راي رئيسي

رحيل الزعيم الوطني وأحد آباء الثورة التونسية أحمد بن صالح

أحد رموز دولة الاستقلال ممن لم تتلطخ أياديهم بالدماء ولم تمتلئ جيوبهم بمقدرات البلاد

انتقل إلى رحمة الله تعالى اليوم عن سن يناهز 95 سنة المناضل والزعيم الوطني وأحد رجالات دولة الاستقلال وأحد آباء الثورة التونسية أحمد بن صالح في المستشفى العسكري بالعاصمة بعد صراع مع المرض. وكان المرحوم قد تعرض بداية هذا الأسبوع لوعكة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى العسكري بالعاصمة حيث زاره رئيس مجلس النواب وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي ورئيس الحكومة هشام المشّيشي والأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبّوبي للاطمئنان على صحته والوقوف معه في محنة المرض التي يمر بها.

والرجل الذي بلغ الـ (97 سنة) تعرض خلال حياته المديدة لمحن عديدة خرج منها منتصرا، ونرجو أن يتغمده الله برحمته، فليس من الهيّن أن يغادرنا بين الفينة والأخرى زعيم رمز في زمن تكاثر فيه “الأرماز” الذين اقترن مرورهم بالمسؤوليات صلب الحكومة أو بقيادة الأحزاب السياسية بالرداءة والفشل.

أحمد بن صالح كان زعيما استثنائيا، بمواصفات استثنائية، قال عنه وزير الثقافة الأسبق والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية المرحوم الشاذلي القليبي في مقدمة كتاب “أحمد بن صالح وزمانه” للأستاذ سالم المنصوري:

“لقد تميّز أحمد بن صالح بجُملة من الخِصال الصِّفات التي لم تكن متجمّعةً كلُّها لدى واحد مِن أترابه وأنداده – ولا حتّى لدى واحد من سائر الزعماء في عصره باستثناء الزعيم الحبيب بورقيبة، فقد كانت شخصيّة أحمد بن صالح في عزّ شبابه، على درجة مُدهشة من الجاذبيّة: بملامح الوجه، وحركات الشَّعر، ونبرات الصوت، وما يُلقيه، عند أوّل اللقاء، من كلمات المُداعبة، بالملاطفة أحيانا، وأحيانًا كثيرة بالسخريّة – مهما كانت منزلة الذي يخاطبٌه.

فأحمد بن صالح لم يكن في أيّ لقاء على حِيطة، ولا التزامٍ بالتقاليد، بل كان دوما مُتحرِّرا من كلّ القيود، ممّا جعل مُخاطِبَه في شبه الذهول، مفتونًا بهذه البراعة المتدّفقة لكن أيضا ممّا جعل الكثيرين منهم يَحقدون عليه”.

هذه المواصفات الاستثنائية للزعيم أحمد بن صالح أهلته ليكون صاحب الحقائب الوزارية المتعددة التي تجمعت لديه في الآن نفسه في مناسبات عديدة وينجح في إدارتها بكل اقتدار فقد كان عضوا بالمجلس القومي التأسيسي من سنة 1956 إلى سنة 1959 وعضوا بمجلس النواب سنوات 1964 و1969 ووزيرا للصحة سنة 1957 وزيرا للاقتصاد و وزيرا للتربية.

خلال “مؤتمر المصير” للحزب الاشتراكي الدستوري الذي انعقد سنة 1964 وخلال مؤتمر الحزب الحر الدستوري، اقترح بن صالح تبني الاشتراكية كمنوال تنموي واقتصادي في تونس وتم تبني الفكرة وخوض تجربة ما سمي آنذاك بالتعاضد التي فشلت بسبب الفساد المستشري داخل الحزب والسلطة، وبسبب المضي في التجربة دون اعتماد تدرج سلس وتشاركي.

خلال فترة الاعداد لمخطط التنمية 1969 -1972 تدخل أحمد بن صالح في اجتماع اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي الدستوري المنعقد في صائفة سنة 1968 ليبين أن نجاح تجربة الوحدات الانتاجية نجاحها وتحقيقها لأهدافها في تنويع المنتوجات الفلاحية وتجديدها يعود إلى سياسة التدرج التي تم اعتمادها مما جعل بورقيبة يتدخل قبل أن انتهاء اشغال اللجنة المركزية لإعلان ضرورة تعميم التعاضد بدءا من السنة سنة 1969.

لقد أظهر بن صالح، في مختلف المهام والمسؤوليات التي تقلب فيها حماسا فياضا وأداء متميزا، وأخذ يتنقل في كل جهات البلاد، يشرح أهداف الخطّة التعاضديّة حتى ذاع صِيتُه، وصار الرجُل القويّ في نظام بورقيبة، فحَقد عليه الكثيرون وعمدوا إلى الدسائس والوشاية وحدثوا بورقيبة عن مطامح بن صالح في خلافته مستغلين أزمة صحية كان يمر بها.

فأخذ بورڨيبة يُتابع عن كثب خُطب وزيره، ويتلقى تقارير حول نشاطه وتحركاته تجمع كلها على ضرورة استبعاد بن صالح وتتهمه بما يتهمه به الوشاة والحاسدون، فلم ينتظر كثيرا وسارع بإدخال وزيره مفضل في نفق مظلم أفضى إلى سجنه سنة 1970 الذي ظل به إلى سنة 1973 التي تمكن خلالها من الفرار متجها نحو القطر الجزائري الشقيق في مرحلة أولى ثم إلى أوروبا.

من منفاه الأوروبي، أرسل أحمد بن صالح رسالة مفتوحة جد صريحة، وجد جريئة إلى بورقيبة من أهم ما ورد بها: “أبيت على نفسي أن أصدع ببيان حقيقة الأزمة التي أشعلتها في سبتمبر 1969، وذلك اعتبارا مني أن تفسيرا اجتماعيا واقتصاديا كاف زيادة على تألب الحاشية وحقد أهل الطمع. راجعت الأحداث فتم اليقين عندي أنك مصدر الأزمة المفتعلة وما وصلت إليه من تعفن. واليوم أرى من واجبي كمواطن أن أفند مزاعمك وأن أعيد إلى أذهان الناس وقائع عهد الكثير منها قريب حتى يتدعّم الحق ويتدعّم اقتناعهم بأني بريء مما علق بي وأنك ارتكبت في حقي ما لا يغتفر دينا وتاريخا.

اتخذت المرض تعلة أساسية لإيهام المواطنين بأنك تباشر أمور الدولة وأنه وقعت مغالطتك، وهاته التعلة غير مقبولة، فقد أصابك مرض القلب في مارس 1967 وشفيت منه بعد بضعة أشهر وعدت إلى مباشرة الأمور قبل أواخر السنة نفسها.

وجاءت سنة 1969 واندفعت كل الإطارات “القومية” والجهوية والمحلية في تنفيذ الإصلاح الزراعي حتى أن كل عضو في الديوان السياسي تبنى مجموعة من الوحدات الإنتاجية التعاضدية للاعتناء بها وبطرق التصرف فيها وتذليل صعوباتها.

لكن الواضح الآن أن أصحاب الأراضي الفلاحية من المسؤولين وأصحاب النوايا السياسية  ما كانوا يرضون بنجاح الإصلاح فقد تربى بعضهم على استثمار الناس واغتنم البعض الآخر الاستقلال ونفوذهم السياسي للحصول على “هناشر” و”سواني” اشتراها البعض من الفرنسيين بشروط جد ميسّرة لا تستجيب إلى مصالح البلاد. هؤلاء هم من أعدوا الخناجر للإطاحة بالتجربة معتمدين على تأييد ونفوذ القصر”.

الرسالة كانت من الوضوح بمكان بحيث أسقطت كل أكاذيب النظام البورقيبي الذي يعمد دوما للتغطية عن فشله بالتضحية ببعض المسؤولين لاسيما منهم المقربين منه، اعتمادا على وشايات أو ظنون أو حتى من أجل قطف رؤوس أينعت وحان وقت قطافها ممن مكنتهم نجاحاتهم من ولوج قلوب الناس ونيل احترامهم وتقديرهم، وهكذا هم الزعماء دوما، يتحولون بمرور الزمن ومزيد تقدمهم في السن إلى “نصف آلهة”، ويصنعون الفراغ من حولهم حتى يظن الناس أن الله لم يخلق غيرهم، وأن القيامة ستقوم لو أزيحوا من مناصبهم، وأن كل مصائب الدهر وغضب الآلهة سيحل بشعوبهم إن فكرت مجرد تفكير في تغييرهم أو إزاحتهم كم مناصبهم.

إثر انقلابه على بورقيبة في 1987 أصدر بن علي عفوا على احمد بن صالح عاد بمقتضاه إلى تونس سنة 1988 بعد غياب دام 15 سنة لكنه سرعان ما غادر البلاد مرة أخرى بعد رفض الترخيص لحزبه الذي أسسه في منفاه حركة الوحدة الشعبية.

بعد الثورة، لقي أحمد بن صالح مساحة هامة من الاحترام والإجلال والتقدير، وتمت دعوته في مناسبات وطنية عديدة، واستمع الناس إلى حديثه الرصين ونهلوا من ثقافته السياسية وحكمته الواسعة في مناسبات كثيرة ظهر فيها في عدة وسائل إعلام، وخلال أزمة سنة 2013 كان أحد دعاة التهدئة والحوار والتوافق بين مختلف الفرقاء السياسيين لتجنيب البلاد والتجربة الغضة ما كان يتهددها من مخاطر وعنف.

خلال السنوات الأخيرة، ومع تقدمه في السن، قل ظهور الزعيم أحمد بن صالح ولكنه ظل حاضرا في وجدان التونسيين كأحد رموز دولة الاستقلال ممن لم تتلطخ أياديهم بالدماء ولم تمتلئ جيوبهم بمقدرات البلاد، وكأحد آباء الثورة الذين كان لهم الفضل في غرس أولى بذور المعارضة الوطنية لنظامي بورقيبة وبن علي، وإرساء تقاليد التعددية الفكرية والسياسية بالبلاد، كما كان صوتا منافحا عن الحريات وعن المساجين السياسيين في عهد بن علي، وصوتا لم ينخرط ضمن جوقة المسبحين بحمد الدكتاتورية، وما بدل تبديلا.

رحم الله الزعيم السياسي والنقابي أحمد بن صالح كان رجلا في زمن قلت فيه الرجال..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق