر عن كوننا نعيش زمنا سياسيا مختلفا عما سبقه في تاريخ بلادنا  بل ومختلفا عن واقع العرب جميعا.

ما ضجّ به عالم الفايسبوك منذ موسم الانتخابات إلى اليوم من تعاليق وتحاليل وحتى تندر وكاريكاتير إنما يعبر عن كون السياسة في تونس لم تعد شأنا حزبيا ولا حكرا على جهاز الحكم ومغنما أصبحت شأنا وطنا ومشغلا شعبيا يخوض فيه أجمع الناس  بمختلف مستوياتهم وأعمارهم ومواقعهم الاجتماعية ولا أحد يمتلك حق إلزام الآخرين برؤيته ومواقفه وأحكامه.

قد يُقال بأن فائض الحرّية الذي نعيشه أفرز ظواهر ومواقف غير مناسبة للحرّية ذاتها، ولكن المرحلة الانتقالية التي نمر بها تسمح بتبرير ما يحصل من “انفلاتات” كونها تعبيرا عن شحنة مختزنة من الحرمان والخوف والقلق ترسبت بفعل عقود الاستبداد.

لماذا ظل التونسيون ينتظرون بشغف إعلان رئيس الجمهورية عن اسم المكلف بتشكيل الحكومة؟ لماذا ظلت التسريبات تتوالى متضاربة ومتقاربة ومتطابقة وكأن البلاد تنتظر “ولادة” كائن جديد سيغير من حالها وسيفعل ما لم يحصل منذ تسعة أعوام من عمر أشواق الثورة؟

ربما نفهم أن تلك الانتظارات إنما تعبر عن حرص التونسيين على مجيء من يخدم بلادهم ومن يعالج مشاكل البطالة والتنمية والجريمة وغيرها من المشاكل التي يتوالد بعضها عن بعض كتوالد جرائم القتل والسرقة البراكاجات والاغتصاب وترويج  المخدرات والمشروبات الكحولية في كل الأحياء والأزقة وفي واضحة النهار.

غير أن هذا “التعلّق” بشخصية سياسية سواء كانت في رئاسة الحكومة أو رئاسة الجمهورية أو في المعارضة أو في النقابة أو في العسكر أو الأمن إنما يُعبر عن حالة من “التعويل” على الشخص المنقذ الذي تنظره البلاد ليعالج أزماتها ويُخرجها من “الظلمات إلى النور” كما لو أنه يمتلك عصا سحرية وكما لو أن واقع البلاد جهازا الكترونيا ينتظر صاحب اختصاص يعيد إليه سلامته وينقله من حالة عطالة إلى حالة اشتغال.

هذه “الانتظارية” لا تعبّر فقط عن حالة نفسية بل وتعبر عن أزمة وعي حين يظن الناس إلى الواقع يتغير على أيدي أفراد وليس على أيدي عموم المواطنين.

إن التونسيين هم المسؤولون عن واقع البلاد قبل وبعد 2011م. وهم من يمتلكون ناصية الإقلاع اقتصاديا وثقافيا ومعرفيا وفنيا ورياضيا إذا ما أرادوا وإذا ما رسموا منهجا للحركة والفعل والإبداع والإصلاح.

نحتاج وعيا بمفهوم المواطنة بما هي عنوان مشترك بيننا على اختلاف انتماءاتنا السياسية والإيديولوجية ونحتاج الارتقاء بقاموس خطابنا في مناقشة خلافاتنا ونحتاج رحاب صدور لتحمل الأخطاء والتجاوز عن صغائر الأمور ونحتاج كيمياء تؤلف بيننا فنتحرك كقوة مادية وذهنية ونفسية نفكك مشاكلنا ونعالج أعطابنا ونصنع واقعا جديدا تتحقق فيه مقتضيات العيش والأمن،ونضمن للأجيال القادمة ظروفا أحسن للتحرر من أعبائنا نحن ومن مخلفات نظام الاستبداد والتبعية.

ليس مهما من يكون رئيس الحكومة المقترح من رئيس الجمهورية سوى من حيث هو عنوان لأهداف معينة ومنهج محدد في الحكم، ولكن الأهم هو مدى استعداد التونسيين للعمل والإنتاج واحترام القانون والترفع عن صغائر الأمور والتحرر من الأنانية ومن الأوهام.

النهوض بتونس مُتاحٌ للتونسيين وهم في زمن الحرية وليس لأحدنا التعلل باستبداد أو تسلط ، فإرادتنا ووعينا هما الضامنان لمنع عودة الاستبداد والتسلط وتلك هي روح الثورة حين نتحرر في جهازنا النفسي وبنيتنا الذهنية من كوننا عاجزين عن الفعل  أو مفعول بنا وفينا.

من معاني الثورة تحررنا من العجز والكسل ومن “الجبرية السياسية” التي حولت فكرة “المهدي المنتظر” إلى قاعة انتظار نستقبل فيها الفقر والبطالة والأوبئة والظلم وتشرئب أوهامنا للمخلّص الفرد.

“المهدي المنظر” عند المفكر حسن الترابي رحمه الله هو “الشعب” حين يريد.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق