راي رئيسي

رئيس كل التونسيين السيد قيس سعيد .. من يُهَدّد؟

اعتاد التونسيون سماع رئيسهم وهو يتكلم عن غرف مظلمة وعن مؤامرات وعن مرضى القلوب ـ عافى الله الجميع ـ وعن المنافقين وعن الخونة، كما تودوا على سماع تهديداته بالصواريخ المنتصبة على منصاتها، غير أن خطابه الأخير بحضرة بعض نواب الكتلة الديمقراطية كان خطابا أعلى درجة في نبرة التوتر والتهديد والتجريم.

السيد رئيس الجمهورية هو المؤتمن على استمرار الدولة وعلى وحدة الوطن وسيادته وعلى أمن المواطنين، هذا منصوص عليه في الدستور ومؤكد في وعي الساسة وعموم الناس ولا يحتاج تذكيرا دائما من قيس سعيد كما لا يحتاج نبرة حادة لإثبات كونه رئيسا وحيدا للدولة في الداخل والخارج.

من عادة قيس سعيد أنه يطلق تهديداته وتهجماته واتهاماته في غير وجهة فلا يدلّ التونسيين على عناوين الخونة والمجرمين والمتآمرين حتى يتخذوا منهم موقفا أو يتأكدوا بالبحث والنظر في مدى صحة ما يقوله الرئيس بحقهم، كما إنه لا يدل على هويات مرضى القلوب والمنافقين حتى يتأمل الناس ولو بطريقة غير تخصصية طبائعهم وردود أفعالهم حتى يتأكدوا من مدى إصابتهم بأمراض نفسية وتشوهات أخلاقية.

خطاب الرئيس يجد له صدى في شهوات عدد ممن يتمنون توقف المسار لا يرونه ديمقراطيا ولا يجدون أنهم يستفيدون منه ـ بالمعنى السياسي وحتى الإيديولوجي ـ، غير أنه يخلف حيرى لدى عموم الناس حين لا يفهمون من هو المقصود تحديدا باتهامات وتهديدات الرئيس؟

مثل هذا الغموض لا يساعد في توضّح شخصية الرئيس ولا في ضبط الاصطفافات والتحالفات ولا في استشراف المستقبل السياسي للبلاد.

هذا الغموض مشجع على الإشاعة وعلى الوهم وعلى الفوضى أيضا حين يظن المتحمسون أن الرئيس ضد كل الأحزاب والسياسيين وأنه لا يعترف بالبرلمان ولا بنواب الشعب ـ رغم قوله كم مرة بأنه يحترم الشرعية ولكن بشرط المشروعية ـ.

نعم ثمة سخونة تبدو أحيانا مبالغا فيها في أداء بعض السياسيين وفي تصريحات ومواقف مُنتمين لعناوين سياسية مختلفة، غير أن هذه “السخونة” التي ينظر إليها البعض على أنها من مفاعيل التجريب الديمقراطي، لا يمكن وصم أصحابها ب”المجرمين” و”الخونة” ولا يمكن اتهامهم بالتعامل مع أطراف خارجية دون دليل.

إلقاء التهم في العلن ودون دليل من شأنه إفقاد خطاب التجريم والتخوين صدقيته ومن شأنه أيضا تجرئة الجمهور على القانون وعلى الدولة ومن شأنه كذلك إدخال البلاد في طقس غائم من الخوف والقلق وانعدام الثقة بل وحتى الكراهية والعنف.

حديث قيس سعيد المستمر عن الفاسدين والخونة وتأكيده أنه يعرفهم، يَقتضي منه إحالة ملفات هؤلاء إلى القضاء بدل الاكتفاء بإطلاق التهم في العلن وعلى مسمع من متابعي الشأن الوطني في الداخل والخارج.

الرئيس يُمكن أن يعتبره البعض بأنه يمارسُ الإساءة لصورة تونس في الخارج وبصدد الإساءة إلى التجربة التونسية وإلى المسار الديمقراطي حين يسترسل في إلقاء التهم وتخوين أطراف لا يسميها وحين يكرر حديثه عن مؤامرات وعمالة وخيانة وحين لا يُفَعّل القانون ولا يصوغ اتهاماته الخطرة تلك في لوائح إدانة وملفات مكتملة المعطيات تُحال إلى القضاء يفضل فيها فيُنصف المظلومين ويُبرئ الأبرياء ويريح المواطنين من عناء التأويلات والشائعات ومن الأوهام وانتظار ما لا يأتي.

في ظل مصاعب اقتصادية وظروف عيش قاسية لدى فئة واسعة من العائلات التونسية، تتصاعد دعوات الاحتجاج بل ودعوات إلى إيقاف تجربة يراها الغاضبون فشلت في ترجمة شعاراتها الأولى إلى واقع في حياة الناس ومعاشهم وشغل أبنائهم وبناتهم.

دعوات إيقاف التجربة لها ما يبررها حين تصدر عن المحرومين والمنسيين، ولكنها تكون شُبهةً حين تصدر عن شركاء في التجربة السياسية يريدون تبرئة أنفسهم من كل فشل أو تقصير بالقفز إلى ضفة الغاضبين يتبنون مطالبهم وربما أيضا يستعملونهم وقودا لمعركتهم هم مع خصومهم السياسيين.

فهل تكون كلمة قيس سعيد الأخيرة ـ بحضرة عدد من النواب ـ عملية إسناد معنوي لرغبات موزعة بين جزء من الشارع وجزء من الساسة في تحركات احتجاجية على وقع احتفاليات ذكرى هروب بن علي؟.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق