اخر الأخبارحصريمدوّنات حرّة

رجل من الآخرة

 

بلغنا نبأ وفاة الداعية والرجل الصالح القوّام الصوّام ، نحسبه والله حسبه  ولا  نزكي على الله أحدا، الشيخ ناصر السعيد، الذي عرفته في البوسنة عن قرب، وسافرت معه، وأكلت معه، وتعاملت معه بالدرهم والدينار، على مدى سنوات العدوان الصربي و الكرواتي على المسلمين في البوسنة والهرسك، فكان نعم السند  لأهل البوسنة بعد الله سبحانه وتعالى، وكان أمينا في حمل الأمانة ، حتى أنه تخلى عن كثير من الامتيازات التي كانت وظيفته تسمح بها ، ومن بينها السكن في فندق مع أسرته ، حيث استأجر بدل ذلك بيتا ، وكان بإمكانه السفر في الدرجة الأولى ولكنه  يسافر في الدرجة السياحية فضلا عن تقشفه في علاقته بنفسه ، وكرمه في علاقته بالآخرين .

لأكثر من 10 سنوات قضاها ناصر السعيد رحمه في البوسنة ، مديرا للهيئة  السعودية العليا ، قل أن يمر يوم دون أن يشرك الموظفين  ولا سيما العزاب طعامه الخاص الذي يعد في بيته ،أما في رمضان فجميع العزاب ضيوفا على مائدته العامرة بجميع أصناف الطعام .

كان الشيخ ناصر السعيد يلقي دورسا في الفقه والتوحيد والسيرة و التفسير على موظفيه ومن حضر من زائريه ,, كان عادلا بين موظفيه لا يفرق بين سعودي و غير سعودي، وعندما قال له أحدهم ( من السعودية )  يوما إما أنا أو فلان ( يعني الخروج من العمل نهائيا ) رد عليه الشيخ ناصر السعيد بحزم ” أنت “. ولم يراع في ذلك هوى الجاهلية ..

وعلى مدى سنوات ظل الشيخ ناصر بن عبد الرحمن السعيد، المشرف الميداني على انجازات الهيئة السعودية العليا وأعمالها الخيرية المتعددة والشاملة لمختلف الميادين والمجالات، في البوسنة .. بنى المكاتب الاقليمية للهيئة السعودية العليا في أوروبا وأدار المكاتب الفرعية داخل البوسنة والهرسك، ومارس جميع أنشطة موظف الاغاثة في حالات الحرب والسلم.

كنت أسأله عن سر ارتباطه بالبوسنة في ذلك الحين وحبه الجم لتلك البلاد وشعبها فكان يقول” علاقتي بالبوسنة والهرسك، علاقة وطيدة كعلاقة أي مسلم بأي شبر من ارض المسلمين، وبأي مسلم في الكرة الأرضية، علاقة محبة، ونصرة، ظالما كان أو مظلوماً، منعه من الظلم إن كان ظالما، ونصرته على عدوه إن كان مظلوما” .

في أثناء الحرب لم يجلس كما يفعل المديرون عادة في كراسيهم الوثيرة، وكان يتابع العمل الاغاثي عن كثب، يرافق القوافل ويستقل طائرات الاغاثة التي غالبا ما تتعرض للقصف.

كان يقول في لقاءات لي مسجلة معه راجعتها الآن “لم أشعر بأني قمت بشيء غير عادي أو غير طبيعي، كنت أؤدي واجبي كما أفهمه وكفى، هناك أمران تكفل الله بهما وهما الحياة والرزق، ايماني بأن الاعمار بيد الله وأن لا تموت نفس حتى تستكمل أجلها ورزقها لقوله تعالى “وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي ارض تموت”. وقوله تعالى “فاذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون”، فأنا لا أخشى الموت، لأن الهروب منه هو الموت، ولو كنا في بروج مشيدة، أما لماذا لم أجلس كما تقول، فلشعوري بالمسؤولية الملقاة على عاتقي والتي اعتبرها أمانة عرضت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، أعتقد ان الانسان اذا جلس وأوكل أعماله إلى غيره لن يؤدي العمل بالشكل الذي يرغب فيه، ثم لا بد للمسؤول أن يكون قدوة لبقية الموظفين في السراء والضراء، اذا أراد ان ينجح في عمله، وتنجح المؤسسة التي يقودها، مع مخافة الله في المؤسسة والموظفين ومن استرعاه الأمانة”.

كان الشيخ ناصر السعيد رحمه الله  من الأوائل الذين قدموا للبوسنة والهرسك، وعن ذلك يقول” كانت تلك أيام عصيبة مرت بالمسلمين في البوسنة والهرسك، كان سيل المهجرين لا ينقطع، والمدن البوسنية محاصرة، ومن ذلك سراييفو، و بيهاتش و قوراجدة والقذائف تتساقط على موستار كالمطر المنهمر، والطرق مغلقة، وقد بلغت قلوب المسلمين الحناجر”.

ويتابع “كانت أهدافنا تتمثل في ايصال المساعدات إلى المسلمين المحاصرين وايواء المهجرين وكان يسهل الوصول للصنف الثاني وهم المهجرون. أما من كانوا يئنون تحت الحصار، فكانوا شغلنا الشاغل، ادخلنا آلاف الاطنان من المواد الغذائية عبر الجبال والأنفاق وعبر شركات لها علاقة مع جميع الاطراف، وعندما منع الصرب الماء عن المسلمين حفرنا الآبار داخل سراييفو، حتى لا يموت المسلمون من العطش، ولما قطعت عن المسلمين الكهرباء والغاز وزعنا الحطب والبطانيات والشموع على السكان، وأقمنا المخابز في سراييفو التي كانت غارقة في ظلام دامس، وخوف دائم ودماء لا تنقطع، هكذا وجدنا البوسنة لما قدمنا اول مرة”.

في سنة 1995 م قلت للشيخ يا شيخ أنفقتم الملايين من الدولارات في البوسنة ، وقد ينتهي عمل الهيئة ، ألا تتركون أثرا في البلاد ، فكان مسجد ومركز خادم الحرمين الشريفين، الذي يتسع لخمسة آلاف مصل، وكلف 22 مليون ريال. و مشروع بريتشكو لبناء 1200 وحدة سكنية للمسلمين، الذي كان له دور في صدور قرار المحكمة الدولية لصالح المسلمين، وكلف 10 ملايين مارك أي 20 مليون ريال سعودي. و مشروع الأكاديمية الاسلامية ببيهاتش الذي كلف 4 ملايين مارك أي 8 ملايين ريال. ومسجد الأمير عبد الله بن عبد العزيز في توزلا الذي يتسع لأربعة آلاف مصل وكلف 4 ملايين مارك. و مشروع ترميم السكك الحديد من ميناء بلوتشا الكرواتي وحتى منطقة بزاريتش من ضواحي سراييفو بمبلغ ثلاثة ملايين مارك أي 6 ملايين ريال سعودي. و مركز خادم الحرمين الثقافي بموستار وهو على غرار المركز في سراييفو .و ترميم المدرسة الاسلامية بموستار بمبلغ مليون مارك. والثامن بناء مسجد الأنصار بزينيتسا بمبلغ مليون ونصف المليون مارك وهو تحفة جميلة نادرة، من حيث التصميم والبناء. و مسجد ومركز الأميرة الجوهرة بمدينة بوغوينو وهو الآخر آية في الجمال وحسن التصميم وكلف 5 ملايين مارك. و مدرسة دار الأيتام التي أشرفت الهيئة على بنائها في سراييفو.

ترك  الشيخ ناصر السعيد أثرا طيبا في نفوس من عرفوه ولا يوجد بوسنوي أو عربي أو غيرهما داخل البوسنة أو عاش فيها لا يعرف الشيخ رحمه الله ، إلا ويشهد بدماثة اخلاقه وكرمه وحبه للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، فقد آزرهم في الحرب وساعدتهم على اعمار المساجد وبناء البيوت وتجهيز المستشفيات، ومد أنابيب المياه،  ويمكنك ان تسأل الناس في الشارع ليخبروك عن مشاعرهم تجاهه، انه في اعماق أعماقهم، والعبد لله منهم ، لقد دخل  الشيخ ناصر السعيد التاريخ البوسني من أوسع أبوابه، وانجازاته ستبقى دالة عليه، وقصته مع البوسنة ستكون رواية الآباء للأحفاد، لو كان هناك توثيق وهو من الرموز التي تتحدث عنها أعمالها و لا تصنع كما يفعلون في الغرب ..

هذه شهادة موضوعية على عطاء  رجل ينتمي للأمة ، وهو أحد رجالاتها ، ترك فعلا و أثرا ولم يترك كتبا  فجزاه الله عنا وعن البوسنة والهرسك خيرا وجعلها في ميزان حسناته .

عبدالباقي خليفة 

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق