أهم الأحداثوطني

راشد الغنّوشي يكتب لـ “الرأي العام”:
لماذا يجب التصويت لمورو؟

– راشد الغنّوشي –

اعتادت الأحزاب أن تُعبّر عن الانتماء إليها في مناسبات محدّدة بالتزام أعضائها بالانضباط الحزبي وبالتصويت لصالح القرارات التي تتّخذها قيادة الحزب، وهو مقياس من المقاييس التي توزن بها قوّة الحزب وضعفه، وقراءة مستقبله ازدهارا أو اندثارا، وعادة ما تضرب أمثلة على عكس ذلك بالترهّل والاتجاه إلى الاندثار مثلما وقع لأحزاب معروفة.

وفي حالة حزب النهضة فإن ما يتميّز به غالبا من الانضباط الحزبي في سلوك أعضائه يبعث على الثقة فيه بل واعتباره أحيانا الحزب الوحيد المهيكل رغم وجود عشرات الأحزاب في تونس.

ولقد مثل سلوك أعضاء النهضة إزاء الانتخابات الرئاسية سنة 2014 حالة متميّزة دفعتني إلى تقييم تجربة الحياد في الانتخابات الرئاسية، وما قد تدخله من اضطراب خاصة وأنّ المرشح الذي صوّت له النهضويون وقتها وبدل أن يقدّر  ذلك لم يتردّد في شتم قيادتهم مرارا خلال السنوات الأخيرة وحتى خلال الحملة الراهنة للانتخابات السابقة لأوانها، والاتجاه بالخطاب المباشر لقواعدهم، داعيا إيّاهم بشعب النهضة وكأن جسمنا الانتخابي ماكينة للإيجار.

للنهضة اليوم مرشح رسمي وجدّي  ذو وزن انتخابي ثقيل بما يحتلّه من من موقع تأسيسي بارز في تأسيس الحركة  وباعتباره الشخصيّة الثانية في النهضة كنائب أوّل لرئيسها وهو إلى ذلك نائب أوّل لأعلى سلطة في البلاد، مجلس النواب، وأبرز خطباء البلاد بل خطباء العالم الاسلامي والعربي، مثقف تونسي أصيل، جمع كما نبّه إلى ذلك بحق الفيلسوف أبو يعرب، بين جناحي الحركة الوطنية التونسية الجناح الحداثي الثعالبي الزيتوني والجناح الحداثي البورقيبي الصادقي، فقد تتلمذ في المدرستين، تتلمذ في الصادقية وكليّة الحقوق على يد رموز الحداثة ومنهم فرنسيون مثل السيدة لاقرانش، كما تتلمذ على أساتذة الزيتونة ابن عاشور وابن ميلاد والزغواني…

لم يكن عبد الفتاح مرشّح الصدفة فقد سلك إلى القمّة طريقا طويلا، عَرَكته التجارب والمحن خلال نصف قرن فعرف السجون والمنافي وعرف الفقر والخصاصة حتى اشتغل خلال اغترابه في السعودية سنة 1986 سائق تاكسي بين جدّة ومكّة والمدينة، سيرا على نهج الزعيم محمد علي الحامي، وعرفته الدوائر القضائية قاضيا ثم محاميا لامعا، تشتاق إلى مرافعاته الدوائر القضائية، كما عرفته المنابر الإسلامية خطيبا مفوّها بلا نظير، تشهد خطبه ومحاضراته ملايين المسلمين، وما كان ذلك في عزلة من بقية أرجاء العالم، بل صال وجال محاضرا في عشرات الجامعات الغربية والشرقية من كوريا والهند إلى الولايات المتحدة والبرازيل وأفريقيا وأوروبا.

وزادته السنوات التي قضاها في قلب السلطة خبرة بالدولة ومعرفة بأدق الملفات وعززت شبكة علاقاته بصناع القرار في العالم .

لم يكن ترشيح الأستاذ عبد الفتاح حلا لمشكل داخل النهضة ، ولو كان الأمر كذلك لما حصل التصويت لصالح ترشيحه وهو نائب رئيس الحركة على ذلك الإجماع دون معارض واحد، بما دلّ على ما يتمتّع به الرجل من مكانة بين إخوانه.

إن ترشيحه قرار جاد اتخذته حركة مسؤولة، لم تكن تناور إذ كانت تبحث عن مرشح وفاقي من خارجها حرصا على نهج الشراكة الذي اعتادته ومستمرّة في اطمئنانها إلى صوابه، فلما عجزت ولم تظفر به بسبب حالة الاستقطاب التي تشقّ الساحة ما كان يسعها موقف الحياد إزاء استحقاق كبير.

فقد تغيّرت الظروف والموازين عما كان عليه الأمر سنة 2014، ولم يكن يسعها إلّا أن تنزل بمرشح من وزن ثقيل كفيل باستيعاب وعاء النهضة كلّه ويزيد عليه من خارجها بما يتمتع به من قبول شعبي واسع، فلِمَ البحث عن العصفور النادر خارج الحركة وهو موجود بجدارة داخلها، فلم التردّد إذا؟ وهو ما يفسر الإجماع بعد حالة الانقسام.

أمّا عن خطر التغول الذي يردّده البعض فهو خطر موهوم لأنّ القانون الانتخابي ذاته لا يسمح لأي حزب  بالحصول على أغلبيّة، بما يفرض واقعيّا حكم الائتلاف والتوافق ونحن على أشدّ القناعة باستمرار حاجة البلاد إليه رغم كل السلبيّات.

إنّ حركة كبرى مثل النهضة لا يسع مواقفها التردّد والمناورة إزاء قرارات كبرى تتعلّق بمستقبل البلاد، نحن جادّون كل الجدّ في ترشيح الأستاذ عبد الفتاح مورو مستيقنين بجدارته وتأهّله للمنصب وحاجة البلاد قبل الحركة (ومعها) إلى هذه الشخصية بالذات باعتباره لوحة فنية جامعة لإبداعات شعبنا، طرزتها النهضة والبلاد خلال نصف قرن على الأقل، وقدّمتها هديّة إلى شعب تونس وإلى الإسلام الديمقراطي المعاصر، ومن يأتينا بمثله أو بخير منه فله علينا حق أن نصوت له ولكن هيهات.

إشارات التاريخ واضحة دالة على مستقبل تونس: جمعا لما تفرّق عند الآخرين من مكوّنات الشخصية التونسية: الاسلام والحداثة، ذلك هو العصفور النادر الذي ظلّ موضع بحث نخبتنا منذ انفتاحها على العصر.

أدعو أبناء النهضة وبناتها إلى الالتزام بقرار حزبهم والنزول بثقلهم وراء مرشحنا عبد الفتاح مورو من أجل الفوز برئاسة الجمهورية..

أدعو الشعب التونسي الباحث عن الأمن والاستقرار والتنمية ومقاومة الفساد وتحسين ظروف عيش الزوالي ومقدرته الشرائية الى التصويت لمرشح النهضة..

أدعو ابناء الثورة الذي يشعرون اليوم بخطر عودة الاستبداد في أشكال أكثر قسوة وظلما وتعسفا إلى توحيد الصف وعدم إضاعة أصواتهم يمينا وشمالا إلى التصويت لأحد أبناء الثورة عبد الفتاح مورو..

أدعوكم جميعا إلى التصويت للمرشح الأقدر على حماية الثورة وجعل تونس أفضل وأقوى وأكثر وحدة. والله يوفقكم ويرعاكم

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق