راي رئيسي

رئيس الجمهورية وسنة أولى رئاسة..
حصاد ضعيف ومخيب للآمال

عام مضى على تولّي قيس سعيد رئاسة الجمهورية، التي وصفها بـ”الأمانة أمام الله والشعب والتاريخ”، وسط انقسام بين الأوساط السياسية والشعبية حول أدائه واحترامه الدستور، وإيفائه بوعوده خلال “حملته التفسيرية” التي رفع لها شعار “الشعب يريد”. سنة، حق بعدها التساؤل عن أداء ساكن قرطاج الذي حصل على أعلى تأييد شعبي من الناخبين منذ جانفي 2011.

أطلق سعيد جملة من الوعود خلال حملته الانتخابية وخلال مراسم توليه منصب الرئاسة منها ما يخص المجال الاجتماعي والحقوق والحريات و منها ما يخص المجالين السياسي والاقتصادي ومنها ما يخص السياسة الخارجية ومنها ما يخص التنمية والتشغيل ومقاومة الفساد والأمن القومي.. إلى جانب بعض الوعود الفضفاضة التي يصعب تقييم مدى تحقيقها، من قبيل تكريس المحاسبة والمراقبة وتكريس دولة القانون، ومكافحة التهرب الضريبي وتبييض الأموال التي لم يتخذ أي خطوة قانونية في اتجاهها.

فهل كان أداء رئيس الدولة في مستوى انتظارات وآمال ناخبيه، الذين علقوا عليه أمل تصحيح المسار وإعادة ترتيب البيت الرئاسي الداخلي وأن تلعب رئاسة الجمهورية دورها المنوط بها في ضوء الصلاحيات الدستورية الممنوحة لها؟

 

فشل اتصالي

في كل مرة نجلس أمام جهاز التلفزيون ننتظر خطاب رئيس جمهورية مجمّع، موحّد متبصّر بمشاغل مواطني بلده، إلا ووجدنا أنفسنا أمام أستاذ غليظ القلب واجم يُجلس تلميذا مذنبا أمامه يوبّخه بفضاضة وقسوة لأنه لم يقم بواجبه المدرسي ولم يحفظ دروسه التي أملاها عليه بشكل جيد..

وفي ظرف عصيب ودقيق يعيشه بلدنا وكل مواطن تونسي الغني والفقير، رب العمل والموظف البسيط، صاحب الشركات والعامل اليومي، المواطن العادي والمسؤول، في هذا الظرف القاسي والغائم والمخيف الذي نمرّ به يجلس المواطن التونسي يتطلع إلى خروج رئيسه، رئيس كل التونسيين ورمز دولتهم ووحدتهم وسلامة ترابهم ، ليستمع منه إلى كلمة طمأنة ورفع للمعنويات، ومؤازرة، تشدّ بها على أيدي المواطنين المتوجسين من حاضرهم ومستقبلهم، فإذا به يخرج عليهم متوترا مكفهرا غاضبا مقطب الجبين، بأسلوب منفر ومحبط، يحدثهم عن مؤامرات تحاك، وغرف مظلمة وعن بؤس الساسة وفشل الأحزاب.. وهذا دليل قاطع على فشل تواصلي كبير وعجز عن إيصال رسائل إيجابية للمواطنين..

 

المجال السياسي.. ازدراء الأحزاب ومعركة الصلاحيات

السنة الأولى للرئيس خصصت لتشكيل فريقه في قصر قرطاج فريق لم يتمكن من تحقيق الانسجام المطلوب فيما بينه، ولا استطاع وضع برنامج تفصيلي من المبادرات والمشاريع والزيارات والمقابلات لرئيس الجمهورية. كمل شهدنا تغيير لطاقم ديوانه أكثر من مرتين خلال سنة واحدة مما يعكس حالة من التخبط والضبابية وعدم فهم لطبيعة المرحلة ولصلاحيات منصب رئيس الدولة. إلى جانب الإقالات المتواترة التي أقرها سعيّد في المناصب العليا، واصفا بعضها بالمهينة على غرار إقالة وزيري الخارجية والدفاع، ثم إقالة مندوب تونس الأول والثاني في الأمم المتحدة.

انشغل قيس سعيد بتشكيل الحكومات المتعاقبة بعد فشل حكومة الجملي في نيل ثقة البرلمان، وكان عنوان فشله الأول تعيين شخصية حزبية فرضها فرضا، شخصية لم تنل ثقة الشعب ولفظتها إرادته في الانتخابات الرئاسية وهو إلياس الفخفاخ، ثم زاد فوق ذلك بصمت القبور على ما علق به من شبهات فساد وتضارب مصالح وملفات لدى الهيئات الرقابية والقضائية واستمر في التغطية عليه حتى آخر لحظة..

الإخفاق الثاني كان من خلال فرض شخصية أخرى على رأس الحكومة من خارج دائرة ترشيحات الأحزاب ودون تشاور معهم ثم سمح لمستشاريه وحاشيته باختراق مؤسسة رئاسة الحكومة صاحبة السيادة وتعيين الوزراء وتوجيههم والتأمُّر عليهم.. وقبل وهو حامي الدستور والمستأمن عليه أن تكون هناك حكومتين واحدة في القصبة وأخرى في قرطاج..

وفي الأثناء أضاع رئيس الدولة البوصلة واختار أن يكون في صدام مع الجميع رئاسة حكومة ورئاسة برلمان وأحزاب، ولم يتقيد بالصلاحيات الممنوحة له دستوريا، وأضاع الوقت في متاهات التنازع على الصلاحيات سواء مع رئيس الحكومة أو مع الوزراء أو حتى مع البرلمان..

في المقابل رأينا انغلاقا تاما على الحساسيات السياسية والأحزاب. فلقاءاته مع الأطراف السياسية كانت شبه منعدمة ومرتبطة بمناسبات قليلة. بل رأيناه ممعنا في ترذيل وتخوين الطبقة السياسية والسلطة التشريعية، وارتبط حديثه عن الطبقة السياسية والأحزاب بالغرف المظلمة والبؤس والفشل، والخيانة، والاندساس والغدر والوعود الكاذبة، والارتماء في أحضان الاستعمار، والتآمر..

 

غياب مبادرات اجتماعية

في بداية عهدته رأينا رئيس الجمهورية يستقبل في قصر قرطاج مجموعة من شباب الولايات المهمشة. يستمع إلى مشاغلهم ومعاناتهم ومقترحاتهم لخلق مواطن شغل تحقق ظروف عيش كريمة لهم ولعائلاتهم وتمكنهم من الاندماج في المجتمع ومن المساهمة في بناء مستقبل الوطن.

واستبشرنا بحرصه على ضمان الحقوق المشروعة لهؤلاء الشباب في الشغل وفي التأمين ضد المرض وفي المسكن اللائق هي من أوكد الحقوق الإنسانية، وانتظرنا استتباعا لذلك تقديمه لمقترحات ومبادرات تشريعية في باب الحقوق الاقتصادية، لكنه  لم يمارس صلاحياته الدستورية في هذ المجال، ولم يتقدم بأي مبادرة تشريعية يمكن أن تخدم المفقرين والمحتاجين الذين تبنى الدفاع عنهم في كل تصريحاته إلى حد الساعة..

 

الفساد.. صمت غير مبرّر

رئيس الجمهورية هو رئيس مجلس الأمن القومي وعلى طاولته تطرح كبريات القضايا التي تمس من أمن الدولة وتهدد أمن المواطن وسلامته وهو من خلال مجلسه له صلاحيات مطلقة لتسليط الضوء على هذه القضايا وتجنيد أجهزة الدولة الممثلة في المؤسستين العسكرية والأمنية من أجل إماطة اللثام عن حيثياتها..

وُضع أمام رئيس مجلس الأمن القومي والقائد الأعلى للقوات المسلحة ملفات ثقيلة ومدججة حول مافيات تهريب على أوسع نطاق واتجار بالمخدرات وتسفير وقتل، مافيا تعيث في البلاد فسادا، مافيا متورطة في جوسسة وتخابر مع أطراف من الخارج، مكالمات هاتفية وفيديوهات وملفات سرية داخلية وخارجية، وحروب خفية، وعصابات تحرق الاخضر واليابس ولا تستثني حرثا ولا زرعا ولا بشرا ولكن فخامته لم يستفزه ملف وضع على مكتبه يكشف وجود دولة صلبة وجماعات ضغط من بينهم أباطرة للمال الفاسد والإعلام الموجّه وأسماء مافيوزيّة صار الجميع يعلم دورها في صناعة الحكم قبل الثورة وبعدها وتأثيرها المباشر في أطوار الانتقال الديمقراطي، بتسرّبها إلى مجالات المال والأمن والإعلام باتت تسيطر على الدولة والإدارة وتمثّل الراعي الأول للفساد الذي صار بنية متكاملة، واعتبر أن الأمر لا يستحق منه عقد اجتماع عاجل لمجلس أمن قومي؟

 

المؤسسة العسكرية..

رفع رئيس الجمهورية شعار ضرورة النأي بالمؤسسة العسكرية عن الاستقطاب والتجاذبات السياسية، فإذا بنا نجده  في كل زيارة إلى  وزارة الداخلية أو عدد من الثكنات العسكرية والأمنية إلا ويلقي خطابات شديدة اللهجة يتوعّد فيها بتصدي الجيش لمن يتآمرون مع القوى الخارجية لإسقاط الشرعية السياسية في البلاد.
وفي كل مرة يصر قيس سعيد على ارسال رسائله السياسيّة من ثكنات الأمن وخوض معاركه السياسية من فضاء ثكنات القوات الحاملة للسلاح أمنية كانت أم عسكرية. وهذا أكبر اخفاق في الوفاء بأحد الشعارات التي تعهد بها من قبل حتى توليه السلطة.. فإقحام المؤسسة العسكرية في التجاذبات السياسية أخطر ما يمكن أن يعيشه أي بلد يمضي في مسار انتقال ديمقراطي..

 

الدبلوماسية.. عزلة سياسية مع الخارج

رغم أن “الصلاحيات الممنوحة له عبر دستور 2014 تمنحه مجالا واسعا للتدخل في الشأن الدبلوماسي، عبر خلق تواصل دائم مع كبرى الدول حيث يصنع القرار السياسي ومع مؤسسات التمويل الكبرى والقيام بزيارات تعود بالنفع على تونس اقتصاديا وماليا، إلا أنّ رئيس الجمهورية أدخل البلاد في عزلة سياسية لفترة طويلة، “فالسياسية الخارجية في عهدة قيس سعيد ما تزال غامضة وغير مفهومة، خاصة في علاقتها بالملف الليبي الذي لم يحرك فيه ساكنا طيلة 9 أشهر..

لقد اتسم الأداء الديبلوماسي الرسمي منذ تولي فخامته الرئاسة ببهتة العاجز، وشلل المخيال السياسي المتجمد المتحجج بفكرة الحياد المخاتلة. وفي الوقت الذي تسابقت فيه كل دول الجوار الليبي في الرهان المشروع على أحد أطراف الصراع الليبي-الليبي، للتموقع لاحقا في خارطة المصالح الاستراتيجية، والاستفادة من مآلات ونهايات الحرب القائمة، تتوارى الديبلوماسية التونسية خلف فكرة الحياد العاجز على استباق المآلات، والتعاطي السويّ مع ملف استراتيجي حارق في دولة جوار تربطنا بها شبكة معقدة من العلاقات التاريخية والسياسية والحيوية.

 

الرئيس والتطبيع وجدل الحماية والاستعمار

القضية الفلسطينية كانت الحاضر الأبرز في تصريحات سعيد قبل اعتلائه الحكم، حيث صرح في أكثر من مناسبة بأن “التطبيع خيانة عظمى”.. قال لنا أن كل أشكال التعامل مع الكيان الصهيوني خيانة عظمى فإذا به يعتبر خيانة التطبيع شأنا داخليا يخص الدول المعنية ولا دخل لنا بها..

ثم اعتدى الرئيس مجانا على تاريخنا، وعلى ذاكرتنا، التي أقرّها، وكتب فيها، وناضل من أجلها، مثقّفون وسياسيون من داخل فرنسا نفسها، منذ سارتر وفانون بالأمس، وصولا إلى ماكرون اليوم الذي أقرّ بواجب الاعتذار عن جرائم دولته الاستعمارية في الجزائر. وأثار غضا وغصة لدى التونسيين وكل من راهن عليه..

ثم رأيناه وهو السائر على خطى الخليفة عمر بن الخطاب يصمت صمت القبور أمام الاعتداء السافر على مشاعر المسلمين والإساءة إلى نبيهم الذي جاء بمباركة الرئيس الفرنسي الذي قبل كتفيه..

إذا هو حصاد الخيبة، الخيبة بعد سنة من تولي قيس سعيد الحكم، خيبة في أدائه ومواقفه، في دوره كحامي للدستور وكمجمع للتونسيين، وكضامن لوحدة واستقرار البلاد، خيبة لما تحول إلى عنصر تفرقة وموضع سجال، ولما دخل في صراع ومواجهة مع رئيس البرلمان ومع رئيس الحكومة.

خيبة في تنكره لعهوده، وفي عجزه طيلة سنة على تقديم أي مبادرة تشريعية، لا سيما في ما يتعلق بمشاغل الشباب والطبقات الشعبية..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق