راي رئيسي

رسائل الشعانبي في رمضان..
قيس سعيد و”الروح الانتصارية” على أعداء الداخل..

بعيدا عن أساليب النيل من القيمة الاعتبارية لصاحب الخطاب وبعيدا عن أساليب الترذيل والتبخيس، أجد أنني معني كمواطن بإبداء ملاحظات برقية حول كلمة الرئيس في جبل الشعانبي.

– الرئيس ظهر بعد غيبة طويلة نسبيا ظنناه فيها بصدد إعداد مشروع جدي ولكن تأكد أنه لم يكن يفعل شيئا مع الأسف.

– الزيارة لجبل الشعانبي جاءت في طقس سياسي يستثمر فيه عديد الأطراف في حادثة المختل التونسي الذي قتل شرطية فرنسية وأريد إلصاقه بطرف سياسي متحالف مع طرف سياسي آخر، الإلصاق تحت عنوان الإرهاب الديني والإسلام السياسي.

– الرئيس لم يغادر توتره المعروف بل ازداد انشدادَ أعصابٍ وعنفا في التعبير الجسدي وفي حشو المفردات.

– الرئيس كعادته لا يتوجه بخطابه لمن هو أمامه بل يرسل بصره في مدى بعيد وغير محدد وكأنه يخاطب الأرواح الشريرة يريد إخافتها وإشعارها بكونه ليس خائفا منها.

– الرئيس كعادته، إذا تكلم لا ينتج أفكارا ولا يفتح أفقا ولا يبشر بخير ولا يشيع أملا أو بصيص تفاؤل، وإنما يزمجر ويتوعد ويرسم خطا حتميا بين “الشهادة” و”الانتصار”، وهو ما يفيد أن الرجل يتخذ وضع المواجهة والمغالبة، ولأول مرة نسمع رئيسا تونسيا يخاطب “خصوما” سياسيين اصطنعهم ولم يخاصموه، بلغة حربية عنيفة معبأة كراهية وحقدا.

– المتابع لظهور الرئيس وكلماته يلحظ أنه بصدد تعقب نشاط مجموعات الفايسبوك يستجمع تعاليقهم حوله ثم يرد عليهم: مسألة التلقيح خفية والهبة الإماراتية، مسألة القوات الأمنية، مسألة التطبيع، علاقته شخصيا بالسلاح

لذلك تحدث عن عدم إسراعه للتلقيح لنفي حصوله وإسراعه للجبهة لتأكيد شجاعته بل واستعداده لحمل السلاح واتخاذ صفة العسكري وقد قالها صريحة.

ولا نعلم حقيقة إن كان السيد الرئيس يستنبط طرائقه الاتصالية بنفسه أم إن له مستشارين ينصحون له ويساعدون في ضبط شبكة مفاهيمية ومصطلحية يشتغل عليها وأيضا في تحديد بعض التعبيرات والحركات التي تساعد في إنجاح الحضور وفي إبلاغ الرسالة، وهنا نتساءل عما يمكن أن يستنتجه المواطن وهو يلاحظ تشنج رئيسه وهو يلوح بجمع يده وبأصابعه المعقودة في الفضاء كما لو أنه يصارع كائنات غير مرئية؟ بل وأي معنى للإيثار سيجده السامع وهو يتابع وقول سعيد “لن أفطر على الماء والتمر قبل أن يُفطر الجنود والضباط”؟

للتذكير: كنت كتبت منذ سنة أن سعيد وصم مرّة “خصومه” الذين لا يحدّدهم بكونهم “خائفين” وكنت حذرت من كونه سيشتغل على هذا الظن وسيتمادى في الابتزاز والتطاول.

وكعادته لا يتخلف عن استدعاء خصوم لا يسميهم ولكنه هذه المرّة يصمهم بـ “الإرهاب” وهو أخطر وصم قد يكون قبل “الإجهاز” عليهم إذا استطاع.

بعض المتابعين لردود فعل جمهور واسع على خطاب الرئيس يظنونه “خوفا” و”ارتعابا”، وهذا الظن هو في الحقيقة أمنيات لدى هؤلاء يودون لو أن الرئيس يرعب خصومهم بل وأكثر من ذلك يتمنون لو أنه يسحقهم (التمني في اللغة يفيد الاستحالة، والمتمنون سنفردهم بتحليل نفسي لاحقا).

ولتبديد وهم أصحاب الأمنيات السيئة نذكرهم بكون الزمن غير الزمن فالواقع الدولي والإقليمي مختلف جدا، وهذا الخصم الذي يودون زواله لم يعد ممكنا تكرار التجربة العنيفة معه ولا يمكن إدارة الصراع معه إلا في مسار ديمقراطي بآليته الوحيدة أي الانتخابات.

غير أن تركيبة الواقع الإقليمي فيها ما هو ضد المسار الديمقراطي ولا يخفي عداءه لأطراف ودعمه لأطراف، وفيها ما هو متابع ومتحين للفرص وخاصة الإدارة الأمريكية التي تعتمد منذ رئاسة أوباما سياسة “القيادة من الخلف”،بمعنى مراقبة التحولات الداخلية في الأقطار ثم الربط مع الطرف الغالب..

ولعل هذا ما يدركه كل من سعيد والغنوشي، وكلاهما يعمل على صناعة “أمر واقع” أي احتلال مساحات عن طريق التقدم في المناطق القانونية الرخوة حيث يتشابه “الحق” وسواه وحيث تفرض موازين القوى حالة “التوثب” الحذر دون مغامرة “الإجهاز” على الخصم.

العامل الأهم في تحريك المشهد السياسي – وقد يكون قريبا- هو الوضع الاجتماعي الصعب إضافة للوضع الصحي الذي لم يعد يأبه به التونسيون بسبب ضيق ذات اليد والحاجة إلى الخروج والتنقل والزحام بحثا عن لقمة العيش وحاجات الأسرة تحت وقع ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق.

هذا الوضع الصعب لن يترك كثيرا من الوقت للسياسيين حتى يمارسوا عبثهم واستعراضاتهم في القنوات وفي البرلمان، وإذا غضب ذوو الحاجة فلا “شرعية” ولا “مشروعية” لأحد، ومن يظن أن الناس إذا غضبوا سينتفضون على خصومه فقط فهو واهم، فغضب المقهورين لا هوية سياسية أو إيديولوجية له.

وبقدر ما يبدو المشهد باعثا على القلق واليأس فإن بادرة أمل تظل تشدنا إلى المستقبل حين نعتقد بأن من التونسيين ن هم أصحاب عقول راجحة وضمائر حية لن يتركوا البلاد تنزلق ـ لا قدر الله ـ نحو الفوضى، ولن يسمحوا للمتصابين والمراهقين بسحب التونسيين نحو منطقة السواد.

ولعل دعوة الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل في ذكرى عيد العمال، تجد صداها لدى السياسيين فيتواضعون لبعضهم ويتحلقون حول الوطن يعالجون جراحاته التي حفروها فيه زمن الحرية وأشواق الثورة حتى كادوا أن يضيعوه ويضيّعون أنفسهم قبله وبعده.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق