راي رئيسي

ردّا على ماكرون:
أزمة الإسلام أم أزمة العلمانيّة الفرنسيّة المتطرّفة؟

في خطاب غريب، ودون مناسبة تقريبا، هاجم الرئيس الفرنسي الدين الإسلامي وإدّعى بصفاقة أنّ الإسلام في أزمة.

السياق الذي تأوّله أغلب الملاحظين كان حرب فرنسا المتجدّدة على الغريم التركي الذي حرمته من الالتحاق بالنادي الاوروبي، رغم توفّر كل الشروط والمواصفات كما وضعها كرّاس شروط الانضمام للاتحاد الأوروبي. فرنسا رفضت ومازالت بشدّة إلتحاق تركيا بالاتحاد الأوروبي استنادا إلى الهوية الإسلاميّة للأتراك، المناقضة في وعي نخبها للأصول اليهودية والمسيحيّة للقارة العجوز.

هذا الإقصاء الفاضح والعدائية الفرنسية المجانية لتركيا تعزّزت مستنداته وتصاعدت وتيرته مع “تركيا أردوغان” المحسوب على التيّار الاسلامي، والذي أصبح في السنوات الأخيرة لاعبا إقليميا أساسيّا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وغرب وسط آسيا وشرق أوروبا.

وفي كل تلك المناطق وقفت فرنسا في الضفة المقابلة للأتراك، ربما يكون تضارب المصالح الاستراتيجية بين البلدين ما منه يفهم سياق تصريح ماكرون البائس حول الدين الإسلامي، ولكن هذا لا ينفي مشروعية العديد من الردود التي صدرت عن هيئات إسلاميّة دينية وعلمية ومدنية ومحورها تركز على القول أنّ ما نطق به ماكرون هو في الحقيقة التعبير المباشر عن موقف أنطولوجي ثابت للاستشراق الفرنسي من عالم الاسلام، وموقف نظري وفكري أعمق من الدين عموما كما تمثلته “اللائكية الفرنسية الصلبة” منذ الثورة الفرنسية الى اليوم.

يتذكرّ الفرنسيون والمتابعون للشأن الفرنسي قول الرئيس الفرنسي في بداية في 2005 مبرّرا سن قانون تجريم الرموز الدينية سيء الذكر la laïcité est indiscutable ليرفع اللائكية الى مقام التقديس الديني.

الإرث الفرنسي العلماني المعادي للدين معروف ولا فائدة من التذكير أن جوهر الفرق بين الأصولية اللائكية الفرنسية وعلمانية بقيّة الدول الأوروبية التي اختارت النموذج الانغلوسكسوني، يكمن أساسا في الضديّة المتوحّشة التي زرعتها دمويّة الثورة الفرنسيّة في وجدان ووعي الفرنسيّين مع الدين.

منطق القطيعة والتضادد الحادّ بين الزمني والروحي خصوصيّة فرنسية شكّلت البنية الذهنية لوعي الفرنسي بالدين عموما، وأسست لحساسية مرضية لدى صنّاع القرار للدين الاسلامي خصوصا، بحكم القرب الجغرافي وعقد العلاقة التاريخية مع الضفة الجنوبية للمتوسط.

وتصريح ماكرون الأخير يجد تفسيره العميق في تلك البطانة الشعورية والإدراكية المتشنجة والمرتبكة لدى الفرنسيين من المسألة الدينية وهي بجرد الماضي الاستعماري وبحساب فرنسا اليوم تتحرّك على حدود العدوانية العنصرية التي عبّرت عن نفسها في حزمة قوانين تمنع الاعتراف بالتعدّد الثقافي في جمهورية قيم الأنوار.

القيم الجمهورية في فرنسا هي بالماثل والمحصول العيني لمن يعرف فرنسا من الداخل دينا جديدا للفرنسيين، فهي ثابتة ومتعالية ومقدّسة شأنها شأن كل سردية دينية كلاسيكية كما حدد خصوصياتها علم اللاهوت.

وهذا التمثل الديني الطوطمي للعلمانية كان ضحيته ملايين المهاجرين الذين تناسلوا في فرنسا الحديثة وجيلهم الرابع اليوم يمثل خمس التعداد السكاني وأغلبهم من المسلمين الأفارقة والمغاربة، تعاني غالبيتهم من التهميش، حيث حشر أجدادهم وآبائهم في الستينات في أحياء بائسة على تخوم المدن الكبرى وحرموا من الاندماج في الدورة الثقافية والاقتصادية ومورست تجاههم أسوأ سياسات العزل الاجتماعي والثقافي وحرموا من حقوقهم الدنيا التي اعترفت باقي الديمقراطيات في أوروبا وأمريكا الشمالية كالحق في تأسيس دور العبادة والمدارس الخاصة وكل ماله علاقة بحقوق الأقليّات العرقية أو الدينية. فالشمولية اللائكية الفرنسية أممت الفضاء العام لصالح نموذجها الذي تسميه اندماجيا وهو في العمق والمحصول التاريخي نموذج إقصائي انعزالي متعال ومتمركز حول قداسة الهويّة الفرنسية النقية ومقوّمها اللغة وقيم الجمهورية واللادينية المطلقة.

في السابق قد نجد تفسيرا للتصريح البائس للرئيس الفرنسي، ولكن إحالة ماكرون على النموذج التونسي يثير أكثر من سؤال عن نوايا الفرنسيين، وموقفهم من ثورتنا ومن الديمقراطية في المجال العربي عموما.

فماكرون اعتبر أن زمن الاستبداد في تونس كان أقدر على إدارة ما سماه بأزمة الاسلام، ويقصد أنّ سياسة الاستئصال والقمع البوليسي العاري كانت أكثر وظيفية ومجاعة في التعامل مع الاسلاميين، وأن زمن الحرية في تونس لا يصلح للتخلّص من “الغول الاسلامي”، الذي تخافه فرنسا وتعاديه.

بقطع النظر عن الصفاقة الديبلوماسية التي سمحت لماكرون لا بتقييم التجربة التونسية بل بالتحذير من عواقب الخيار الوطني الديمقراطي الذي انتهجته تونس ما بعد الثورة، وعجزه عن القضاء عن ورم “الاسلام المأزوم”، فأن ما “اقترفه” ماكرون يعكس شوفينية فرنسية ثقافية وسياسية متعالية، سببت لفرنسا خسارة أغلب مناطق نفوذها الاستراتيجي في إفريقيا، ولعل احتضار ما يسمّى بمنظمة الدول الفرنكفونية هو التعبير المباشر عن عجز فرنسا المزمن على تجاوز نزعتها المركزية، واحتقارها المتجدّد لمبدأ التعدّد الديني والإثني والثقافي، وقد كانت فرنسا ومازالت في الداخل مقطبة الجبين للأجيال المتناسلة من المهاجرين، والذين تحوّلوا إلى مركب سوسيو-ثقافي ثابت لفرنسا الجديدة المنبجسة على محارق أزمة متجددة جوهرها ومنبتها شوفينية ثقافية ولغوية تافهة ومفرغة من المعنى والدلالة، غير دلالة الإرث الصليبي والاستعماري الأسود الذي واكب صعود و نكوص فرنسا ما بعد ثورة 1789.

فرنسا ماكرون هي نفسها فرنسا روبسبيار ونابليون وديغول ومتيران وشيراك، دولة دينية وديمقراطية شمولية مارست أبشع أنواع الاستعمار في الخارج ودعمت ومازالت أكثر الأنظمة استبدادا وفسادا، وفرنسا الاندماج أو بالأحرى الانصهار في الداخل أي فرنسا الإقصاء والميز العنصري الناعم في الداخل وفرنسا الحارسة للأصول اليهودية المسيحية لأوروبا، وهذه الـ “فرنسا” تبدو اليوم تتجرّد ذاتيّا من كل مقوّمات الاندماج في عالم جديد جوهره التداخل والتثاقف بين الشعوب والحضارات في عالم ثورة التواصل والعولمة، وولادة الإنسان التواصلي، ولعل خسرانها وهزائمها المتواترة في وسط وغرب إفريقيا وفي شمالها وجنوب الصحراء والقرن الإفريقي، كلها مؤشرات استراتيجية على فشل الفرنسيين في إدارة العلاقة مع حلفاءهم القدم، ومستعمراتهم السابقة وما تصريح ماكرون بالنهاية سوى تصعيدا لذلك الفشل المزمن للفرنسيين في تقييم تجاربهم وعلاقتهم مع عالم الجنوب الذي مازالت ترى فيه مجرّد مناطق نفوذ ومصدر للنهب الممنهج لثرواته الرمزية والمادية… وتلك محنة فرنسا القديمة والجديدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق