راي رئيسي

رئيس قاطع ومقطوع ..
قيس سعيد: لستَ منتَخَبًا!

ما دام السيد قيس سعيد مولعا باللغة العربية وقواعدها ومعانيها، فهذا النص موجه إليه تحديدا، نص يشتغل على اللغة وفي اللغة وباللغة للوقوف بداية عن معنى “انتخاب” حتى نفهم إن كان قيس سعيد رئيسا منتخبا فعلا؟

نخب ينخب الثمرة أخرج لبّها ونخب الصقرُ الفريسة أخرج جوفها، ومنه انتخب أي استخرج أنقى وأرقى ما هو موجود في ما هو معروض أمام الناخب/المنتخِب، واستخراج النخبة أو اصطفاء الأصفى يقتضيان معرفة بكل تفاصيل وجزئيات ما هو معروض للفرز والاصطفاء.

انتخاب رئيس من بين عدد من المرشحين يقتضي معرفة كافية بكل المرشحين من حيث تاريخهم وكفاءاتهم وصدقيتهم وتجاربهم واختصاصاتهم ومواقفهم التاريخية في محطات مهمة من تاريخ البلاد والأمة والإنسانية.

فهل حصل هذا بشأنكم؟ هل قام الناخبون بمقارنات علمية دقيقة بينك وبين منافسيك؟ ما الذي يعرفه التونسيون عنك؟ هل شهدوا لك مواقف قبل 2011؟ هل قرؤوا لك مؤلفات في السياسة والاقتصاد والأدب وحقوق الإنسان ومقاصد الشريعة وحوار الحضارات أو في الثورة والديمقراطية؟ هل فعلا قارن التونسيون بينك وبين منافسيك فرجحوك عليهم جميعا؟.

وحين أسأل نفسي هل تعرف قيس سعيد الذي أعطيته صوتك؟ أجيب على الفور: لا أعرفه ولم أسمع به قبل 2011 ولا أذكر له موقفا ولا فكرة، بل إنني استغربت تسلله عبر الإعلام إلى المشهد السياسي وكنت أشعر وأنا أسمعه يتكلم كما لو أنني أصغي إلى جهاز تتقطع شحنته الكهربائية وهو يطحن اللغة ويرسل المفردات في الزفير.

فعل “انتخب” يفيد استخراج النخبة، والنخبة هي بعضٌ من الكل، ولاستخراج البعض من الكل نحتاج معرفةً بالكل، وهذا يقتضي وعيا وإرادة وقناعة بل ويقينا، وهذا الانتخاب يجعل فاعليه مقتنعين حتى اليقين بمن انتخبوهم فيرافقونهم في أداء مهامهم نصحا ونقدا واستجابة بل وإنهم يكونون مستعدين للموت في سبيلهم إذا ما تعرضوا لمحاولة إيذاء سواء من الداخل أو من الخارج فلا يترددون حتى في مواجهة الدبابات عند المحاولات الانقلابية.

وهنا نتساءل إن كان من صوتوا لقيس سعيد قد “انتخبوا” لأنفسهم من اعتبروه أزكى وأنقى وأصفى من كل من نافسوه في الانتخابات؟ هل يمثل يس سعيد بالنسبة لهم قائدا وخزان أفكار ومعانٍ وهل هو حافز للذهاب إلى المستقبل بطاقة تفاؤلية ورؤية انتصارية وبقدرة تواصلية مع الداخل ومع الخارج؟

حين دخلتُ الخلوة في الدور الثاني لمنح صوتي، لم يكن قيس سعيد أمامي إلا “رسما” لا “اسما” ولم تكن حركة القلم نحوه إلا “قاطعا ومقطوعا” حيث لا فكرة ولا مبدأ ولا قناعة ولا طاقة عاطفيه نحو هذا “الرسم”:

وما عجلي إليك سوى لأني

ظننتك قد تكون لنا حجابا

***

فتحجب ذا اشتباه أن يكون

وقد حسب الأناس له حسابا

***

وما وصلَتْ إليك سوى اضطرارا

وما وصلَتْ صفاء ولا انتخابا

لم أكن انتخبتك، لأنني لم أكن أملك بنك معلومات حولك وإنما كنتُ أحاول أن أسد بك الطريق حتى لا يمر من راجت حوله شُبهات.

أن يكون شخص خاليا من الشبهات فليس لأنه شخص جيد بل لأنه شخص غيرُ مُجْدٍ، لأن من يمارس كثيرا يخطئ أكثر ومن يمارس أقل يخطئ أقل ومن لا يمارس لا نجد له أخطاء لأنه هو الخطيئة ذاتها لكونه ظل سلبيا عاجزا جبانا أنانيا “يمشي الحيط الحيط” ويأكل خبزته باردة كما برود همته وقعوده عن محاولات النصح والنقد والإصلاح والتنوير.

ومن كتم الشهادة ذات عُسْرٍ

أو امتهن التّخفّيَ واستطابا

***

أو انتحل الوداعة لم يُقاومْ

أو التمس السلامة ثم غابا

***

فهل نُصغي إليه إذا أتانا

يُقَرِّعُنا ويرجمنا خطابا؟

الثلاثة ملايين من التونسيين الذي صوتوا لقيس سعيد لم يكن هو بالنسبة لهم إلا قاطعا ومقطوعا في خانة من بين خانات على جدول المتنافسين على رئاسة البلاد.

عندما تكون عملية التصويت غير مسبوقة بحركة فكرية ثقافية معرفية يحصل فيها اطلاع عميق على المترشحين وتحصل حركة نقدية وتبذل جهود علمية للمقارنة الموضوعية بين هؤلاء، فإن عملية التصويت لا ترقى إلى معنى “الانتخاب” ولا تكون إلا عملية مقامرة لا تختلف عن عمليات الرهان الرياضي في وضع علامة قاطع ومقطوع في موضع لا نعلم إن كان يجلب نفعا أم سرابا.

ومن غمسوا أصابعهم بحبرٍ

وما علموا إنِ اقترفوا صوابا

***

فقد وطؤوا كمن وطأوا برجس

وقد حسبوا مواطئهم قبابا

***

فإن ندموا فلا الندم اعتبارٌ

وإن يئسوا فقد سكنوا خرابا

لهذا التعريف لفعل الانتخاب تنتفي صفة “المنتَخَب” على الرئيس قيس سعيد، فهو مجرد جامع على أكثر أصوات المصوتين وليس المنتخِبين، فثمة فرق بين التصويت وبين الانتخاب، إذ التصويت هو منح الصوت أما الانتخاب فإنه عملية واعية تنتج عن عملية مقارنة بين مترشحين عديدين وتلك المقارنة تقتضي معرفة شاملة بمن نقارن بينهم لانتخاب أحدهم.

إن الأرقام حين لا نتأملها ولا نزنها بميزان العقل والحقيقة فإنها كثيرا ما تتحول إلى أوهام فيظن الواهم أنه أكثر عددا وأنه في أعين الجميع موضع ثقة ومحل محبة وتقدير فيصيبه الكِبْر حتى يركب خياله ويتوهم نفسه فارسا يبارز أعداء يتخيلهم ولا يراهم يومئ إليهم ولا يدل عليهم يبالغ في وصمهم بكل المعايب دون أن يتأمل وجهه في مرآة التاريخ والحقيقة ودون أن يلتزم قاموس خطاب ينسج به وشائج تواصل مع الآخرين ممن يشاركونه المكان والزمان وممن ليس له عليهم فضل وليسوا عاجزين عن إنزاله مكانه الذي يجب أن ينزله حتى يستعيد وعيه فيطلب الهداية وهي مطلب كل إنسان سوي لا يرى نفسه بلغ مبلغ الكمال والاستقامة وإنما يظل يتواضع لكل فكرة ويطلب الحق من مواضعه لا يتعالى عنه ولا عنها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق